الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فى الذكرى الـ٨٢ لميلاده:

صلاح عيسى.. صاحب دفتر الحكايات

صاحب موهبة أدبية كبيرة ويمكن القول إن بداخله «روائيًا مقموعًا»

أعاد قراءة التاريخ فى «حكايات من دفتر الوطن» و«رجال ريا وسكينة».. وصاغ حكاياته بلغة جزلة وقدرة نادرة على التدفق 

لو أدرك زمن «الرواية التاريخية» لحقق مبيعات بالملايين.. وكتبه القديمة هى الأعلى مبيعًا فى معرض الكتاب

تحل هذه الأيام ذكرى ميلاد الكاتب الكبير الأستاذ صلاح عيسى، ويدفعنى للكتابة عنه تداخل بين الخاص والعام، ورغبة فى إيفائه ما يستحق من تقدير لم ينله كاملًا..وتقدير لصحفى كبير تعامل مع عمله بالجدية الواجبة، ولم يتوقف عن العمل حتى أيامه الأخيرة، وهو من وجهة نظرى أكثر مثقفى الستينيات قدرة على مخاطبة الجماهير هو والشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، وبغيابهما خلت الساحة من مثقفين يستطيعون مخاطبة الجماهير، وسيطر على عقول الناس باعة التفاهة، والمدعون الجدد، ونجوم التريند.. وقد جمع بينهما أنهما كانا من أبناء دولة يوليو الوطنية، وأنهما ظلا على إخلاصهما للدولة المصرية، دون أن يعطل هذا حاسة النقد القوية لديهما، أو يمنعهما من أداء دوريهما كمثقفين كبيرين.

وقد كانت القدرة على البيان الساحر والساخر أيضًا، ما جذبنى للأستاذ صلاح عيسى فى بداية الألفية الماضية، حيث كنت مسئولًا عن إعداد برنامج مهم فى أول فضائية مصرية خاصة، وكان من المنطقى أن أسعى لاستضافة ضيوف يخاصمهم التليفزيون الرسمى، وكان الأستاذ صلاح عيسى على رأسهم، كنت قد أعجبت به بعد أن قرأت طبعة من كتابه «حكايات من دفتر الوطن»، لكننى لم أكن قد أحطت بعالمه كله.. تألق الأستاذ صلاح فى البرامج التليفزيونية، ووجد فيها منبرًا يطرح فيه أفكاره، وكان أقرب للفلاح الفصيح، الذى يجيد التعبير عن أفكاره العميقة بلغة شعبية وساخرة، كان مناظرًا عنيدًا لعدد من المتأسلمين الذين اعتدنا استضافتهم فى البرامج تقليدًا لقناة الجزيرة، وبحثًا عن مادة تليفزيونية ساخنة.. وكان يعبر عن موقف المثقف الوطنى فى قضايا مهمة، مثل حرية المرأة والكتابة، والإبداع، وكلها كانت أهدافًا لهجوم المتأسلمين فى بداية الألفية، وما قبلها وما بعدها.

وأذكر أن هذا الكاتب الكبير متعدد المواهب كان شبه محاصر فى ذلك التوقيت، حيث كان قد خرج إلى المعاش من الجريدة التى يعمل بها، ولم يكن ينشر سوى مقال أسبوعى فى جريدة الميدان الخاصة، ولم تكن له إطلالة فى قنوات مصرية قبل ظهور القنوات الخاصة، وقد تغير كل هذا تدريجيًا مع اتساع مساحة القنوات الخاصة، وتأسيسه صحيفة القاهرة، وتوليه رئاسة تحريرها، وقد تعرض لمزايدات كثيرة من بعض ضيقى الأفق، رغم أن ما ناله كان أقل مما يستحق بكثير، والحقيقة أن صلاح عيسى، والأبنودى، والغيطانى وغيرهم من جيل ثورة يوليو كانوا دائمًا أبناء مشاغبين للدولة الوطنية المصرية، وفى ظنى أن الأستاذ صلاح عيسى كان دائمًا ينتمى لما يمكن وصفه بالجناح التقدمى فى مؤسسات الثقافة المصرية، وقد كانت له مشاغبات كبيرة فى السبعينيات مع وزير الثقافة يوسف السباعى وبدرجة أقل مع الدكتور عبدالقادر حاتم، لكنه كان يكن الإعجاب لوزير الثقافة المؤسس ثروت عكاشة، وكان يكتب فى مجلة الكاتب، وهى أهم مجلات وزارة الثقافة فى السبعينيات، والمعنى أنه كان يدافع عن وجوده داخل مؤسسات الدولة، ولم يكن يسعى لهدمها.. كما قد يفكر البعض، وإلى جانب روحه الساخرة، وقدرته على البيان، كان صلاح عيسى صاحب موهبة كبيرة، ومتفردة فى السرد، وقد كنت أقول إن بداخله أديبًا مقموعًا، والحقيقة أنه استغل موهبته الكبيرة فى تحويل وقائع التاريخ إلى قصص أدبية رفيعة المستوى صاغها فى أكثر من كتاب، كان العمدة فيها كتابه «حكايات من دفتر الوطن» وهو فصول تاريخية مختلفة، استغل فيها حاسة المحقق الصحفى لديه فى التقاط وتحقيق عدد من القصص التاريخية، دار معظمها فى مصر فى بداية القرن العشرين، حيث عاد إلى الجرائد التى كانت تصدر وقتها، وجمع مادتها التاريخية عبر مجهود ضخم، اقتضى منه أن يصعد يوميًا لدار الكتب القديمة فى قلعة صلاح الدين، عبر مشوار يومى حافظ عليه لسنوات، وما يثير الإعجاب أنه كان يفعل ذلك وهو يمر بأحوال وظيفية غير مستقرة، كأن يكون مفصولًا من العمل، وما إلى ذلك من أحوال جلبتها عليه روحه المتمردة، ولعل ذلك ما كان يدفعه إلى إنجاز تلك الفصول لنشرها فى بعض المجلات العربية، التى كانت مصدر دخله الوحيد فى تلك السنوات.

من بين القصص الممتعة التى حققها صلاح عيسى «مأساة مدام فهمى»، وهى غانية فرنسية تزوجت من ثرى مصرى يُدعى على فهمى وانتهت قصتهما نهاية دامية، وتحولت إلى قضية رأى عام، وكان من بين فصول الكتاب الرائعة تحقيق تاريخى عن المحامى إبراهيم الهلباوى أكبر محام فى مصر فى بداية القرن، وأكثرهم ثراء، وشهرة، الذى دفعته عدمية كامنة فى شخصيته للترافع ضد الفلاحين المتهمين فى حادثة دنشواى، وهى المرافعة التى تحولت إلى لعنة تطارده طيلة حياته، إلى غير ذلك من فصول تسجل دراما البشر والظروف المحيطة صاغها صلاح عيسى بلغة أدبية عظيمة، وبلغة جزلة، وبقدرة فائقة على السرد، والتدفق، وكانت المفارقة أن الرجل لم يحصل من كتابه هذا سوى على أموال قليلة بالطبيعة، فى حين رأيت بعينى إعلاميًا شهيرًا، يقدم برنامجًا تاريخيًا عام ٢٠١٥، ويسرق فصول الكتاب بالكامل، فصلًا فصلًا، مع إشارة بسيطة للأستاذ صلاح بعد وفاته مباشرة، وكان الفارق أن الإعلامى يحصد الملايين من كتاب أفنى غيره سنوات فى تأليفه مقابل الملاليم للأسف، وهو ما يؤكد الاعتقاد بأن مصر ظلت سنوات طويلة جنة النصابين فى الأرض!

أما الكتاب الثانى الذى يفوق «حكايات من دفتر الوطن» من حيث السرد، والحبكة فهو «رجال ريا وسكينة» وهو أعظم أعماله من وجهة نظرى، ولعل السبب أنه كتبه فى مرحلة متأخرة من حياته، بعد أن وصل لمرحلة النضج الفنى، وهو قراءة مغايرة لقضية ريا وسكينة، يتعاطف فيها معهما، ويثبت أنهما كانتا ضحية عصابة من الرجال، كانت لهم اليد العليا فى أعمال القتل، وسط ظروف طاحنة، أحاطت بالطبقات الشعبية بعد الحرب العالمية الأولى، والكتاب رواية كاملة الأركان، يقول فيها التاريخ، ما لا يمكن أن يقوله الخيال، والحقيقة أن صلاح عيسى لو كان أدرك زمن الرواية التاريخية التى هى موضة هذا الزمان، لحققت كتبه مبيعات بالملايين، ولعل مبيعات كتبه فى معرض الكتاب الأخير ترد له بعضًا من حقه فى التكريم والتقدير.

أما كتابه «الثورة العرابية» فهو كتاب فى اتجاه مختلف، وهو تحليل سياسى، واجتماعى لمصر فى زمن الثورة العرابية، والقوى التى أسهمت فيها، وما أحاط بها من ظروف، وقد كتبه فى وقت مبكر، وأظن أنه لو أعاد صياغته فى الأواخر لربما حذف بعض أجزائه، أو خفف بعض صياغاته، لكنه يبقى من أهم ما كتب عن الثورة العرابية، ومحاولة جادة لفهمها، أما كتابه «هوامش المقريزى» فيحتوى على مقالات كان ينشرها فى باب ثابت فى صحيفة الجمهورية فى السبعينيات، وهو باب تاريخى كما يتضح من اسمه، وقد تأثرت المقالات بعاملين، أولهما طغيان الرأى السياسى للكاتب على قراءته الوقائع، حيث كان فى ذروة معارضته نظام السادات، وكان ينتقى من الوقائع ما يخدم هذا الموقف بغض النظر عن السياق الحقيقى الذى وقعت فيه، فضلًا عن أن رؤيته للمماليك كانت أحادية بعض الشىء، حيث يراهم ممثلين لكل ما هو شرير ورجعى وقاس... إلخ، أما العامل الثانى الذى تأثرت به المقالات فهو مقص الرقيب الذى كان يتدخل أحيانًا بالحذف بطريقة غير فنية، وقد اضطر الأستاذ صلاح إلى نشر المقالات كما هى لأنه ربما لم يحتفظ بالأصول، ولا يقلل هذا من قيمة الكتاب الذى هو إبحار فى تاريخنا.

ومثل كل الصحفيين الكبار كان صلاح عيسى يقرأ أكثر مما يكتب، وإلى جانب موهبته فى قراءة التاريخ واستنطاقه، وصياغة وقائعه كان يملك موهبة أخرى فى فهم مواد القانون، ونصوصه، وشرحها، وكان خبيرًا فى قوانين النشر والإعلام، فضلًا عن أنه كان عضوًا فى مجلس نقابة الصحفيين سنوات متواصلة، وقد دفعه ولعه بالقانون إلى تأليف كتاب عن مشروع دستور مصرى تم وضعه سنة ١٩٥٤، ولم تقره ثورة يوليو، ولم تأخذ به، ومثل كل الصحفيين الكبار فقد كانت مقالاته فى الصحافة تستحق أن تقرأ أكثر من مرة، وأن تجمع فى كتب، ظلت تقرأ بعد رحيله، كان منها «تباريح جريح» و«سلام عليك يا زمانى»، ومؤخرًا صدر له كتاب «أفيون وبنادق» وهو حلقات صحفية نشرها فى بداية السبعينيات، جمعتها زوجته الأستاذة أمينة النقاش التى تبذل جهدًا كبيرًا فى جمع كل ما كتب وإصداره فى كتب لتخليد اسمه، وهى حالة نادرة من الوفاء والمحبة تليق بهما.

يبقى من دوافعى للكتابة عن صلاح عيسى أنه تعرض لحملة تشويه ومزايدة من بعض ضيقى الأفق، الذين عادة ما يكرهون أصحاب المواهب الكبيرة، ومن بعض العاطلين الذين لا يعملون ويسوءهم أن يعمل الآخرون، كما قال عميد الأدب العربى طه حسين، وقد بدأت الوقائع كما أذكرها فى غضون عام ٢٠٠٣، والرجل تقريبًا محاصر إلا قليلًا، وكان فاروق حسنى وزير الثقافة وقتها يعبر عن الجناح المستنير فى الحكومة المصرية، ويتعرض لهجمات متتالية من المتأسلمين، بعضها تلقائى وبعضها مصنوع، وكتب صلاح عيسى مقالًا ساخرًا فى «الميدان» يصف فيه الهجوم على فاروق حسنى بأنه أقرب لرغيف الحواوشى، وأعحب فاروق حسنى بما قرأ، وعرض عليه أن يتولى رئاسة تحرير جريدة القاهرة، حيث كان يفكر فى صحيفة شعبية تصل بالثقافة للقارئ العادى، وقبل صلاح عيسى العرض، وفى الحقيقة أنه كان يواصل ما فعله منذ الستينيات، وهو الانحياز للجناح الأقرب لأفكاره فى الدولة المصرية، والحقيقة أن قبوله كان يعنى اعتناقه الكامل لفكرة «الإصلاح» كبديل عن «الثورة» التى لم تثبت ولن تثبت أى نجاح فى الواقع المصرى من هنا حتى القرن المقبل.

وبالتأكيد فإن إقدام الرجل على عمل يومى شاق بعد الستين، هو أمر يستحق الاحترام، فى حين لم يفعل من زايدوا عليه شيئًا سوى الجلوس على المقاهى، والمشاركة فى بعض المظاهرات التى لا يزيد عدد المشاركين فيها على العشرات، مع إهدار مئات الساعات فى تنظير لا ينتج عنه شىء، والحقيقة أن الرجل كان جديرًا بكل ما أسند إليه، وأن كل ما ناله كان أقل مما يستحق، يبقى صلاح عيسى من وجهة نظرى جديرًا بالاحتفاء، لأنه موهوب كبير، ولأنه يحترم قيمة العمل، ولأنه لم يحترف النضال السياسى ويتمول من أنظمة أو منظمات حقوق إنسان، ولأنه ظل مقيمًا فى بلده ولم يهاجر مدعيًا المعارضة وباحثًا عن الثروة، ولأنه ظلم من المؤيدين فى فترات ومن المعارضين فى فترات أخرى، فكان نموذجًا لمأساة المثقف فى مجتمع يعيش على الادعاء وضيق الفهم وكراهية الموهبة.. فتحية لروح هذا الرجل الذى أحب عمله ووطنه أكثر من أى شىء آخر.