رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أميرة ملش تكتب: معركة بقاء

دلتا.. ألفا.. بيتا.. مو.. جاما.. أسماء جديدة كل يوم نسمع بها وعنها أقاويل مرعبة.. ويقول العلماء إنه من حين لآخر يكون الفيروس محظوظًا من خلال التحور بطريقة تساعده على البقاء والانتشار، ويبدو أن فيروس كورونا حظه سعيد جدًا، لأنه استطاع بالفعل أن يطور نفسه إلى سلالات جديدة وربما أشرس منه. 

وقد علمنا، عبر التصريحات والنشرات الطبية، أن العالم مقبل على «كوفيد-٢٢» العام المقبل، والذى يُحضر معه بالطبع أسرته الجديدة المكونة من تحورات وتطورات تسمى بالسلالات الفيروسية.. ففى لمح البصر يمر عامان على وجود الضيف غير المرغوب فيه معنا على الكوكب، فيروس كورونا.. وخلال هذه الفترة ومنذ اكتشافه حتى الآن فقد جميع البشر زملاء وأصدقاء وأقارب وجيرانًا وأبناء.. فهذا الكوفيد لا يترك أحدًا ولا يستهدف أحدًا.. هو زائر للجميع.

عدو يرتدى طاقية الإخفاء لا يواجهك ولا يحاربك على أرض معركة محايدة، أو حتى واضحة أبدًا، هو يتغلغل داخل جسدك، ويبدأ بركلك وضربك، يُفقدك إحساسك بالحياة عندما يُفقدك حاسة الشم ويجعلك لا تتذوق شيئًا، العسل فى فمك مثل الجبن، يرفع حرارتك ويُكسر عظامك، وفى أحيان أخرى لا تستطيع أن تضع يدك على جلدك الذى يبدو أنه شديد الالتهاب بفعل لدغة سامة تترك لسعة غريبة، كل هذا وأنت بالمناسبة شخص محظوظ، والزائر هو فيروس صديق خفيف لجسدك حتى الآن، حيث إن وجهه الحقيقى لم يظهر بعد، والذى يظهر بمجرد أن يضع رحاله داخل قفصك الصدرى، حيث لا مجال للتنفس غير بصعوبة شديدة، وفى بعض الحالات لا بد من الاستعانة بأنبوب الأكسجين للمساعدة على استنشاق الهواء والتنفس، وهنا أنت بدأت مرحلة التحول للشخص المنحوس، وطبعًا المرحلة التالية لذلك قد تكون صعبة جدًا وهى الانتقال للمستشفى ووضعك تحت جهاز التنفس الصناعى، وما بعد ذلك من التلف الذى يلحق بالرئتين، وهناك من يحمل الفيروس ولا يشعر بأى أعراض وهو الشخص الأكثر حظًا.

وأصبحت بيننا وبين كورونا معركة بقاء.. ليست من نصيب الأطباء والعلماء فقط، الذين يصارعون الوقت من أجل إيجاد علاج فعال للفيروس أو اكتشاف لقاحات تواجه شراسته المتجددة، ولكن المعركة من نصيب الجميع من أول المواطن العادى إلى الملوك ورؤساء الدول والحكومات، فقد وضع هذا الفيروس العالم أمام المجهول، لا أحد يملك المعرفة ولا حتى التوقعات للإجابة عن السؤال الوحيد الذى شغل الكون «متى ينتهى كورونا ومتى ترجع حياتنا لطبيعتها؟».

فى حوار لرجل الأعمال «محمد العبّار»، فى أحد اللقاءات التليفزيونية، قال إن المشكلة الحقيقية التى واجهته فى بداية ظهور فيروس كورونا فى يناير ٢٠٢٠ هى أن ما يحدث ليس مجرد أزمة وتنتهى قريبًا أو بعيدًا، بل وضعًا ضبابيًا للغاية، لأنه شىء مستمر ونهايته غير معروفة، ولذلك لا بد من التعايش معه، وهو ما جعل الدول التى اتجهت للإغلاق وفرض الحظر الشامل إلى العودة للحياة تدريجيًا، بفرض إجراءات احترازية لا تعطل العمل والإنتاج، حتى فى أشد هجمات الفيروس عنفًا لا سبيل غير التكيف. 

والتكيف هو طبيعة بشرية، فقد تكيف الإنسان منذ خلق الكون مع كل الظروف للنجاة بالحياة، من براكين وزلازل وحروب مدمرة ومجاعات، وأوبئة أيضًا فى أزمنة بعيدة، لأن الإنسان هنا أمام فرضيتين، وهما أن يجلس مكانه- ووقتها سيموت من الجوع- أو يخرج للعمل ويقاوم ويواجه الاحتمالات، لأن الإنسان ابن التجربة وقد تكون التجارب هى الشىء الوحيد أحيانًا الذى يستطيع إخراج الشخص من أزماته بالخبرات التى أصقلته، ولذلك أرى أن كل عبور لأى أزمة فى حياتنا يجعلنا أقوياء، ربما يترك كورونا الجنس البشرى أقوى بعد ذلك، فقد واجه العالم كوفيد فجأة دون سابق إنذار، وبدون أى خبرة قريبة لوباء مميت وفتّاك مثله، فكان التعامل معه عشوائيًا ومتوترًا فى البدايات، هناك من أقر الحظر الشامل وهناك من لجأ إلى ما يسمى مناعة القطيع.

وكانت السماء فى الشهور الأولى تخلو من أى طائرة تحلق فى الجو إلا للضرورة، وبعد ذلك علم جميع أهل الأرض أنه ما من سبيل سوى المواجهة مع واقع قاسٍ لا فرار منه، عندما فرضت الحياة نفسها على البشر.

ومع وجود وباء كورونا كانت الدول وحكامها تائهين بين الاختيارات، الإغلاق التام والموت جوعًا، أو استمرار العمل ومواجهة خطر المرض والعدوى وفجعة الموت.. وبعد مرور عامين كان الاختيار الثانى هو اختيار الدول.. فعادت المدارس والجامعات لفتح أبوابها، ودور السينما والمسارح، وبدأت حركة البيع والشراء فى العودة، ومعها بدأت حركة السفر والتجارة العالمية، وفى الخارج نرى مباريات كرة القدم وقد عادت إليها الجماهير، وأقيمت البطولات الرياضية الدولية التى تم تأجيلها العام الماضى. 

وقد يكون كل ذلك شكلًا من أشكال مقاومة الإنسان لهذا الكوفيد مقاومة غير مباشرة، وصموده أمامه، فرغبة الإنسان فى الحياة أقوى من أى شىء، وهو ما جعل العلماء يواجهون الفيروس بشكل حقيقى والنزول معه لأرض المعركة، وبدأت اللقاحات فى الظهور وبدأ كورونا فى تجديد نفسه، غير الفطر الأسود الذى يحضر على الهامش ويتسبب فى قتل الآلاف حول العالم فى حين أن كورونا لم يقم بالواجب.

وبالرغم من اعتراف منظمة الصحة العالمية بفاعلية اللقاحات التى لا تمنع الإصابة ولكنها تخفف من حدة آثار كورونا على المريض، فإن البعض ما زال متخوفًا من تأثيرها على المدى البعيد.

أما عن وجود دواء فعال، فهذا الشىء ما زال غامضًا حتى الآن، حيث إنه لم يتم اعتماد دواء رسمى لعلاج من أصيب بالفيروس، بل هى مجرد مضادات حيوية وفيتامينات، والنتيجة بيد الله.. فهى بالفعل حرب، ولكن يا ترى من سينتصر فى النهاية.. الإنسان أم الفيروس؟!