الأربعاء 20 أكتوبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

خانة الديانة

هل يجب إلغاء خانة الديانة من بطاقة الرقم القومى؟ بداية نعم، لأن العمل على استقبال ما يسمى الجمهورية الجديدة «المدنية الديمقراطية التى تسعى لتفعيل المواطنة الحقة» يجعلنا لا نُبقى على أى قانون أو فعل أو ممارسة ضد حقوق المواطنة أو ما يخلق أى حالة تمايز بين المواطنين لأى سبب كان تطبيقا لمواد الدستور.

ولأن الدين والتدين واختيار المعتقد هو حق المواطن، وهو أولا وأخيرًا علاقة خاصة بين الإنسان وبين الله، وهذا لا يحتاج إلى إعلان عن هذه العلاقة فى مقابل الآخر المختلف فى العقيدة، كما أن هذه الخانة ونتيجة للمناخ والسلوك والفرز الطائفى الذى أصاب البلاد منذ سبعينيات القرن الماضى، مع قدوم رياح الوهابية السلفية التى لا تتوافق مع إسلامنا المصرى، جعل هذه الخانة تأخذ بعدا طائفيا جعل بعض المنتمين إلى الأغلبية العددية من المصريين يأخذ هذه الخانة كنوع من التمايز، فى مقابل بعض الأقلية العددية يشعرون بالتميز السلبى من ذكر دينهم.

هل هذه قاعدة عامة؟ بالطبع لا، ولكن هذه الخانة استُغلت مع كثير من غيرها من الممارسات الطائفية فى تأجيج المناخ والفرز الطائفى بين المصريين، وهل هذا يعنى أن الإلغاء لا يحل كل المشكلة؟ نعم لن يحل كل المشكلة، لماذا؟ لأن المتطرفين، والذين يمارسون التدين الشكلى نتيجة لفكر دينى خاطئ يميز بين مواطن وآخر حتى لو كان من ذات الدين، يصورون للعامة أن هذا الإلغاء يضر الإسلام والمسلمين على أرضية أن هوية مصر إسلامية وفقط.. مما يجعلنا، من منطلق تحليل سياسى موضوعى يصف الواقع توصيفا سليما، نقول إن الإلغاء الآن أن يكون فى صالح القضاء على التمايز والفرز والطائفي.. هذا بأى معنى؟
بمعنى أنه إذا كانت هذه الخانة نوعا من الفرز فهناك عشرات بل مئات من السلوك والفرز الطائفى التى تفرز المسلم من المسيحى، مثال ذلك الأسماء الدينية التى اجتاحت المسميات المصرية التى كانت تجمع بين الجميع "لؤى، دعاء، ولاء" فى مقابل "ارسانيوس، اثناسيوس، كيرلس"، حتى إن اسم مينا، وهو مصرى قديم، أصبح اسما للمسيحيين فقط.

وهل هناك صعوبة فى معرفة المحجبة وغيرها فى من هى مسيحية ومسلمة؟ وما رأيك فى أسماء المحلات والمؤسسات؟ حضانة العذراء فى مقابل حضانة الزهراء، كما أن الغالبية الغالبة فى أسماء المحلات تأخذ أسماء دينية ليس تعبيرا عن التمسك الدينى (وهو لا يحتاج إلى هذا الشكل) ولكن كنوع من النفاق الدينى الذى أحدث فرزا متصاعدا جعل المسلم يفضل المحلات ذات المسمى الإسلامي، والمسيحى يشجع ابن دينه فى المحلات ذات المسمى المسيحى!

وما بالك فيما يكتب على السيارات والتكاتك وكل وسائل المواصلات من عبارات تأخذ ليس مسمى الدين بقدر ما تأخذ الإعلان عن ديانة صاحب المركبة! ماشى وبعدين؟ بعدين لا شك أن المناخ الطائفى الآن غيره منذ السبعينيات، فهناك متغيرات على الأرض مهدت الرأى العام لقبول ما كان غير مقبول، وهذا بمعنى أن أى قرار أو أى تشريع إذا لم يتم التمهيد له على الأرضية الاجتماعية والجماهيرية والسياسية لن يرى تطبيقا على أرض الواقع، بل يمكن أن تكون النتيجة عكسية وفى غير صالح القضية فتأخذها للخلف بدلا من أن تدفعها للأمام.

فقانون بناء الكنائس مهد المناخ لقبول هذا وتبوُّء بعض المسيحيين مناصب لم تكن لهم كان فى طريق المواطنة الصحيح، وهذا يعنى أن هناك دورا مهما جدا لكل المؤسسات والمنظمات والأحزاب والعمل الأهلى، فى ماذا؟ فى تكثيف الأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية بين المصريين وفى كل المجالات، حيث إن الانكفاء على المسجد والكنيسة لممارسة هذه الأنشطة هو بيت الداء الخطير الذى سيكرس ويبقى على الفرز الطائفى.

اجعلوا المؤسسات الدينية لدورها الدينى والعقيدة والروحى حتى يتم الخروج من الهجرة إلى الكنيسة إلى العودة للمجتمع، ماذا يعنى مؤتمرات ومسابقات وأنشطة كنسية يشارك فيها وزراء ومسئولون؟ ألا تدركون خطورة هذا فى تكريس الفرز الطائفى؟ تلاحم وحوار وتقارب وتعامل المصريين على أرضية اجتماعية مصرية واحدة بعيدا عن دور العبادة هو بداية الطريق لإسقاط هذا الفرز.

هنا يمكن أن نقول إن علينا البداية المجتمعية فى كل الاتجاهات حتى نهيئ المجال العام لإسقاط الفرز الطائفى.. يكون هناك مجال خاص للممارسة الدينية والروحية فى دور العبادة، ويكون هناك مجال عام يجمع كل المصريين دون فرز طائفى من أى نوع، عند هذا سيكون تشريع إلغاء خانة الديانة تحصيل حاصل.

أتمنى قراءة المقال على أرضية وطنية لا على أرضية طائفية.. حمى الله مصر وشعبها العظيم.