الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حكاية المستر كولس الموظف الإنجليزى الغامض فى الحكومة المصرية

عقيد إنجليزى توسط له ليعمل فى السكة الحديد.. وتقاضى راتبًا قدره 76 جنيهًا عام 1919

حصل من الدولة على بدل حرب وتأمينات ونفقات انتقالات وإجازات بمبالغ ضخمة

تلقى رعاية صحية من أطباء أمريكيين فى طنطا.. وجنازته حضرها أرفع المسئولين

اعتدت منذ سنوات طويلة التجول فى أسواق الأثاث القديم باحثًا عن قطع من الموبيليا تجسد قصصًا من حياة المصريين، وقد قادنى هذا التجول الطويل إلى عقد صداقات مع باعة مختلفين داخل السوق، كان من بينهم بائع يُدعى «عم حلمى»، الذى تحول مع الأيام إلى صديق. 

أتوقف عنده كلما مررت فى السوق، يعزم علىّ بشرب الشاى أو القهوة، بينما أقلب فى بضاعته، وهناك فى ذلك المحل الصغير تعرفت على المستر «كولس».

كانت بضاعة عم حلمى فى ذلك الوقت غريبة، وهى كذلك بالفعل دائمًا، ففى أسبوع تكون عبارة عن قطع موبيليا أو نحاس، وفى أسبوع آخر تكون موبينات سينما ١٦ أو ٣٥ مللى. لا يوجد تخصص، ورغم ذلك فهناك متعة ما فى استكشاف ما هو غير متوقع وجوده.

كان عم حلمى يعرض مجموعة ملفات موظفين حكوميين، مر على بعضها أكثر من مائة عام، وعرفت أن الملفات خرجت من مبنى السكة الحديد المواجه لمحطة رمسيس الجارى تجديده؛ ليبرز جمال عمارة تلك الحقبة الجميلة. قلبت فى الملفات وانتويت شراء بعض منها، وكنت أتوقع ألا يزيد ثمن أحدها على خمسين جنيهًا، لكن عم حلمى فاجأنى بأن قال لى إن الملف الواحد يبلغ ثمنه ٣٠٠ جنيه ففاصلت معه إلى أقصى حد، ووصل سعر الملف لمائة جنيه فاخترت ملفًا فى النهاية يحمل عنوان «ملف خدمة المستر كولس».

حملت الملف وأكملت جولتى فى السوق لأجد عند إحدى البائعات مجموعة ضخمة من المكاتب الإنجليزية المصنوعة من خشب الآرو، وطلبت البائعة، وهى تدخن الشيشة، ألف جنيه فى المكتب، وبعد الاعتراض على ضخامة المبلغ أخذت أتفحص المكاتب التى تتسم بالطابع المكتبى الإنجليزى، حيث لا حليات ولا نحاسيات، سوى قطعة واحدة من النحاس وجدتها ممسمرة داخل إحدى ضلف الدولاب. تلك القطعة كان مكتوبًا عليها «مابل أن كو- لندن»، وهى شركة أثاث إنجليزية تأسست سنة ١٨٤١ لصاحبها جون مابل، وظلت تعمل حتى انتقلت ملكيتها إلى أحد المتاجر الضخمة سنة ١٩٨٨.

اشتريت المكتب فأصبح لدىّ دولاب ومكتب وملف خدمة المستر كولس، الذى كان أول ملف يوضع فى أدراج المكتب، وهكذا اعتقدت حينها أنه لم يعد ينقصنى شىء.

ظل ملف خدمة المستر كولس يتنقل معى من سكن إلى آخر وأنا لا أعرف من يكون هذا المستر كولس حتى قررت ذات يوم تصفح هذا الملف الوظيفى، لموظف إنجليزى عمل فى سكك حديد الحكومة المصرية بين عامى ١٩١٩ و١٩٢٢. فما الذى يخبرنا إياه الملف عن حياة المستر كولس؟

لورانس والتر كولس- مواليد ٣٠ ديسمبر ١٩٠٠- كما يرد اسمه فى بعض الأوراق ومن بينها التعاقد الأول معه سنة ١٩١٩، الذى توجد منه نسختان فى الملف، كان رائدًا فى الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الأولى فى سلاح الفرسان المتطوعين فى احتياطى الجيش البريطانى، حيث خدم فى شبه جزيرة جاليبولى المطلة على بحر إيجة فى تركيا الحالية قبل أن ينتقل مع الجيش البريطانى إلى مصر فى ١٩١٨ ويتم تسريح فرقته فى ١٩١٩. قبل التحاقه بالخدمة العسكرية فى عمر السادسة عشرة، كان يعمل، كما تقول الأوراق، فى شركة السكك الحديدية البريطانية، وذلك لمدة ثمانى سنوات التى انتهت خدمته بها كحافظ ملفات فى فرع لندن. هذه المرجعية عن عمل كولس تبدو بالنسبة لى غير منطقية، حيث تعنى أن كولس قد بدأ مسيرته المهنية فى سن الثامنة من عمره ودون أدنى قدر يذكر من التعليم.

بعد انتهاء الحرب، ومن خلال وساطة من العقيد تشارلز إينسورث- لاحقًا سياسى وبرلمانى إنجليزى معروف- تم إيجاد عمل لمستر كولس كمساعد وكيل إدارة القبارى بالإسكندرية فى ٢٧ يوليو ١٩١٩ قبل أن ينتقل إلى طنطا فى ٢٠ أغسطس ١٩٢١. كان غرض العقيد أن يسعى للحفاظ على علاقته بالمجندين التابعين له، حيث كان قد خدم فى الشرق الأوسط فى الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب وفى سنة ١٩١٨ انتخب كنائب برلمانى واستمر نائبًا حتى ١٩٣٥.

من خلال ما يسمى بـ«كشف بمدة خدمة المرحوم جناب المستر كول (وهى أقرب للنطق من كولس) مساعد رئيس أقسام بحرى المتوفى» نجد أن المستر كولس قد تلقى مرتب تعيين أول فى يوليو ١٩١٩ قدره ٤٠ جنيهًا مصريًا وخمسة جنيهات أجرة سكن وتم منحه علاوة استثنائية بعد أقل من شهرين من تعيينه قدرها ٢٠٪ من أساسى المرتب ليصبح ٤٨ جنيهًا، بالإضافة إلى بدل السكن، ويلاحظ أن المستر كولس كان قد أبدى اعتراضه على المرتب بعد تعيينه، فتم احتساب العلاوة الاستثنائية، وحينما تقرر نقله إلى طنطا طالب من جديد بزيادة المرتب والعلاوة الاستثنائية، وتقدم بطلب لوزير الاتصالات برفع مرتبه ومخصصاته المالية، فتم عرض الطلب على المستشار المالى للوزارة الذى أفاد بأن أى رفع إضافى لمرتب المستر كولس يحتاج إلى عرض الطلب على مجلس الوزراء، وأضاف السيد ماكولى، مستشار وزير المواصلات، أن موظفًا آخر لديه خبرة أكبر من خبرة السيد كولس قد تقاضى مرتبًا قدره ٤٢ جنيهًا، وبالتالى فإنه لا يمكن رفع مرتبه. الشىء الآخر الملاحظ فى أوراق تعيين المستر كولس أنه لم يستكمل مستندات تعيينه إلا فى ١٨ أكتوبر ١٩٢٠، أى بعد سنة وثلاثة أشهر من تعيينه الفعلى.

المدهش فى الأمر كذلك، أن المستر كولس، بالإضافة إلى مرتبه الأساسى والعلاوة،كان يقبض بدل حرب مقداره ٢٩.٥٠ جنيه وكذلك ٢جنيه تأمينات وثمانية قروش دمغة؛ ليصل إجمالى مستحقاته فى أكتوبر ١٩١٩ إلى ٧٦.٣٣ جنيه بعد أشهر من تعيينه. فلماذا تدفع له الحكومة المصرية بدل الحرب ولا توجد حرب؟، وإذا كان قد حارب من أجل إنجلترا فلماذا تتحمل الخزانة المصرية بدل الحرب المذكور؟. 

وبفحص ملف السيد كولس يتبين كذلك أنه كان يحصل على إجازة سنوية ٣ شهور ونصف الشهر مدفوعة الأجر، مضافة إليها فترة الانتقالات التى تصل إلى ١١ يومًا مع حجز كل تذاكر سفره بالبحر أو بالقطارات فى الدرجة الأولى، وذلك من خلال الهيئة نفسها، وتتضمن رحلة البحر من الإسكندرية إلى مارسيليا، ورحلة القطار من مارسيليا إلى باريس، ورحلة القطار من باريس إلى كاليه فى فرنسا، حيث يعبر من فرنسا إلى إنجلترا وهناك يحصل على تذاكر انتقالات مفتوحة عبر إنجلترا عبر قطارات الدرجة الأولى، والمسار العكسى كذلك فى العودة لمصر.

بعد عودته من إجازته السنوية إلى مقر عمله فى ١٤ يونيو ١٩٢٢، مرض المستر كولس فتم نقله إلى المستشفى الأمريكى بطنطا، حيث تلقى رعاية طبية من أطباء أمريكيين، وتم تشخيص حالته على أنها حمى تيفود متأخرة، توفى على إثرها إلى رحمة مولاه، كما يذكر فى الملف الوظيفى عن جناب المرحوم المستر كولس أنه قد توفى فى ١٣ سبتمبر ١٩٢٢ عن عمر لا يتجاوز الـ٢١ عامًا. 

وقد نشر نعى لوفاة المستر كولس فى جريدة «الإيجيبشن جازيت» فى ٢١ سبتمبر ١٩٢٢ يصل إلى ثلث صفحة يذكر فيه أنه فى يوم ١٤ سبتمبر ١٩٢٢ أقيمت مراسم تشييع جثمان المستر كولس فى جنازة عسكرية تليق بمقام المستر كولس، وتم إرسال بوكيهات ورد تحية لروح الفقيد من القاهرة والإسكندرية وطنطا، وحضر المراسم كل من: محمود بيه شاهين نائب مدير مديرية «محافظة» الغربية نائبًا عن مدير المديرية، ومحمود بيه صادق الحضرى حكمدار الغربية، والصاغ محمد أفندى توفيق إسماعيل مأمور قسم ثانى طنطا، والبكباشى على أفندى فهمى واليوزباشى ياقوت أفندى لطفى، وحضر كذلك الملازم ثان محمد أفندى لطفى والملازم ثان هنرى أفندى حنا والملازم ثان محمد أفندى ذو الفقار والملازم ثان محمد أفندى حلمى والملازم ثان حسين أفندى جمال الدين من الوحدة الرابعة للجيش المصرى بطنطا، وأخيرًا من المسئولين الحاضرين محمد بيه بهجت، مدير بريد المديرية بطنطا. 

شارك بالجنازة كذلك زملاء المستر كولس السادة هياندس وهيبرت وباركر وكوك وكرويكشانك، ومن إدارة السكة الحديد حضر كل من على بيه صادق من إدارة الحركة بالفرع الرئيسى بالقاهرة، وبطرس أفندى مليكة نائب مدير إدارة السكة الحديد بطنطا، ومحمود أفندى منصور، المراقب العام بإدارة طنطا، وجميع موظفى السكة الحديد بطنطا، وحضر كذلك إبراهيم أفندى فوزى، مدير شركة التلغرافات بمديرية الغربية وكذلك مهندسو وموظفو إدارة الهندسة والإنشاءات بالمديرية. وأجرى المراسم الدينية دبليو جى باتى كاهن كنيسة سان مارك بالإسكندرية الذى حضر خصيصًا من أجل تشييع الفقيد.

جدير بالذكر هنا أن حالة المستر كولس هى تجسيد حى لأمثال شعبية مصرية متداولة مثل «الخواجة أحسن من البنى آدم»، ما يدل على تقدير الأجنبى عن المصرى ماديًا وأدبيًا. وتظل هذه الأوراق التى تم التخلص منها مرجعًا أساسيًا لتوضيح التمييز لصالح الأجانب الذى كان يتم فى مصر فى ذلك الوقت قبل ١٠٠ عام تقريبًا.