رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

تحت التمرين.. الأرشيف الصحفى لـ«المحرر عبدالحليم حافظ»

عبدالحليم حافظ
عبدالحليم حافظ

كنت أتتبَّع خطوات ومواقف الفنانين فى ندوات وحفلات ومؤتمرات سياسية، فوقعت على الأعمال الصحفية لعبدالحليم حافظ. 

كتبت أم كلثوم ٣ مقالات عن تجاربها الأولى بتوقيع «الآنسة أم كلثوم»، نشرت فيروز مقالًا عن حياتها الشخصية فى مجلة «الموعد» اللبنانية فى مرحلة «تكسير الجليد» بينها وبين الصحافة، صاغ مصطفى وعلى أمين مقالات لعدة فنانات مقابل خدمات روحية، لكن حالة «حليم» كانت غريبة. 

لم يكتب مقالات وخواطر عابرة، إنما حوارات صحفية، وتحقيقات «كما وصفتها مجلة (الشبكة)» وراء قضايا كبرى. طلب «مشروبًا ساخنًا» من المصدر كى يطيل الجلسة حتى يصطاد المعلومات، وأمسك بالورقة والقلم ليدوِّن وراء منيرة المهدية هجومها على «عدوتها» أم كلثوم، فما الذى يخبِّئه؟، وسافر إلى فيينا لمقابلة عمر الشريف قبل أن يهدر المصريون دمه بتهمة التطبيع مع إسرائيل، وفى جيب حقيبته «كاسيت» وأشرطة فارغة لتسجيل الانفراد الذى تنتظره كل المجلات الفنية.. فما الذى يقوله ورق المجلات الأصفر عن عبدالحليم حافظ؟ 

«مندوب الكواكب» فى «لقاء جيلين» مع منيرة المهدية

نحن الآن فى ١٤ أكتوبر ١٩٥٥. 

يتعاون عبدالحليم حافظ مع عبدالوهاب لأول مرة فى أغنية «توبة»، ويوسّع شبكة علاقاته كى يتمكَّن أكثر فيضرب عصفورين بحجر واحد.. يمدّ خيطًا رفيعًا مع الصحافة فيكتب لها، ويتعرَّف على منيرة المهدية. 

بدأ، قبل عامين، الغناء، وظهر «صوتًا فقط» فى فيلم «بعد الوداع» بأغنية «ليه تحسب الأيام؟»، وأحيا أول حفلاته تحت مِظَلَّة عبدالناصر. 

كان ابن الثورة؛ لا أحد يعرف اسمه من أيام الملكية، ويشقّ طريقه كما يشقّ الضباط الأحرار الطريق، وينظمون أول حفل رسمى بإعلان الجمهورية فى حديقة الأندلس. 

يصبح أول حفلاته وأول حفلات «جمهورية مصر» حفلًا واحدًا، فيقولون إنه مطرب الثورة.

عمره ٢٦ عامًا، ويريد أن يصطاد «كبار الفن» لتقديمه، ويعرف أن خدماته للصحافة ستصنع شهرته. يستوعب أن أشياء كثيرة تنقصه، أولها دعم الحرس القديم، فيذهب إلى منيرة المهدية كـ«محرر تحت التمرين» فى مجلة «الكواكب» ليجرى معها حوارًا صحفيًا. 

لماذا ترسل «الكواكب» شابًا إلى مطربة عمرها ٧٠ سنة؟ تبرِّر المجلة اختيارها فى المقدمة: «ما أبلغ الفرق بين الجيل القديم والجيل الجديد، وما أطول المسافة بين الفن منذ ثلاثين عامًا، والآن؟.. نحاول هنا أن نجمع بين ذكريات الماضى وصور الحاضر فى إطار واحد طريف.. والمحرر يرمز إلى الجيل الحديث.. تُرَى كيف يلتقى الجيلان، وما الحديث الذى يدور بينهما؟».

تناول عبدالحليم تصريحًا باسمه وصفته «مندوب الكواكب» من مدير التحرير، الذى يقول إنه رفض أن «يضع فى رأسه أسئلة يوجهها إلى منيرة المهدية»، لكنه «تركه يطرق باب الحديث بيده»، ثم أملى على حليم أولى قواعد الصحافة، والجلوس إلى مصادر ربما تكون متسرِّعة أو مغرورة: «اطلب مشروبًا ساخنًا حتى يمنحك وقتًا للحصول على ما تريده من إجابات قبل أن يبردَ، فالضيف سيضطر لاستقبالك حتى تشربه». وبالفعل، يطلب حليم قهوة بـ«مياه مغليَّة» تقدِّمها له خادمة الست منيرة. تقول له إنها «معمولة بالحبهان» حتى لا ينزعج من غرابة طعمها: «إوعى تكون خايف تشرب حاجة من عندى».. يندهش حليم: أبدًا يا ست منيرة.. أخاف ليه؟.

تستدعى ذكريات تاريخ من الكيْد بينها وبين أم كلثوم: «الست أم كلثوم جت لى من حوالى جمعتين مع القصبجى، وقدمت لهم كازوزة، راحت سابت القزازة اللى قدامها وشربت من القزازة اللى قدام القصبجى.. فأنا ساعتها اتضايقت، وحبيت أبيّن لها إن قزازتها أمان، مش هسمّها، فأخذت القزازة اللى قدامها وشربت منها وعملت نفسى أخدتها بالغلط».

وفق نص الحوار، «استغل عبدالحليم هذه المناسبة وأمسك ورقة وقلمًا، وبدأ يسألها: ما علاقتك بالست أم كلثوم؟.. فقالت منيرة: حبايب يا أخويا».

أجرى تحقيقًا لـ«نفى جاسوسية عمر الشريف»

فى مرحلة تالية من حياته، يعمل عبدالحليم حافظ «مندوبًا» لمجلة «الشبكة» فى القاهرة. 

 

وقتها، كان يجرى حوارات إذاعية لحساب «إذاعة القاهرة»، ويرسل نسخة مكتوبة للمجلة اللبنانية. فى نهاية الستينيات، يقع عمر الشريف فى حب باربرا سترايسند «ممثلة أمريكية من أصل يهودى»، يقول إنه سيتزوَّجها وقَبلت، لكن اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة يعترض ويهدّدها، حسب مذكراتها، فتتراجع، وتقرَّر أن يحبَّها سرًا. شحنت «حرب ٦٧» بطاريات غضب صحف القاهرة ضد إسرائيل، فاتَّهمت عمر الشريف بالخيانة، وطعنت فى عروبته، ورجولته، وغيرته على جيش بلاده لأنه ظهر فى فيلم «فانى جيرل» يقبّل باربرا سترايسند وهى تضع على خدّها وشم «نجمة داود»، فطار حليم إلى فيينا «النمسا» حتى ينفرد بحوار إذاعى معه كى يَرْكَب الأزمة، وعاد إلى بيروت، و«فى حقيبته شريط مسجَّل حرص كل الحرص على صيانته من التلف والضياع، ويتضمن الشريط تحقيقًا صحفيًا أجراه عبدالحليم مع زميله وصديقه، النجم العالمى عمر الشريف». طبقًا لـ«الشبكة»، «اعتذر عبدالحليم عن البوح بأسرار الشريط المسجّل للصحافة لأنه أجرى الحوار باسم إذاعة القاهرة، وليس من اللائق أن تنشرَه الصحف قبل إذاعته، غير أن (الشبكة) استطاعت أن تقف على جزء من مضمون الشريط، وهو الجزء الأهم، المتعلق بـ(عروبة عمر الشريف)». وينشر عبدالحليم «الإجابات الساخنة» لعمر الشريف فى المجلة اللبنانية: «يقول عمر إنه عربى ابن عربى، ودمه عربى، وأصله عربى، ولا يرضى عن وطنه بديلًا، وإنه يشكل دعاية للفنان العربى المتحضر، المتطور، المنفتح على الميادين العالمية». تتجلّى سيرة الممثلة اليهودية، فيقول عن قُبلة «نجمة داود» إنه «رسم على خده وشم (علم مصر) ليثبت عروبته ويفاخر بأنه مصرى وإنه هو الرجل القادر على قهر المرأة والانتصار عليها وسحقها عند اللزوم». يجرى حليم الحوار، وهما يلعبان «كوتشينة»، ويقدم أسئلة تساعد عمر على الخروج من حفرة الصهيونية، وشائعات انحرافه فى هوليوود: «سمعت إن لهم موقف خاص منك شخصيًا بصفتك مصرى عربى؟.. عاكسوك (عملوا ضدك) مرة واحدة فقط؟».. يردّ: «أكتر حاجة بتتعبهم لما يكون الواحد مصرى أكتر منه عربى.. بيتغاظوا من الرئيس عبدالناصر ومن مصر ومن موقفها.. وعاكسونى مرة واتنين وتلاتة.. بس أنا بعاملهم بطريقة دبلوماسية جدًا لأنى عايز أوصل الأول وأكون مهم فى السينما العالمية عشان بعد كده أقول أعمل وأقول اللى أنا عايزه». حليم صاحب صاحبه، يخدم عمر بعينيه، ويمرِّر له فرصًا مؤكّدة للتهديف. فى نهاية الحوار، استدعى قصة «بدون مصدر» عن ترشيحه للأوسكار واستبعاده فى اللحظات الأخيرة بحجة أن الصهيونية تحاربه: «كنت أنا مرشحًا للأوسكار ووصلت هوليوود وقبل إعلان النتيجة بأيام فوجئت بمدير دعايتى فى هوليوود يسألنى، أنت صحيح كنت فى الطيران المصرى وكنت بتحارب سنة ٥٦ ضد إسرائيل؟.. قلت: لا محصلش.. أنا فنان.. فقال: فيه صورة أرسلت لكل السينمائيين وأنت طيار وبتقول إنك كنت بتحارب.. قلت: هات الصورة عايز أشوفها، ولقيتها صورة من فيلم مصرى قديم مثلته زمان، ومثلت فيه دور طيار فى شركة مصر للطيران». قبلها، كشفت «الشبكة» فى تقرير صحفى أنّ عمر يمشى فى سِكّة التطبيع، وفضحته تحت مانشيت «لنُسقط هذا الفنان»: «ضبطناه متلبسًا بجريمة تسجيل حديث خطير لإذاعة إسرائيل.. أذيع بعد نشرة الأخبار وتجاوزت مدته ٢٠ دقيقة.. سجلنا الشبكة على شريط خاص ليظل وثيقة ندينه بها». أشار حليم للحكاية فى «حوار فيينا» ليفتح باب الدفاع لصديقه تمنحه البراءة: «فيه جرائد فى مصر ولبنان قالت إنك أدليت بحديث لإذاعة إسرائيل!». يستلم عمر طرف الحديث، ويكذب: «طبعًا لأ، ده محصلش، إنما أوقات أعمل حديث فى الإذاعة الأمريكية، ياخدوا الشريط يذيعوه، وكأنه معمول للإذاعة الإسرائيلية»، فيردّ حليم كى يبدو الأمر عاديًا ومتكررًا ويزيل التراب عن ثيابه: «يعنى بالطريقة اللى بيذيعوا بيها أغانينا فى إسرائيل».

هاجم التابعى فى مجلة لبنانية فاتهمه بـ«خداع الجمهور»

ظلّت «الكواكب» و«الشبكة» تحتفظان بعلاقة ودودة مع عبدالحليم حافظ حتى آخر عمره، لأنه كان محررًا فيهما. 

كانت الأولى تنفرد بأغلب أخباره فى مصر، والثانية تنشر أسراره فى لبنان. اتَّبع حليم معهما قِسْمة العدل، فمنح كل واحدة ما يناسبها، وكان يستغلهما لحسابه أحيانًا. 

فى إحدى المرات، أراد أن يهاجم الكاتب الصحفى محمد التابعى، صديق العائلة المَلَكية، ومؤسس مجلة «آخر ساعة»، ويعرف أن لا صحيفةً فى مصر ستنشر ما يقوله، وفاءً لأحد أساتذتها فذهب إلى لبنان. 

هاجم التابعى فى «الشبكة». نشر حوارًا يحقّر الرجل، وينزع عنه عَظَمَته، ويقول إنه وصل لعُمر جعله مخرِّفًا «فى عمر لا يتفق مع النباهة والدقة فى اختيار الكلمة الموزونة.. وهاجم كل من طالهم قلمه، ويكره النجاح والناجحين».

كيف واجه التابعى «حليم»؟

قال فى أحد مقالاته، إنه «ممثل فى حياته الخاصة، يستغل صداقاته لمصلحته، يتملّق كبار الكتاب، يبلف الناس، ويتظاهر بالمرض ليستدرّ عطف الجماهير»، فوجَّه حليم مدفعيته بالكامل إلى وجهه، مستخدمًا «الشبكة»، التى كانت توصف فى مصر بـ«مجلة الفضائح» حتى إن عبدالناصر هدَّد رئيس مجلس إدارتها، سعيد فريحة، بمنعها من التوزيع فى مصر «لو لم تلبس المطربة جاكلين هدومها على غلاف المجلة فى العدد القادم»، لأنها وهى عارية «تستفز أدب وحشمة المواطن المصرى». 

أدار عبدالحليم معاركه بالمجلات والصحف، التى صاغ علاقته بها على أساس «الخدمات المتبادلة».. يغتال من يزعجه معنويًا، ويهزمه بالضربة القاضية على صفحاتها الصفراء، فكان شجاعًا على الورق فقط، وفى الوقت المناسب يطلب منها المساندة، أو ينهى مشكلة لأحد أصدقائه كى تدور دورة المصلحة، وتصبّ فى حساب شهرته من جديد.. وأحيانًا، يأمرها بفَرْم أعدائه مع نسخ «المرتجع».

البحث عن «عروس» لـ«العندليب» فى «الكواكب» لإعادته للأغانى الرومانسية

فى مناسبة أخرى، قادت «الكواكب» حملة لتلميع «محررها القديم» بعد فترة عرَّضته للهجوم فى صحف القاهرة، وبدأت حملة البحث عن عروس لعبدالحليم حافظ. استقبلت الكواكب «٢١٨ عروسة» لعبدالحليم فى مقرها بوسط القاهرة.. أعدَّت لهنّ «فوتو سيشن» وطلبت منهنّ خطابًا رومانسيًا كى تعرضه على عبدالحليم ليختار عروسه، وقالت إنه «قرأ الخطابات بعناية وتأكّد من وجود إقرار من ولى أمر البنت بأنه لا يعترض على الخطاب بعدما قرأه كاملًا، ووافق على كل كلمة فيه، إلا إذا كانت البنت تجاوزت سن الرشد ولا تحتاج إلى موافقة ولى الأمر». ويعترف «حليم» بأنه جعل «الكواكب» خاطبة، كما قالت له المعجبات فى مكالمات عتاب، لأنه لا يحتاج إعلانًا كى يتزوَّج وهنّ «تحت أمره». 

كان هذا نوعًا مبتذلًا من «الخدمات المتبادلة» بين المجلات وعبدالحليم؛ إذ نشرت «الكواكب» ١٠ صور و١٠ خطابات لاصطياد العندليب.. لكنه فى النهاية رفض الـ٢١٨ طلبًا، وفضّل العزوبية.. لأنه لم يكن يريد أن يتزوَّج من البداية.

ما الذى يريده؟ 

السبب الحقيقى وراء الحملة الصحفية لإعادة إنتاج عبدالحليم «العاطفى» أنه لم يتلقَ أى عرض لتقديم حفلات تجارية فى هذا العام ١٩٦٢، وحصره المنتجون ومتعهّدو الحفلات فى الأغنيات الوطنية والحماسية، فغنَّى للجزائر فى عام الاستقلال، وطلب من أصدقائه فى المجلة إنقاذه وتقديمه من جديد ببنطلون وقميص «كاجوال» ورسائل معجبات ليعود إلى الأغانى الرومانسية.