رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

كرة القدم.. السياسة والوطنية «3- 3»

 

وفى مصر لعبت كرة القدم دورًا مهمًا فى نمو الوعى القومى وحركة الاستقلال، ومثل غيرها من بلدان آسيا وإفريقيا دخلت كرة القدم إلى مصر بعد الاحتلال الإنجليزى لمصر عام ١٨٨٢، هذا الاحتلال الذى قمع الحركة الوطنية التى عُرفَت بالثورة العرابية. ومع مطلع القرن العشرين عادت الحركة الوطنية من جديد على يد الزعيم «مصطفى كامل»، وترددت عبارته الشهيرة «لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا»، ومع ذلك النداء كانت الرياضة، خاصةً كرة القدم، من أهم ميادين نمو الوعى القومى فى مصر آنذاك، وكان تأسيس «النادى الأهلى» الشهير فى عام ١٩٠٧ خير تعبير عن ذلك؛ إذ لم يأتِ اسم «الأهلى» عفوًا وإنما كان ردًا على نشأة الأندية الأجنبية أو المختلطة فى مصر، وكانت الحركة الشبابية وراء إنشاء النادى، إذ كان تعبيرًا عن نادى طلاب المدارس العليا المرتبط بالحزب الوطنى- حزب مصطفى كامل- ولم يكن صدفة أن يصبح النادى الأهلى بعد ذلك هو أكبر الأندية المصرية حتى الآن.

ومع ثورة ١٩١٩ يعلو تيار الحركة الوطنية المصرية بقوة، وتبدأ مرحلة جديدة من «التمصير»، والمراد بها تأسيس مؤسسات مصرية عصرية تؤكد أحقية مصر المستقلة فى العيش بكرامة مثلها مثل بقية الأمم الحرة، وعلى هذا يتم تأسيس الاتحاد المصرى لكرة القدم فى عام ١٩٢١ مصاحبًا لنشأة بنك مصر ١٩٢٠، وتأسيس المملكة المصرية ١٩٢٢، وفى نفس الفترة تقريبًا يتمكن نادى الزمالك المصرى من هزيمة نادى الجيش البريطانى فى مصر لأول مرة حتى وصف البعض هذا الانتصار قائلًا: «إن الانتصار على فرق الجيش البريطانى، وذهاب المصريين للعب فى الخارج، والدستور الجديد- دستور ١٩٢٣- كلها أمور تشير إلى بلد وصلت فيه الحماسة القومية إلى نقطة بالغة».

وهكذا كانت ذروة مجد الكرة المصرية هى فى الوقت نفسه فترات قوة الدولة المصرية، والعكس صحيح، ولعل خير دليل على ذلك هو تدهور أحوال الكرة المصرية مع هزيمة يونيو ١٩٦٧، إذ توقف النشاط الرياضى، وفى مقدمته كرة القدم، بعد يونيو ١٩٦٧، ولم تعد الحياة إلى الكرة المصرية من جديد إلا بعد حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣، واستعادة كرامة الأمة.

وتقدم فرنسا نموذجًا آخر لكرة القدم ونمو الروح القومية، حيث تصاعدت فى فرنسا منذ التسعينيات روح العنصرية واليمين المتطرف، وازداد الحديث عن العداء للأجانب والملونين والعرب، ولكن لعبت كرة القدم دورًا مهمًا فى مواجهة العنصرية واليمين المتطرف؛ إذ جاءت أفضل نتائج كروية فى تاريخ فرنسا فى عام ١٩٩٨، حيث حصلت على كأس العالم للمرة الأولى، وكأس أوروبا فى عام ٢٠٠٠، وكأس القارات فى عام ٢٠٠١، حيث تَنَدّر اليسار الفرنسى على دعاوى اليمين المتطرف، مشيرًا إلى حالة الفريق القومى الفرنسى، إذ إن أكثر من نصف لاعبيه من أصول غير فرنسية، مشيرًا إلى أن المهاجرين هم دماء جديدة فى عروق الأمة الفرنسية، وكان اللاعب الفرنسى الشهير «زين الدين زيدان»، المنحدر من أصول عربية، خير دليل على ذلك، هذا اللاعب الذى تحول إلى رمز معاصر للأمة الفرنسية.

إنها الساحرة المستديرة.. معشوقة الجماهير.. صناعة كبرى، واقتصاد عالمى، لكنها أيضًا تاريخ وسياسة.