رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

كأن صفعة الغواصات لم تكن!

اختبار قاسٍ تعرضت له العلاقات بين باريس وواشنطن. وقيل إن نطاق الأزمة تجاوز فرنسا وقد يدفع الاتحاد الأوروبى إلى الاستقلال الدفاعى والانفصال عن مظلة الحماية الأمريكية. لكن بعد ستة أيام، أصدر الرئيسان الأمريكى والفرنسى، جو بايدن وإيمانويل ماكرون، بيانًا مشتركًا أعلنا فيه عن تعهدهما بإعادة إرساء الثقة، أو إعادة المياه إلى مجاريها!.

الأزمة بين باريس وواشنطن، حدثت منتصف الشهر الجارى، إثر الإعلان عن ولادة تحالف دفاعى جديد بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، كانت أولى ثماره أن قامت الأخيرة بإلغاء صفقة ضخمة لشراء غواصات فرنسية تقليدية، واستبدلت بها أخرى أمريكية تعمل بالدفع النووى. وجاء البيان الصادر عن الإليزيه والبيت الأبيض بعد اتصال تليفونى بين الرئيسين، تبعه قيام ماكرون، بإعادة السفير الفرنسى إلى واشنطن، الذى كان قد تم استدعاؤه، الجمعة الماضى، وتم تكليفه بالتحضير لاجتماع الرئيسين نهاية شهر أكتوبر المقبل، الذى قيل إنه يهدف إلى تأمين الظروف التى تضمن الثقة واقتراح تدابير ملموسة لتحقيق الأهداف المشتركة!.

التراجع الأسترالى، الأحادى والمفاجئ، عن صفقة الغواصات، كان «طعنة فى ظهر فرنسا»، حسب وصف وزير خارجيتها جان إيف لودريان. وأوحت دوافع القرار، أو الأسباب التى قادت إليه، بأننا أمام مقدمات، أو بوادر، حصار جديد لباريس يشبه، مع الفارق، ذلك الذى حدث فى ١٨ سبتمبر١٨٧٠. لكن خلال أقل من أسبوع انتقلنا من «الطعنة فى الظهر»، بفتح الظاء وتشديدها، إلى «الحب بعد الظهر»، L›amour l›après-midi، الذى كان عنوانًا لفيلم لطيف، لعبت بطولته الفرنسية من أصل جزائرى، دانييل سيارليه، Danièle Ciarlet، الشهيرة بـ«زوزو»، ولا ننصحك بمشاهدته لو كنت أقل من ٢١ سنة!.

فى الفيلم الجديد، لم تعتذر الولايات المتحدة عن توجيه الطعنة، أو الصفعة، واكتفى البيان المشترك بالإشارة إلى أن «إجراء مشاورات مفتوحة بين الحلفاء بشأن القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لفرنسا والشركاء الأوروبيين كان من شأنه تفادى هذا الوضع». ثم نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسئولة أمريكية أن وزيرى خارجية البلدين، أجريا «محادثات جيدة»، مساء الأربعاء الماضى، على هامش اجتماع الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن. واللافت أن غضب فرنسا تجاه جارتها الشمالية، كان محدودًا، بشكل غريب ومريب، واكتفى وزير خارجيتها الفرنسى بالحديث عن «انتهازيتها الدائمة»، وتشبيهها بأنها «عجلة خامسة فى سيارة»!.

ماكرون، الذى سيخوض انتخابات رئاسية، بعد سبعة أشهر، كان قد دعا منذ ثلاث سنوات تقريبًا، إلى تحرير «الاتحاد الأوروبى» من التبعية الأمريكية، مقترحًا إنشاء «جيش أوروبى» لحماية مصالح «الاتحاد» ليس من الصين وروسيا فحسب، بل من الولايات المتحدة أيضًا. وفى يونيو الماضى أبدى اعتراضه على محاولة الرئيس الأمريكى إلزام حلف شمال الأطلسى برؤيته الخاصة للمواجهة مع الصين. ويومها قال متهكمًا: «الصين ليست جزءًا من الجغرافيا الأطلسية، إلا إذا كانت هناك مشكلة فى خريطتى».

فرنسا، التى اقترب موعد رئاستها للاتحاد الأوروبى، حقّقت إنجازات بارزة فى سياستها الخارجية خلال السنوات الثلاث الماضية. وكان متوقعًا، أو من المفترض، أن تقود استراتيجية معدلة لمنطقة المحيطين، لأن الصفعة لم تكن تجارية- اقتصادية فقط، بل كانت أيضًا استهانة بمصالح دول الاتحاد الحيوية فى منطقة استثمر فيها أكثر من ١١ تريليون دولار، تمتد من سواحل شرق إفريقيا إلى الغرب الأمريكى، ما أكد، مجددًا، أن «الأنجلو ساكسون» يصرّون على احتلال مقاعد الدرجة الأولى، ويتركون مقاعد الدرجتين الثانية والثالثة لباقى الحلفاء. 

أحداث الفيلم الفرنسى «الحب بعد الظهر»، الذى تم عرضه سنة ١٩٧٢، تنتهى بعد ساعة ونصف الساعة. وبغض النظر عن زمن الفيلم الفرنسى الأمريكى المشترك، وتوقيته، فإن الروابط الخاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، بدأت تتهاوى بالفعل. ولم يعد أمام دول الاتحاد غير الاتجاه جنوبًا، نحو البحر الأبيض المتوسط، محور القوة الاستراتيجية الأوروبية. خاصة بعد أن عكس الانسحاب من أفغانستان، شيخوخة القيادة الأمريكية وكشفت صفعة الغواصات عن توحشها.