رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«الذهب الأخضر».. كيف يحافظ قرار الرئيس على الثروة القومية الزراعية؟

الثروة القومية الزراعية
الثروة القومية الزراعية

وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكومة بإزالة التعديات على الترع والأراضي الزراعية وموافاته بتقرير بعد 6 أشهر بما تم تنفذه، وطلب من وزارة الداخلية مساعدة المحافظات على تنفيذ تلك المهمة، مؤكدا تدخل القوات المسلحة إذا لزم الأمر. 

وعلى الفور عقد الدكتور محمد عبدالعاطي وزير الموارد المائية والري، اجتماعات عاجلة مع القيادات التنفيذية بالوزارة من أجل بدء ومتابعة تنفيذ أعمال الإالة للتعديات على الأراضي الزراعية بمختلف المحافظات. 


وتشمل الخطة رفع درجة الاستعداد والجاهزية التامة بكل أجهزة الوزارة، وتجهيز كل المعدات اللازمة لتنفيذ موجات كبرى لإزالة التعديات في جميع المحافظات، وذلك بالتنسيق مع مختلف الأجهزة الأمنية المحافظات. 


«الدستور» توضح أهمية قرار مواجهة التعديات على الأراضي الزراعية، من خلال آراء الخبراء في مجال التنمية المحلية، وتكشف عن مخاطر استمرار وجود تلك التعديات على الأمن الغذائي المصري. 
 
ويرى الخبراء أن حديث الرئيس السيسي عن إزالة التعديات عن الأراضي الزراعية كان أمرًا ضروريًا لإيقاف الزحف العمراني على الرقعة الخضراء، وتسبب ذلك في نقص المنتجات الزراعية وزيادة أسعارها في الأسواق.

صبري الجندي: المحافظات الزراعية أصبحت بلا هوية 
علق صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية السابق على حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن التعديات على الأراضي الزراعية لافتًا إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس عن حالات التعديات ولكن هذه المرة تميز حديثه بالحسم وحدد مدة زمنية مما يدل على أنه عازم على حل المشكلة بالفعل، وليست مجرد تعليقات من الرئيس. 


ويبرهن الجندي على ذلك بحديث الرئيس السيسي عن احتمالية نزول الجيش إلى أماكن التعديات إذا تطلب الأمر، وهو ما يعني انتهاء أسلوب المماطلة أثناء تنفيذ قرارات الإزالة من الأشخاص أو الجهات التي تعدت على الأراضي الزراعية.

 
ويوضح أن الرئيس اهتم بالتعديات على الأراضي الزراعية في خطابه تعود إلى أنها مشكلة قومية تهدد المجتمع بأكمله، فالأمر ليس مجرد تعدي شخص واحد على الأرض وتحويلها من أرض زراعية إلى بناء ولكن يتسبب الأمر في تناقص الرقعة الزراعية في مصر. 


وأضاف: «تناقص الرقعة الزراعية يؤدي إلى قلة المنتجات الزراعية وبالتالي تزيد أسعارها في الأسواق، ويتبعها زيادة أسعار المنتجات الحيوانية، ثم تزيد الفجوة بين الإنتاج ومتطلبات المواطنين فتضطر الدولة للجوء إلى الاستيراد، وفي النهاية يتضرر المواطن من هذه العملية لأن مستوى المعيشة يرتفع». 


مشكلة أخرى تسببها التعديات على الأراضي الزراعية وهي تحول الريف المصري إلى مناطق عشوائية، وذلك بسبب اعتماد كل شخص على تصميم بناءه بطريقته الخاصة، دون وجود تخطيط عمراني، ويتسبب ذلك في التوسع العمراني الأفقي والرأسي على الرقعة الزراعية. 


يتابع خبير التنمية المحلية: "كل هذه المشكلات تتركز في طريقة تفكير المواطنين وثقافتهم، فعلى الرغم من تضاعف أعداد المصريين إلا أننا جميعًا نصر على العيش في 8% فقط من مساحة مصر الإجمالية، ونرفض الخروج إلى ما تبقى من مساحة مصر". 

ولكن صاحب سلوك المواطنين نقص عمليات البناء في المدن الجديدة في المناطق الصحراوية، ونقص المرافق والخدمات العامة، فلم  يكن هناك أي توسع في المدن الجديدة المبنية في المناطق الصحراوية، وهو ما بدأت الدولة تعالجه حاليًا، وبدأ المواطنين يفضلون العيش في هذه المدن الجديدة بعد وجود المرافق العامة بها. 


وشهدت حالات التعدي على الأراضي الزراعية زيادة ملحوظة منذ عام 2011 حتى العام الماضي، وأجرى الجهاز المركزي للتعبئة  والإحصاء مسحًا لتسجيل حالات التعدي على الأراضي الزراعية والتي تخطت 2 مليون حالة خلال 10 سنوات. 


وامتدت هذه التعديات على مساحة 90 ألف و700 فدان في جميع المحافظات، وأجري المسح بين عامي 2011 و2020، نجحت الحكومة في إزالة 645.911 ألف حالة بنسبة 32% وامتدت هذه النسبة على مساحة 36.320 ألف فدان. 
 
ويفسر الجندي حدوث ظاهرة التغير في طبيعة بعض المحافظات على مستوى الجمهورية، فبعد أن تخلى المواطنين عن أراضيهم الزراعية في سبيل الحصول على منزل كبير يتسع لجميع الأبناء، ويمكن بناء أكثر من دور عليه لم يعد لهذه الأسرة وغيرها عمل زراعي واضح. 


ومع تكرار هذا الأمر تحولت طبيعة المحافظات التي كانت تصنف كمناطق زراعية فأصبح أهل المحافظة بلا مهن واضحة وتغيرت طبيعة أكثر من محافظة بسبب التعديات، وبقى تصنيفها مشوهًا فهي لم تعد زراعية كما كانت في السابق، وليست صناعية أو ساحلية أيضًا. 


صاحبت كل هذه المشكلات سوء تخطيط من الإدارات المحلية والمسئولين في المحافظات والقرى للزيادة السكانية، مما اضطر أصحاب الأراضي إلى اللجوء لهذه الطريقة لإيجاد سكن مناسب لهم ولأسرهم. 


يشير الجندي إلى الحالات التي اضطر فيها المسئولين السابقين لاقتطاع أجزاء من الرقعة الزراعية في القرى بجميع المحافظات لبناء بعض المرافق العامة مثل المستشفيات والمدارس لمواجهة الزيادة السكانية، فتعقدت مشكلة التعديات على الأراضي الزراعية من جميع الجهات. 


كما أن التقاعس الذي شهدته الإدارات المحلية في السنوات الماضية كان من أسباب زيادة نسبة التعديات، بسبب وجود مصالح مشتركة بين الموظفين والموطنين.


ومن ناحية أخرى يتوقع مستشار وزير التنمية المحلية السابق أن يتقبل المواطنين فكرة إزالة التعديات على الأراضي الزراعية مثلما تقبلوا قانون التصالح، حتى وإن واجه بعض المقاومة والاعتراض في البداية لكن بعد ذلك سيوافق الجميع على إزالة التعديات وعودتها إلى سابق عهدها. 


أضاف: " قانون التصالح يحول المخالفة إلى وضع قانوني مقنن، فهو ليس عقاب وإنما تقنين للأوضاع الحالية ومنع تكرار تلك المخالفات في المستقبل". 


وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء فقد صعدت حالات التعدي على الأراضي الزراعية في عام 2011 لتصل إلى 287.5 ألف حالة تعد على مساحة 11.9 ألف فدان، ثم 365.3 ألف حالة تعد خلال عام 2012 على مساحة 15.5 ألف فدان، و331.8 ألف حالة تعد خلال 2013.
 
الحسين حسان: "إزالة التعديات ستزيد من المساحات الزراعية في مصر" 
الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضاري واستشاري المناطق العشوائية، قال أن القرى في مصر تعاني من مشاكل متعددة تخص التعليم والصحة والاقتصاد والزراعة، موضحًا أن أهم تلك المشكلات يكمن في التزايد في عدد السكان ما يؤدي إلى التعدي على الأراضي الزراعية وتآكلها، نتيجة زيادة الكتلة العمرانية السكنية. 


وأشار إلى أن عمليات التعدي تلك تؤدي إلى عمليات تجريف بدورها، للأرض الزراعية وتزيد من مساحات التبوير سواء لإنشاء مشروعات خدمية أو صناعية وغيرها، مضيفًا: "مثلما حدث وقت إنشاء الجامعات الإقليمية منها جامعة الزقازيق، فكان من المقرر أن تكون أرضها صحراوية بالقرب من بلبيس إلا إنها بُنيت على أرض زراعية في النهاية داخل المدينة". 


وأوضح أن الهدف وقتها كان تنمية المناطق الريفية وتوفير فرص عمل قريبة ولكنه في الوقت ذاته أثر بشكل كبير على الأرض الزراعية، وكان له أثر سلبى على البيئة الزراعية للمنطقة على المدى البعيد. 


وتابع: "هذا بالإضافة إلى وجود ظاهرة تفتيت ملكية الأراضى الزراعية حيث يقوم معظم الورثة بتقسيم قطعة الأرض التى يرثونها إلى مساحات صغيرة لا تساعد الفلاح على أن يعيش فى مستوى مناسب كما أنها لا تمثل وحدة انتاجية إقتصادية". 


وقدر خبير التطوير الحضاري مساحة الأراضى التى يكتسحها التوسع العمراني بحوالي 3 فدان ونصف فى الساعة؛ مما يترتب عليه انخفاض نصيب الفرد من هذه الأرض ويؤثر بشكل كبير على الأراضي الزراعية. 


وأشار إلى خطورة الوضع في صعيد مصر، حيث أن هناك تهالك في المرافق الحيوية من صرف صحي ومياه شرب بالإضافة إلى تهالك الطرق العامة بالقرى وعدم رصفها وضعف الإنارة والتعدي على الأراضي الزراعية. 


وأوضح أن الحلول تتمثل في إنشاء هيئة مستقلة للقرية المصرية  أو وزارة للقرية المصرية بموازنة خاصة لها حيث يبلغ عدد القرى  5655 قرية و32000 عزبة وكفر ونجع، وتدشين دراسة ايدولوجية بطبيعة كل قرية وعاداتها لتحديد طبيعة التطوير لكل قرية ومساحة التعديات عليها. 


وتابع: "إلى جانب تحديد الأحوزة العمرانية فى القرى والعزب والكفور والنجوع  لمنع البناء العشوائي، فقد زادات العزب والكفور والنجوع  من 26000إلى 32000 ألف، وبسبب ذلك بدأ الظهير الصحراوي يتآكل بسبب التعديات خاصة في محافظات مثل الأقصر". 


وعن تلافي المشكلات التي حدثت إبان إزالة التعديات على أراضي الدولة، اقترح الدكتور الحسين سرعة تخصيص شرطة متخصصة للتعديات لسهولة التنفيذ تفعيل دور وحدة المتغيرات المكانية الموجودة بكل إدارة محلية والتي ترصد بالاقمار الصناعية أي تعد على الأراضي، وإعطاء حوافذ ومكافآت للقرى والمدن والعزب والكفور والنجوع  الخالية من التعديات. 


وجاء في بيان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن رصد 55.6 ألف حالة تعد على مساحة 2.994 ألف فدان خلال عام 2020 إلا أن الدولة نجحت في إزالة 79.3% من إجمالي التعديات بموجب 44.1 حالة تعد على مساحة 2.469 ألف فدان.