الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ظاهرة «جروبات الماميز»

 

ظاهرة جروبات «أولياء الأمور» لا تخصنا وحدنا فقد بدأت فى الغرب منذ بداية إنشاء منصات التواصل الاجتماعى خاصة الفيسبوك، ومثل كل ظاهرة فى بدايتها، تكون لها أهداف نبيلة، بدأت مجموعات أولياء الأمور فى الغرب من أجل تبادل الأفكار والآراء بين أولياء الأمور فيما يخص أبناءهم، وكان الهدف محددًا فقط فى متابعة أنشطة الأبناء التعليمية والتواصل مع المعلمين وإدارة المدرسة.

وفى عصر التكنولوجيا ينتقل كل جديد بسرعة، ولكن لابد من إضفاء لمستنا عليه، ولذا عندما بدأت مجموعات «أولياء الأمور» على منصة الفيسبوك خلال «الثريد» على الماسنجر، كانت أيضًا تضم الآباء والأمهات مثلما يحدث فى الغرب، وكانت المناقشات تدور حول أمور الدراسة والواجبات المدرسية والبحث عن مديرين خصوصيين مناسبين.

لكن سرعان ما تسلل الآباء خارج «الثريد» بحجج، منها الدينى، ومنها العادات، ومنها افتعال المشاكل، وفى ذات الوقت تسللت إلى هذه المجموعات «نساء الدعوة» الدينية من الإخوان والسلفيين، فتم صبغة جروبات المدارس بصبغة دينية تصل إلى التطرف أحيانًا الذى كان واضحًا فى الدعوة للنقاب، وبث الشعارات الدينية وإقصاء كل من تختلف عنهن فكرًا وطريقة ملابس.

انتقلت «جروبات الأمهات» إلى الفيسبوك بعد الميزة التى أضافتها المنصة الأكثر تفاعلًا وهى المجموعات المغلقة، وبذلك اتسعت دائرة الاهتمامات، من «الستات» عمومًا، والأمهات خصوصًا، لتتعدد الأنشطة التى خرجت عن نطاق مجموعات متابعة سير العملية التعليمية لأبنائهن، واتجهت إلى أنشطة تغطى كل المجالات، وهنا تسللت أيضًا «نساء الدعوة» المتشددات دينيًا وما زلن يحتللن كل المجموعات على كل المنصات.

وبدأ الرجال يعودون متسللين إلى هذه الجروبات بأسماء مستعارة وحسابات وهمية لمتابعة التفاصيل التى من الممكن أن تغيب عنهم فى الواقع، فما زال فى الذاكرة الاجتماعية أفكار التلصص على العالم السرى «للستات»، هذا ما يظنون.

ومنذ حوالى خمس أو ست سنوات انتقلت جروبات «أولياء الأمور» إلى الواتساب، وكانت معظمها لأولياء أمور أطفال الطبقة الميسورة، تلاميذ مدارس اللغات والمدارس الدولية، ثم انضمت الطبقة الوسطى بكل مستوياتها وتطلعاتها لإنشاء مجتمعها الافتراضى على الواتساب، وكان الآباء قد انسحبوا بصنعة لطافة من هذه الجروبات، ووجدت كل أم نفسها وقد حملت على عاتقها متابعة سير العملية التعليمية لأبنائها، وأصبحت كل أم عضوة داخل جروبات مختلفة تخص كل ابن وابنة، لتبدأ حوارات الأمهات قبل الدراسة بفترة لاختيار الأماكن المناسبة لبيع الزى المدرسى، وترشيحات أماكن شراء الشنط والأدوات المدرسية، وينتقل الحوار إلى المصروفات الدراسية ومصاريف باص المدرسة، أو اتفاق الأمهات على توفير مواصلة مشتركة، وكثير من الأمهات يتفقن على نقل الأطفال إلى المدارس بالتبادل، ثمّ تنتقل الحوارات فى بداية الدراسة إلى طلبات المدرسة واختيار أفضل المدرسين للدروس الخصوصية، والمناقشة حول المنهج الدراسى والأهم طبعًا التكليفات والواجبات اليومية. 

حتى إن مرّ الأسبوع الأول من الدراسة بكل ترتيباته، تجد الأم نفسها فى عدة جروبات منبثقة من الجروب الأساسى، جروب الأكل الصحى للأبناء، جروب النادى، جروب الرحلات، جروب مع كل مُدرّس أو مُدرّسة، جروب الأشياء المفقودة أو المسروقة من الأطفال، وبعد عدة أسابيع تكون هذه الجروبات قد تكاثرت وحدثت الانقسامات فى متواليات عددية لا نهائية، وبدأت الجروبات المتكاثرة تتجه إلى تحولات دراماتيكية فى الأهداف، ربما تستدعى قوات حفظ السلام الاجتماعى الذى يتمثل فى أمهات قياديات داخل الجروبات أو الأدمنز القديرات على ضبط الإيقاع بالتلويح بكارت البلوك أو استخدامه بالفعل، ونجد بعد فترة أنّ كل جروب قد تحوّل إلى ساحة كبيرة، إما لإعلان الحرب على المدرسة بإدارتها ومصاريفها، أو أحد أساتذة المدرسة أو الأساتذة الخصوصيين، أو على أُمّ اتعمل لها بلوك لسبب ما، وكثيرًا ما تتحول «جروبات الماميز» على واتساب لمنصة للإطلاق السريع والمؤثر للشائعات التى تبدأ من حدث ربما يكون كبيرًا ومؤثرًا اجتماعيًا مثلما حدث خلال جائحة كورونا، أو حدث بسيط مثل أن ينزل المطر مثلما حدث منذ أيام لتدخل أم تسأل عضوات الجروب الأعزاء: هنّزل عيالنا بكرة المدرسة فى السيول دى؟! لترد أخرى هيقفلوا المدارس أكيد، وتتدخل ثالثة: السيول هتقفل الشوارع وهيحجزوا العيال فى المدراس ومش هنعرف نجيبهم!

كل ده بسبب شوية مطر بسيطة.

فى ظل هذا الإغراق التكنولوجى الذى أضحى من السهل إتاحة وسائله للجميع، لاستعراض الأفكار والمعلومات، علينا أن نتساءل: ما مدى خطورة الجروبات المغلقة سواء «للستات» أو غيرهن على الفيسبوك، وجروبات الماميز على الواتساب وتليجرام، التى أضحت اهتماماتها لا تقتصر على المدارس فقط ولكن امتدت إلى كل المجالات، لتشكل مجموعات ضغط إلكترونية، وذلك إذا تم إطلاق شائعة من إحداها، هذا ما يحدث فعلًا، وتمت مشاركة المنشور لمجموعات أخرى التى بدورها تسهم دون تحقق من المصدر أو توثيق موضوع الشائعة، لنجد أنفسنا كل لحظة فى سيل من المعلومات المغلوطة غير الموثقة والمنطلقة من جروب مغلق سواء خاص بالأمهات أو غيرهن. 

والخطر الكامن هنا هو أن بعض المجموعات تُستخدم كمساحات جذب للصغيرات والصغار أيضًا؛ لترسيخ أفكار معادية للمجتمع وإعادة نشر الفكر المتطرف على مستوياته، أو استخدام تلك المجموعات لإطلاق الشائعات بقصد كوسيلة يستخدمها الإخوان ومن يوالونهم لتكدر السلم الاجتماعى.