الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

البهجة تسيرعلى قدمين فى شوارع هذه المدينة

القاهرة لا تغمض عينيها بتاتًا، وأناسها يقدسون الحياة والفن والطعام.. أعتقد أن هذا ما يفسر وجود مطعم أو «عربية» فول، سجق، أو كبدة بين كل محل وآخر.. موظفو المطاعم لا يملكون فى الـmenu شيئًا اسمه «شطبنا».. الأبواب مفتوحة على الدوام والقلوب قبل ذلك مع ابتسامة نقية كدعوة طفل.

الواحدة بعد منتصف الليل.. تغلق محطات المترو وتفتح المدينة قلبها للغرباء، فى كل شارع لوحة متحركة، داخل كل وسيلة نقل مشهد سينمائى، فى كل فم لقمة أو غنوة أو شتيمة تخرج بطريقة فنية، الحياة هنا تحتاج إلى «مراقبة بعين نحات» وأذن موسيقية لتستوعب الفن الذى يحدث، كنت أفكر كثيرًا كيف يجرؤ الناس على الثمالة هناك! أقصد السياح.. كنت طيلة المدة الماضية أنام لخمس ساعات أو أقل حتى لا يفوتنى شىء بالخارج، عقارب الساعة فى القاهرة تنزلق على قشرة موزة، وإنه لحقٌ كما يقال «إن ٢٤ ساعة هناك لا يمكن أن تعتبرها يومًا»، الحياة لا تتوقف ولا يمكنك أن تعرف حقًا أيهما أجمل القاهرة صباحًا أم ليلًا.. فى كل أحوالها تقهر الرتابة وتمزق خرائط طريقها إليك، وتفقأ عينيها حتى تضلها عن سبيلك.. هذا ما شعرت به.. ولم أشعر أنى قد غادرت بلدى قط.. لم أشعر بالغربة على الإطلاق، وأنت ستتفهم هذا لاحقًا، ستعاقب نفسك- حينما تعود إلى بلدك- على كل رجفة راودت جفنك فى فترة إقامتك.

من كافيه ريش إلى طلعت حرب، جففت شاربى من بقايا شراب قصب السكر البارد، «أكاد من فرط الجمال أذوب»، وأفسحت المجال لمخيلتى لابتلاع كل ما أمر به.. باعة الجرائد ذوو الملامح المنحوتة، عربات السجق الملونة، «أم على» ذات الطبقة المحمرة، رجل المرور الضحوك، حتى تمثال «بلوتو» الذى يوشك على التحرك من فرط صخب سماعات التوكتوك ويصرخ بلكنة شعبية «إخوااااتى إخواااتى»، والمعلمون القدامى يدحرجون النرد ويدعونك لشرب الشاى بطريقة مختصرة «تعااا اشب شاى»، وكوبرى النيل حيث لا تجد النسمات الباردة مساحة بين الأصابع المتشابكة قبل أن يخبر الرجال زوجاتهم بأنهن زى العسل، دون أن يخجلوا من الحاضرين بالطاولات المجاورة الذين أنهوا للتو أراجيل التفاح وطلبوا «سحلب» بالفواكه..!

النيل بالأسفل يتوقف لبرهة ليبتلع أعقاب سجائر باعة الفشار ويكمل طريقه أسفل السفن المضيئة، التى يبدو أنها لا تسير إلا بالموسيقى.. الموسيقى تحرك كل شىء هناك، حتى الحزن يرقص على وحدة ونص.

عند مرورك بقناديل وروحانيات ميدان السيدة زينب، ستقتنع بأنك سافرت عبر الزمن، وأنك تسمع بوضوح احتكاك حدوات أحصنة المماليك بالأرضية الصلدة، وصياح تحذيرات رماة الأسهم من أعلى البرج الشاهق كدهشتك عند نزولك مصر لأول مرة.

اليوم التالى كان قد فاتنى الإفطار فى بوفيه الفندق.. ولأن ساعة معدتى معطلة وجدت نفسى أتناول وجبة فى مطعم أجنبى وحيدًا، فوق أنه لا يمت لأجواء البلد بأى صلة.. لم أشعر بالرضى حتى غادرت فندق «توليب جولدن بلازا»، رفقة أحد سائقى تطبيق uber الهادئين الذين يسألونك فقط «الساعة كام» حتى يضعوا إجابتك تحت جهاز كشف الجنسيات السريع ليتأكدوا من أنك لست مصريًا.. عليك أن توفر ألاعيبك هنا، لأن إخفاء لهجتك الأم تشبه محاولة إخفاء جثة.. أقصد أن الرائحة تفوح فى كل مكان وبصماتك واضحة، الجميع كشف أمرك.. لا ينقصهم سوى اعترافك!

من ليبيا.. قلت للمحقق، أقصد السائق، فى نصف الرحلة، بينما كنا نعبر الشوارع المحاصرة بأدخنة الزيوت الحارة المشبعة بالتوابل والمبانى العتيقة التى تتدلى منها حبال الغسيل المرتخية.. «أحسن ناس».. رد السائق بصوت ناعس.

كنت أود أن أحدثه أنى أعرف كل البلد عن ظهر قلب، رغم أنها أول زيارة لى بها.. أعرف خوفو وأنوبيس ومقهى نجيب محفوظ ومحطة مصر وميدان المطرية ونفق الأزهر والست والعندليب وعبدالوهاب والقصبجى وهند رستم وحتى عادل شكل «الزعامة».. لكن ضحكت فجأة عوضًا عن ذلك، حين صادفنى كافيه يجذب المارة بعبارة مغناطيسية «ما تيجى ندخل»، كان واضحًا أن صاحب الفكرة فنان واختصر الـshow فى كلمتين خفيفتين تملآن مسرح خيالك بالتكهنات وتسيل لعاب فضول المارة.

لا أعرف لماذا آنذاك تذكرت صديقى الشهم جدًا محمد جلال، حين كان يخبرنى بلهجة صعيدية تمتزج بين الطيبة والكوميديا بأنه هنا ستجد مطعمًا يضع لافتة تتوسطها آية {كلوا من طيبات ما رزقناكم}، ومحل عصائر يضع لافتة أخرى تقول{وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا}، وألا أستغرب حينما أجد خياطًا يستخدم آية {وكل شىء فصلناه تفصيلًا}.. لكن سائق توكتوك كاتب {يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} ده اللى كتير أوى يا مصر.. تأبطت نكتة صديقى ووصلت للمطرية حيث كان فى انتظارى الرفاق مع وجبة كشرى ساخنة مغدقة بالشطة، صحن دسم تتصاعد منه رائحة التوابل وبخار ساخن يخرج لسانه لبرد الشتاء ويجعلك تفكر فى خلع معطفك وتطلب علبة بيبسى، غير أنها إحدى عاداتى التى تغيرت هنا وحل محلها الشاى.. «إحنا هنا نحبس بالشاى بعد الأكل» هكذا اقترح صديقى. 

عدت إلى بلدى حاملًا معى عاداتكم ونسيت شيئًا منى هناك.. من المؤكد أن القاهرة دللتنى حتى أنستنى أننى لم أنزل بها ضيفًا.. حتى بعد أن غادرتها لم تغادرنى قط.