الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

لغز الـ 1000 سينما.. باحثون يكشفون كيف أطفأ «سرطان الإسلاميين» نور الفن السابع؟

الفن
الفن

شاهد البشر أول عرض سينمائى فى يناير عام ١٨٩٦ فى العاصمة الفرنسية «باريس» وتحديدًا فى الصالون الهندى بالمقهى الكبير «الجراند كافيه» بشارع كابوسين، وبعد هذا التاريخ بأيام شاهد المصريون عرضًا سينمائيًا فى مقهى «زوانى» بمدينة الإسكندرية، تبعه عرض آخر بمدينة القاهرة فى ٢٨ يناير من الشهر نفسه فى سينما «سانتى»، ومنذ ذلك التاريخ انتشرت دور السينما فى مصر وانتقلت من الأحياء الراقية بالإسكندرية والقاهرة إلى الشعبية، ومن العاصمة إلى أقاصى الصعيد وإلى السلوم على الحدود الغربية مع ليبيا، والقصير فى الشرق على ساحل البحر الأحمر. ووفق شهادة باحثين مرموقين فى التراث هما مكرم سلامة وعصمت النمر، فإن عدد دور السينما فى مصر وصل إلى ألف دار، لكن «سرطان الوهابية» و«رأس المال الإسلامى» الذى غزا مصر فى السبعينيات تسبب فى إغلاق مئات الدور وهدمها.. وفى السطور التالية نقص عليكم تفاصيل ما حدث. 

 

مكرم سلامة: ناس الصعيد كانوا يبدأون يومهم بصلاة الفجر وبالنهار يدخلون السينمات

مكرم سلامة، أشهر جامعى الأرشيف السينمائى، أكد لنا امتلاكه وثائق تثبت أن عدد السينمات فى مصر وصل إلى ١٠٠٠ سينما.

وعن أسباب غلق وهدم دور السينما، وبقاء القليل منها فقط، قال: «السبب فى ذلك الإسلاميون من معتنقى الأفكار الوهابية المتطرفة، ونشاطهم الكبير فى السبعينيات بسبب دعم الرئيس الراحل محمد أنور السادات لهم لتحجيم دور اليسار والناصريين، وهم من حوّلوا مصر فى ذلك الوقت من دولة مدنية لدولة دينية».

وأضاف: «قدموا للناس نسخة زائفة ومشوهة من التدين، رغم أن النسخة المصرية من الإسلام هى الأقرب لجوهر العقيدة السمحة، وجميع الدول التى صدّرت لنا نسخها من الإسلام مع العمالة المصرية التى انتشرت فى العراق ودول الخليج، لم تكن تعرف التدين الحقيقى الوسطى كما تعرفه مصر، كان الناس فى الصعيد مثلًا يبدأون يومهم بصلاة الفجر وفى النهار يدخلون السينمات للترفيه، ولم يكن هناك أى حرج فى ذلك، ولا تعارض بين التدين والثقافة».

وعرض لنا «سلامة» وثائق تثبت أن مدنًا فى أقصى الصعيد عرفت السينمات، فمثلًا كان كل مركز ومدينة فى أسوان يضم دورين للسينما، مثل سينما «الصداقة» و«أبوشوق» وغيرهما، ونجع حمادى فى قنا كان يوجد بها الكثير من السينمات مثل سينما «البحر» و«الساحل» و«٢» فى شركة السكر، وفى مدينة فرشوط كان يوجد سينما.

وتابع: «فى الأقصر مثلًا رأيت السينما المغلقة بشارع المحطة فى انتظار قرار الإزالة بعدما أُزيلت كل سينمات مدينة أرمنت وباقى سينمات الأقصر ولم تتبق إلا سينما المحطة التى أُغلقت وينتطر أصحابها قرار الإزالة للاستفادة من موقعها».

واستطرد: «لك أن تتخيل أن شركات البترول التى كانت تعمل فى الصحراء أقامت دور السينما للعمال، السينمات تخطت كل الحواجز لدرجة أن حدود مصر مع ليبيا بمنطقة السلوم كان يوجد بها سينما أسسها رجل يونانى، ومدينة مطروح كان بها ٢، والقصير كان بها ٢ لأن الإيطاليين كانوا يعملون فى مصانع هناك».

وأوضح: «مصر هى ثانى دولة على مستوى العالم عرفت السينما، وهناك رخصتان لدىّ تثبتان أن مصر عرفت السينما قبل أمريكا نفسها، فى ذلك الوقت لم تكن هناك أى وسيلة ترفيه للفقراء إلا السينمات، بقرش صاغ واحد تدخل السينما بتسعة مليمات وتأخذ (بونبونايه) بالمليم العاشر».

يندب «سلامة» حظه وحظنا بسبب التردى الذى وصل إليه مجتمعنا بعد أن انتشر فيه سرطان التكفيريين والمتطرفين فى العهود السابقة «للأسف تأخرنا كثيرًا فى التصدى للظلاميين، السينمات كانت مؤشرًا على التردى الذى أصاب كل شىء فى مصر، فمثلًا لدىّ صور لشواطئ الإسكندرية فى الخمسينيات وكيف كان الشباب والفتيات يستمتعون بأوقاتهم دون أن تسجل حالة تحرش واحدة، رغم أن الفتيات والسيدات كن ينزلن البحر بالمايوه».

وتابع: «حتى فى صعيد مصر أنا درست فى مدرسة مشتركة، وكان الولد يجلس بجوار البنت بشكل طبيعى دون حرج أو مضايقات، رغم أن الفتيات فى ذلك الوقت كن يخرجن من بيوتهن للدراسة مرتديات الجيبة القصيرة، لا أرى أى تفسير لما وصلنا إليه من سوء سوى التدين الزائف والوصاية التى يمارسها من يصفون أنفسهم بالمشايخ على الشباب المغرر بهم».

واختتم: «هذا فكر لا يمت لنا بصلة، نحن بلد عظيم قاومنا كل تدخل أجنبى وهزمناه، ولكن الغزو الفكرى الذى حدث انتشر للأسف على يد مصريين يعيشون بيننا فلم نلحظه ولم نهب لمقاومته إلا متأخرًا».

عصمت النمر: عمليات غسل أموال وراء هدم دور العرض وإقامة العمارات السكنية

يتفق الطبيب والباحث فى التراث الغنائى، عصمت النمر، مع ما قاله «سلامة» فيما يتعلق بتأثير المد الوهابى ورأس المال الإسلامى الذى غزا مصر، فى سبعينيات القرن الماضى، على أوضاع دور السينما، حيث استولى المال الإسلامى على كثير من الدور وهدمها وحوّلها لعمارات سكنية أو مشروعات تجارية.

وقال: «أذكر أن هناك فندقًا شهيرًا فى شارع سليمان باشا أو طلعت حرب حاليًا فى وسط البلد بالقاهرة، كنت ألتقى فيه أمل دنقل، جرى هدمه مع كثير من المعالم العمرانية المميزة لصالح شركات توظيف الأموال الإسلامية مثل الريان وغيرها، وتحوّل الفندق إلى محال تجارية لبيع الملابس».

وأضاف: «شركات مثل الريان والسعد إحدى إفرازات هجمات الوهابية، ولعبت دورًا كبيرًا فى الانقلاب الفكرى الذى حدث فى مصر، منذ السبعينيات، ومن المؤكد أن عمليات غسل أموال وراء شراء السينمات والمسارح وهدمها وتحويلها لمشروعات تجارية».

وتابع: «سينما قصر النيل فى وسط القاهرة مغلقة، وسينمات شهيرة أخرى فى شبرا والأحياء الشعبية مغلقة بسبب التأثير الوهابى الذى طال كل شىء حتى الملابس، فنجد أن الأزياء التى اعتادت المصريات على ارتدائها اختفت مقابل الحجاب والنقاب المستورد من الخليج».

واختتم: «كان يوجد بمصر ألف سينما بالفعل، وانتشرت بشكل كبير خاصة بين عقدى الثلاثينيات والخمسينيات، لكن أصابها تردٍ كبير بعد ذلك ولم يصبها وحدها لكن أصاب كل شىء».