الأربعاء 20 أكتوبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الرجل الذى عبر بنا مرتين

العبور الأول كان فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، حين عبر «المقدم أركان حرب محمد حسين طنطاوى» بالكتيبة ١٦ مشاة، قناة السويس إلى الضفة الشرقية، فى نصف ساعة فقط، بينما كان المفترض أن يعبرها فى ساعة على الأقل. وفى ١١ فبراير ٢٠١١، بدأ عبورنا الثانى تحت قيادة «المشير محمد حسين طنطاوى»، وخلال أقل من ٢٨ شهرًا، اجتزنا معه، ثم مع خليفته، واحدة من أكثر فترات تاريخنا سوادًا، كان مخططًا ألا نعبرها، كما لم يعبرها غيرنا، حتى يومنا هذا.

واحد من تسعة فقط حملوا رتبة «المشير» فى تاريخ مصر. لكنه انفرد عن سابقيه فى أن الذين يتطاولون عليه، اليوم، ويتقيأون غلًا وكراهية، هم أنفسهم، الذين هتفوا يوم الجمعة الموافق ٢٩ يوليو ٢٠١١، الذى بات معروفًا باسم «جمعة قندهار الأولى»: «يا مشير يا مشير.. إحنا رجالك فى التحرير».. و«يا مشير أنت الأمير».. «شكرًا شكرًا يا مشير.. ألف تحية من التحرير»!. 

بعد ٩ أيام من العبور الأول، تحديدًا فى ١٥ أكتوبر ١٩٧٣، بدأت معركة المزرعة الصينية، التى لقنّت العدو الإسرائيلى درسًا لم ولن ينساه، وكان لها أثر كبير فى النصر المجيد، ووصفها الخبراء العسكريون بأنها أكبر معارك الحرب، إن لم تكن الأكبر فى التاريخ الحديث، من حيث حجم المدرعات المشتركة بها. وبعد ٩ شهور، من بدء العبور الثانى، تحديدًا فى ١١ نوفمبر ٢٠١١، قال المشير طنطاوى، خلال زيارته لإحدى المنشآت العسكرية، محذرًا من العدو الإخوانى، والذين يحركونه، ومطمئنًا رجاله: «المراد هى مصر.. ومصر حتستمر شعلة الوطنية، والقومية، والأمن والأمان، فى المنطقة كلها».

عندما هاجمته مدرعات العدو الإسرائيلى تحلى بالصبر وظل يحبس نيران مدفعيته حتى قام بمعاينة وتقدير القوة المعادية على الطبيعة، وفى اللحظة المناسبة بدأ الهجوم. وحين سطا العدو الإخوانى على حكم مصر، أدرك بخبرته وحكمته أن التعجل فى تفكيك القنبلة قد يؤدى إلى تفجيرها، فاكتفى بتجميد الوضع، أو القنبلة، تاركًا للشعب مهمة تفكيكها. والإشارة هنا قد تكون مهمة إلى أن رئيس الأركان، الذى صار نائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كان فى الولايات المتحدة، قبل وأثناء ٢٥ يناير ٢٠١١، وحين قطع زيارته وعاد يوم ٢٩ يناير، قيل إنه كان يحمل «روشتة أمريكية» لإنقاذ النظام الأسبق، ثم اتضح أنه كان يحمل شيئًا آخر!.

هكذا، استقبل المشير طنطاوى قرار إحالته للتقاعد، بمنتهى الهدوء، وقام ظهيرة اليوم التالى، الإثنين ١٣ أغسطس ٢٠١٢، بلملمة متعلقاته من مكتبه، بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، الذى ظل يشغله لأكثر من ٢١ سنة، تمكن خلالها من الارتقاء بقدرات قواتنا المسلحة ومنظومة عملها، بالتوازى مع توسيع مشروعاتها المختلفة، التى صارت بها ظهرًا وظهيرًا للشعب، وأتاحت لها حل كثير من الأزمات وتنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى. وخلال الاحتفال بالذكرى الـ٤٢ لنصر أكتوبر، سنة ٢٠١٥، عرفنا من الرئيس السيسى أن الفقيد كان صاحب فكرة اقتطاع نصف رواتب رجال قواتنا المسلحة، لتحقيق قدرة اقتصادية تساعد جيشنا.

أدى رسالته مقاتلًا وقائدًا، ثم خلال فترة رئاسته لمصر، بصفته رئيس المجلس الأعلى لقواتنا المسلحة، بعد تخلى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك عن الحكم. وتحمّل ما لا تتحمله الجبال من أجل مصر، بشهادة خليفته، الرئيس السيسى، الذى قال أيضًا، فى إحدى الندوات التثقيفية لقواتنا المسلحة إن «التاريخ سيتوقف أمام الدور الجليل الذى أداه المشير محمد حسين طنطاوى لحماية الوطن والحفاظ عليه والعبور بسلام بمرحلة من أصعب المراحل التى مرت بها مصر».

المولود فى ٣١ أكتوبر سنة ١٩٣٥، تخرج فى الكلية الحربية فى أبريل سنة ١٩٥٦، وشارك بعد شهور قليلة فى صد العدوان الثلاثى، ثم فى حرب ١٩٦٧، وحرب الاستنزاف، وكان قائد الكتيبة ١٦ مشاة، فى حرب أكتوبر، التى حصل عن بطولاته فيها على نوط الشجاعة العسكرى، أضيف إليه طوال السنوات التالية ٢٣ وسامًا ونوطًا وميدالية عسكرية. ومع قيام «دولة ٣٠ يونيو»، لم تتوقف التكريمات، التى تلقاها الرجل، تقديرًا لدوره وعرفانًا بفضله، وصولًا إلى رفع علم مصر، فى ٤ أغسطس الماضى، على الكراكة «حسين طنطاوى»، الكراكة الأكبر فى منظومة عمل هيئة قناة السويس، وليس انتهاء بإطلاق اسمه، أمس، على قاعدة «الهايكستب» العسكرية.

بعد رحلة طويلة من العطاء، غادرنا الرجل الذى عبر بنا، فى المرتين. ومن المسجد، الذى يحمل اسمه، اسم المشير محمد حسين طنطاوى، الذى تم افتتاحه فى ٩ مارس ٢٠١٥، تقدم الرئيس عبدالفتاح السيسى، مراسم الجنازة العسكرية المهيبة، التى ودّعه بها المصريون، كل المصريين، باستثناء فئة ضالة، ندعو الله ألا يؤاخذنا بتقيؤاتها وسفالاتها وانحطاطها.