الإثنين 06 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عطر المحارب فى ذكرى رحيل «جيمى»

لم أرتب.. ولا قصدت.. لا فى الأمر الأول، ولا ما تلاه.

تسللت الرائحة إلى كل مسامى، وليس إلى أنفى وحده، تغلغلت حتى التبس علىّ الأمر: فى أى يوم نحن؟ وأين بالضبط هذا الموضع الذى أقف فيه من العالم؟ أهى الجمعة الرابع عشر من أغسطس ٢٠١٥، أو ٩ مايو ٢٠١٧؟ أهو مطبخ بيتنا فى «المعادى»، أقف فيه بعد صلاة الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠١٧، أعد ما هفت إليه نفسك، وجاوبتك إليه، فى ذلك اليوم؟ أو أننى ألبى طلب «مالك» حفيدى ذى الأعوام الستة قبل أن يعود من مدرسته القريبة من ضاحية هايد بارك، حيث جامعة شيكاغو التى تدرس بها ابنتنا، وتعد رسالتها للدكتوراه؟ 

هل ما يصلنى هو صوتك قادمًا من المكتبة يسبقك، تنادينى: «ممكن شاى أخضر يا جميل؟»، فأصطاد الفرصة الدانية، وأعد بدلًا من كوب واحد من شايك الأخضر، كوبين، أحدهما بالنعناع، أدخل بهما، كأنهما «حصان طروادة» أختبئ داخله، وأتعلل لأمكث وقتًا على مقعدى المواجه لمكتبك، بينما تعيد تصفيف بعض الكتب.. نعم الجمعة بعد الصلاة هذا وقتك الأثير، فى يدك البرنسيسة، «البرنسيسة» هى الريشة المخصصة لك لتقوم بالمرور على الكتب، بنفسك اليوم، ككل جمعة، بعد صلاة الجمعة، هكذا سمتها معاونتى فى المنزل، تمييزًا لها، وحتى لا تختلط بغيرها ولا تتساوى!.. «الواحد بينسى يا (جميل).. الكتاب (.....) كان عندى واشتريته تانى!».. أهونت عليك فى ذلك اليوم بأكثر من المعتاد، ولا أدرى السبب، اقترحت أن نشترك فى إعادة فهرسة جزئية.. شكلت رائحة البقدونس والشبت المخلوط باللحم المفروم وبعض الأرز النيئ، مع قليل من الفلفل الأخضر، «غيمة».. تكورت داخلها.. أغمضت عينىّ، تاركة أصابعى تفرك «عجين» داود باشا، ينما هدى سلطان تغنى «عمرى ما شفت الحب غير لما حبيتك.. ولا شفت راحة قلبى إلا وأنا فى بيتك».. تعرفنى.. لا تستقيم ساعاتى بغير السماع.. ولكل ساعة سماعها.. تعودت منذ صار لنا بيت أن أبدأ شئون المطبخ بتلك الأغنية.. أحب عبدالوهاب وهدى سلطان ومحمد عبدالمطلب وعبدالغنى السيد وطبعًا عبدالحليم، وأدخلتنى أنت إلى عوالم سماع بعرض الكرة الأرضية.. الإيرانى والتركى والمغربى والصينى وقدود حلب ومواويل الصعيد وموشحات الأندلس حتى موسيقى التبت.. عدت من عملى مساء أحد الأيام.. أمام باب الشقة استشعرت ارتجاجات، فتحت الباب، تحولت الارتجاجات إلى خبطات منتظمة قادمة من المكتبة.. جريت باتجاهها.. فتحت الباب.. رفعت رأسك من على الورق «أهلًا يا جميل..»! 

جميل.. إيه ده يا جيمى؟ 

تعالى.. تعالى.. دى موسيقى التبت! 

كأنما الزمان بغير انقطاع، أو أن العقارب توقفت عند ظهيرة ذلك اليوم الصيفى الذى بدا وديعًا، مسالمًا أكثر من المعتاد، أو كأن اليوم امتد.. آمنًا، لم يسلبنى «ليله» اطمئنانى كله قرب الثانية من فجر السبت ١٥ أغسطس، وأنا أحاول أن ألبسك خفين بيد، وأتلقى رأسك على كتفى، ويدى الأخرى تحوط وسطك، بينما تتلاحق أنفاسى محاولة طمأنة نفسى.. حاتعدى.. حاتعدى يا جيمى، ماتخافشى ياحبيبى.. أنا تعبان يا ماجدة.. أنا خايف المرة دى «باغتتنى المرة دى».. أتت.. ونحن فى ذروة «صفا»، أو هكذا كنا نظن.

كان عامًا من التجلى.. نلت فيه جائزة النيل، وأصدرت «حكاياتك الهائمة» ومجموعة «اليمام»، وصدرت الترجمة الفرنسية لآخر دفاترك، وما استبق ذلك من تحقق لحلمك.. وحلمى وحلم ماجى وقبولها بواحدة من أعرق جامعات العالم، والأولى فى أمريكا فى دراسات الاقتصاد و«اللاهوت»، جامعة شيكاغو.. كان اليوم جمعة، قبل موعد سفرها، فجر الأحد، بأربعٍ وعشرين ساعة.. كان نهار الجمعة أشبه بالبحر لما يستكين ويصير «حصيرة»، منبسطًا وألوفًا.. تذكر قالها لنا يومًا ذات ربيع عام ٧٤.. فى نوبة من نوبات جنوننا العاقل، أخذنا القطار إلى الإسكندرية.. ألقينا بطلة على البحر، رمقنا عجوز يصطاد، وبنظرة «الفاهم» دون سؤال، قال: البحر حصيرة لا موج.. ولا تيارات، تبادلنا معه كلمات آنسته، أكلنا سمكًا وعدنا.. حين عدنا وسألونا، قلنا رحنا نطمئن على أن البحر ما زال أزرق اللون ووجدناه مطمئنًا ساكنًا.. وجدناه «حصيرة».. كان الرابع عشر من أغسطس «حصيرة».. انشغلت ماجى بإعداد حقائبها ومالك طوال اليوم.. صلى محمد الجمعة ولعب رياضته، تناولنا معًا بشهية كفتة داود باشا التى هفت إليها نفسك، ولم أنسَ السلطة، فوّت قيلولتك لأن قناة «ناشيونال جيوجرافك» كانت تعرض فيلمًا عن مصر الفرعونية، وأردت أن تشاهده مع «مالك».

وعند العصر «فردت» ظهرك لدقائق قبل أن تجلس إلى المكتب وتصدح منه موسيقاك المغربية.. أتعرف.. حضورك عندى تصحبه دومًا «الموسيقى».. أميز أوقات اليوم بها.. نهارك فى باكورته لا تحتله غير ليلى مراد.. أو أتذكر يوم هاتفتك بعدما كتبت عنها يومياتك كاملة؟ يومها جاءنى صوتك منفعلًا، جياشًا: «تقولى مين لسه قافل معايا دلوقت؟!.. حزرت ورحت وجيت ولم أصل.. وحين نطقت باسمها، خيل إلىّ أنك تهتف.. أثيرتك، صوتًا وصورة.. حضورًا وذكرى.. فى الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠١٥ ختمت سماعك بصوتها.. ودعوتنى أن نتشارك السماع، بعد أن أنهيت عملك، بعد منتصف الليل بنصف ساعة.. جئت «بالآى بود» والسماعة وجلسنا متجاورين على كنبة غرفة المعيشة، وضعت «فردة» من السماعة فى أذنك والأخرى فى أذنى.. «من القلب للقلب رسول، والحب له شرح يطول»، فجأة خلعت السماعة وأنت تمصمص الشفاة: «صوت زى نور القمر على صفحة النيل».. ثم أعدت السماعة إلى أذنيك وأنت تغنى معها.. كيف كان لى أن أستشرف أنها سوف تكون مرة سماعنا الأخيرة؟ كيف كان بمقدورى وأنا غارقة فى «الصفو الآمن» أن أدرك أنه بعد ثلاث ساعات فقط سوف أسمع صوتك لآخر مرة، مستنجدًا من الوجع.. لم يكن قد مر غير أسابيع على نجاتنا جميعًا، أنت وأنا ومالك ومحمد، من تسمم عنيف إثر صنف حلو جلبناه من محل ينتهى «مآله» لواحد من «أصحاب الحظوة».. كانت ماجى ابنتنا تستعد بعد سنوات من الكد والانتظار لأن تبدأ دراستها للدكتوراه.. فقط حين تستحضر قلقك على «الحبوب» كما كنت تنادى ماجى، كنت ألمح دمعتيك «المعلقتين».. «نفسى أطمن عليها».. عندها، عند «الحبوب»، كان يغلبك ذلك الشعور الذى طغى عليك فى السنوات الأخيرة، «الزمن».. ألا تنجز ما تتمناه وعلى رأس قمته «الحبوب»، وكأنك تسبق الزمن وتسابقه.. تعمل يوميًا لما يقرب من ثمانى عشرة ساعة: «عندى أفكار ومشروعات محتاجة عمر.. مشكلتى الوقت»، كان الزمن هاجسًا مهيمنًا.. ولنقل إنه كان سؤالك الوجودى منذ تساءلت، طفلًا: «هو إمبارح راح فين؟».. والذى تحولت علاقتك به إلى شبكة من الأسئلة التى تفتش عن إجابتها فى علمى الفلك والفيزياء.. تتذكر تلك المناظرة الفريدة التى أجريتها مع واحد من علماء الفيزياء، وسألتك بعدها عن العلاقة بينك وبين هذا العلم الصعب..؟ يومها قلت لى: كيف لا أهتم بالفيزياء وأنا مهموم بالزمن؟.. الزمن وخُطى البشر والنسيان، والمقاومة بالفن.. نعم، تكتب لتقاوم المحو، والنسيان.. تقرأ العمارة، من الهرم إلى السلطان حسن، على أنها مجاهدة الإنسان ومقاومته للنسيان.. آخر ما اخترقنى بصوتك فى تلك الليلة: «خايف المرة دى ما تعديش».. أوينا للنوم فى تلك الليلة يغمرنا امتنان غير محدود ورضا، لم يخلوا من شجنك المقيم... كيف، وجهة نظرك، لم تنتبه بالقدر، الذى تراه مناسبًا، لتأمين محمد وماجى، وكما اعتدت أنا أن أقول إنك أديت بأكثر من المطلوب.. حصل محمد على بكالوريوس الهندسة وأنفقت كل جوائزك على ماجستيرين له، إحداهما فى الإدارة من جامعة كولومبيا والثانية فى الاقتصاد من جامعة بوسطن، وأرسلت ماجى إلى مدرسة لندن للعلوم السياسية والاقتصاد وإلى جامعة نيويورك لتحصل على درجتى ماجستير، وكلل الله مسعاك ومسعاها بمنحة للدكتوراه فى جامعة شيكاغو سوف تسافر لها خلال ساعات.. كأنك كنت تستشعر ما سوف يجرى قرب الفجر.. كأنك كنت ترى ما لم أفطن إليه.. وكأننى اطمأننت أكثر مما ينبغى.. لم يكن بحرنا فجر السبت الخامس عشر من أغسطس ٢٠١٥ «حصيرة».. كمن فى أحشائه «الإعصار الأكبر» الذى عصف بأولادنا وبى نحو الثالثة فجرًا، حين صحوت على أنّاتك ووجعك، واستغاثتك وعيونك تخترقنى بالوصايا... وأنا.. أنا أخالف ما اعترانى من هول أو أنفث بكل ما أملك رسائل طمأنة لا أصدقها.. منذ تلك اللحظة لم أعد أنتمى لما يجرى من حولى.. لم أملك رفاهية إظهار لا الخوف ولا الحزن.. كلاهما كانا رفاهة لأُبقى شراع مركبك مرفوعًا، يجاهد الإعصار.. وإن انقصم ظهرى وتعرى.. كل ما جرى بعدها كنت أراه وكأنه يحدث لغيرى.. فصلنى لوح شفاف واحتميت «بغيمة» من الروائح والأصوات وملامستك.. بالعكس، لم تعد تغادرنى بالسفر أو الانشغال.. أحكمت عليك جدار القلب إحكامًا بغير منافذ.. تغلغلت أنت طواعية وقبولًا، ففاضت روحى بحضورك المستقر منذ الواحد والعشرين من أبريل ١٩٧٤، لما التقينا فى اليوم الربيعى فى مطعم «بترو» بالهرم، وأمضينا أربع ساعات نأكل ونحكى، ختمتها بكتابك «أرض.. أرض»، وعليه سطران «رغم أن تعرفى بك قد تم منذ وقت قصير، إلا أننى أحس أننى أعرفك منذ زمن بعيد».

فى أول أسبوع من أبريل، كان اليوم الذى اصطحبتنى فيه إلى جامع السلطان حسن لترينى ما لم يكتشفه أحد قبلك.. «رع» يتوسط أعلى جدار السلطان حسن.. تلك الشمس الفرعونية التى أرسلت إليها عينيك، وأخذت كفى بين يدك التى رفعتها فى صوب الاتجاه.. كانت مرتنا الأولى.. وعناق أكف بدأ واستمر حاملًا تواصلًا، تباينت رسائله على مدى عقود أو لم يتوقف، ولن.. نتعاتب به ويموج بالمكنون.. نتآزر عبره ونتساند، أفتش عنه إن غاب ملتمسة الأمان.. أشكوك إليه إن أغضبتنى.. أستسمحك عبره وأصالحك، أقبله شابة وجدة.. صار سارية، علمى.. فى التاسع من مايو نفس العام نزلت من قطار المعادى حلوان، محطة باب اللوق، كنا اتفقنا أن نلتقى فى الحسين.. هناك بمقهى، أعلى تلك العمارة المطلة على مشهد سيدنا الحسين الذى لم أعرف الطريق إليه إلا معك قبل أسابيع.. لم أوقف تاكسى.. سرت باتجاه عكس اتجاه مدرستى «ليسيه الحرية» باب اللوق.. رحت أفتش عن مكتبة كنت أشترى منها كراساتى وأقلامى، دخلت.. لا أعرف بالضبط طلبى.. غير متيقنة من قرارى.. هل أملك شجاعة تنفيذه؟ هل سوف أصمد؟.. أصبح عندى ما أخفيه عن العالم، وهو ما لم أتعوده... «عندى سر» أدفنه فى داخلى.. أفتش عن بغيتى التى لم أحددها.. سوف أشترى هدية عيد ميلاد لرجل أحبه.. لمحتها.. قلم جاف «باركر» ثمنه جنيهان وخمسة وسبعون قرشًا، فى علبة غطاؤها بلونى المفضل «الأزرق» أو الكحلى، بمعنى أدق بلون تنورتى التى أذهب بها إليك يعلوها القميص الأصفر، وهو نفس اللون الذى سوف نشترى عنه كتابًا باللغة الفرنسية بعد أكثر من ثلاثة عقود، وتطلب منى أن أقرأه لك مترجمًا، ونخصص له ساعة تسبق جلستك اليومية على المكتب.. لم أطلب من البائع أن يلف العلبة لفة هدية.. تركته بغير قصد، يتصور أن القلم لنفسى.. كان القلم فعليًا «لنفسى».. نفسى التى تعرفت عليها أو عرّفتنى أنت عليها.. دسست العلبة فى حقيبة معلقة بكتفى وفوفها، يدى.. أتحسسها بكل كفى، ثم بأطرافى، أطمئن لوجودها.. وأفكر ماذا أقول لك؟، وكيف أعطيها لك؟ هل أقول لك كل سنة وأنت طيب.. هل أكتب معها ورقة بإهداء؟ هل أضعها صامتة فى كفك؟ هل أقول لك إننى أحس بأمر لا أفهمه؟ هل... 

فى مقهانا الذى لم يكن «الفيشاوى»، لمحتك منحنيًا فوق كتاب.. لم أكن أعرف الكثير عنك.. كل ما كان عندى كانت تلك البهجة التى تعترينى وأنا مقبلة للقائك، عطرى الذى أراوغك فى تحديد اسمه حين تسألنى.. «أزرقى» الذى رأيته جميلًا فيما أرتديه واقترحت علىّ أن أضيف إليه «الأحمر الياقوتى»، لونك المقرب.. أو الأخضر بلون حجر الزمرد.. بصوت لم تخفضه منذ عرفتك قلت: أهلللللًا.. طويلة وجهورية، كأنك ترحب بصديق.. مددت يدى أصافحك وسحبتها بسرعة.. غمرنى خجل.. لا أعرف هل كان السبب تلك «الأهلًا» التى تشبه هتافًا.. والتى تصورت أنها سوف تصعب مما انتويته، أو أن السبب كان تبخر شجاعتى وقد أدركت أنه صار لى «سرى»... كانت أغنية لفيروز تنبعث من بعيد.. وكنت كعصفور، أقفز ولا أسير.. حتى جلست أمامك.. وتأملت أصابعك الطويلة وهى تلف سلسلة متشابكة من دبابيس المكتب! كانت السلسلة مدخلًا لإنقاذى، حين وجدتنى أنظر إليها متسائلة.. ضحكت وأرجأت الإجابة وأنت تناولنى الكتاب الذى كنت تقرأ فيه: «قررت أعرفك على أصدقائى.. إليك أيتها الآنسة الجميلة واحدًا من عظماء الرواية (إيفو أندريتش) وروايته (جسر على نهر درينا)».. بعدها بعام ونصف العام، فى السابع والعشرين من ديسمبر ١٩٧٥، بعد زواجنا بيومين، سوف نسافر معًا إلى الإسكندرية ومعنا كل أجزاء رواية «أسرة تيبو» التى ستصفها إلى اليمين من جانب فراشنا.. شربنا شايًا ومددت أصابعك تشير إلى مآذن وقباب، تشرح طرزًا وتقرأ أحجارًا ثم وقفت فجأة ومددت إلىّ بذراعك التى سوف تبقى دومًا ممدودة: «عازمك على الغدا عند أبوهاشم».. بقيت محملقة.. أضحك وأتكلم وأختبئ فى ضجيج انفعال مصطنع.. لم يكن يشغلنى إلا العلبة ذات الغطاء الأزرق والقلم «الرسول» الذى احتفظت أنت به وما زال مستكينًا «ناعمًا، منعمًا» فى العلبة ذات الغطاء الأزرق، فى الدرج الأول من يمين مكتبك، تخرجه لى من حين لآخر، فى رسالة تتعمد طمأنتى بها قائلًا: «هو الوحيد اللى فى الدرج.. أى قلم تانى لا يمكن ييجى جنبه».. صمت أنا فجأة، تاركة يدى لكفك.. أطبقت على يدى، ثم تخللت أصابعك أصابعى، وسرنا صامتين، وأنا أخشى أن أقطع «وصلنا» الصاخب.. معًا.

فى الطريق إلى أبوهاشم عرجنا على حارة الدرب الأصفر.. هنا بيتنا قبل الانتقال إلى مدينة نصر، فتحت لى خزائن عمرك.. وانسابت كلماتك.. وكان مهرى منك «غمر صادق».. حين وصلنا إلى باب «مطعم أبوهاشم» القابع فى دواخل الحارة، سحبت يدك، وبنصف انحناءة قلت ضاحكًا: «اتفضلى يا جلالة الملكة»، من لحظتها توجتنى على حياتك وصرت عندك «جلالة الملكة».. يومها سرنا على الأقدام من الحسين إلى باب اللوق، صعدت معى إلى رصيف القطار، هكذا كنا نسميه قبل أن يتحول إلى مترو.. وقفنا على رصيف المحطة، فوتنا قطارين وعند وصول الثالث، أخرجت «سرى» العلبة ذات الغطاء الأزرق.. رفعتها إلى مستوى نظرك.. «كل سنة وأنت طيب»، وقفزت إلى القطار وقد بدأت رحلتنا «معًا». 

مفتاح باب الشقة المقابلة، وجارنا العجوز، وبصوته ينادى بالإنجليزية على زوجته.. والجرس الذى يشير إلى وصول الأسانسير إلى الدور السابع والثلاثين، شقّا «غيمة» الروائح.. مزقا «حوصلتى».. انتبهت إلى صوت ارتطام الأمطار بالنوافذ الزجاجية الواسعة لشقة ماجى ابنتنا فى البناية التى تطل على بحيرة ميتشجان، التى ينتهى عندها شارع ٥٦ من الجانب الشرقى لضاحية هايد بارك، على بُعد ثلاثة شوارع عن جامعة شيكاغو.. لم تكن هناك المكتبة، ولا كنبة غرفة المعيشة التى نتشارك عليها سماعتك والآى بود.. لم أكن فى مكانى.. ولكنا كنا «معًا» فى الزمان الممتد. 

440343
440343
69654682_902178053486367_3814086183261044736_n
69654682_902178053486367_3814086183261044736_n
جمال الغيطانى (2)
جمال الغيطانى (2)
جمال الغيطانى (3)
جمال الغيطانى (3)
جمال الغيطانى (4)
جمال الغيطانى (4)
جمال الغيطانى (5)
جمال الغيطانى (5)
جمال الغيطانى (6)
جمال الغيطانى (6)
جمال الغيطانى (7)
جمال الغيطانى (7)