رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بايدن ومصر ويأس اليسار الأمريكى

 

لم ألتقِ السفير الأمريكى فى القاهرة «جوناثان ر. كوهين» من قبل، منذ توليه منصبه سفيرًا لبلاده فى نوفمبر ٢٠١٩، لكن لدىّ الكثير من الأصدقاء والزملاء يمثلون كيانات صحفية وتشريعية وسياسية وبحثية وحقوقية التقوه أكثر من مرة، والانطباع العام الذى خرجوا به دائمًا من النقاشات معه أن هذا الدبلوماسى الأمريكى النشط مؤمن بشكل كبير بحيوية واستراتيجية العلاقات المصرية الأمريكية، وأن المؤسسات فى كل من الدولتين تعمل معًا على تعزيز التعاون فيما بينها على جميع المستويات، اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا واستخباراتيًا، لما تمثله مصر من ثقل إقليمى، ولما تمتلكه من قدرات جعلتها الشريك الاستراتيجى الذى يمكن التعاون معه والاعتماد عليه لتحقيق الأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.

السيد «جوناثان»، بحكم منصبه الدبلوماسى، كان ولا يزال مراقبًا للحالة المصرية، خاصة عملية الإصلاح والتنمية الشاملة التى تتبناها وتقوم عليها إدارة الرئيس عبدالفتاح السيسى، وحين نقول إصلاحًا شاملًا، فهذا تعبير حقيقى عما تشهده مصر بالفعل، وليس تجميلًا وتزييفًا للواقع، فما شهدته مصر من وقوع ثورتين فى ٢٠١١ و٢٠١٣، كان بمثابة صحوة للدولة المصرية بمؤسساتها من أن لحظة التغيير والإصلاح قد حانت، وأن ملايين المصريين يتطلعون لدولة جديدة ينعمون فيها بالأمن والأمان وبالتنمية الحقيقية، وبسياسات ورؤى قابلة للتنفيذ على الأرض تنقلهم لمستويات حياتية ومعيشية أفضل، أسوة بباقى دول العام التى قررت تبنى استراتيجيات حقيقية للنهوض والتنمية.

السفير الأمريكى فى القاهرة كان جزءًا من النقاشات حول القانون ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ الخاص بتنظيم العمل الأهلى فى مصر، وأعتقد أنه تابع تفاعل إدارة السيسى واستجاباتها لتعديل بعض البنود فى القانون التى طرحتها بعض منظمات حقوق الإنسان فى مصر. وكان حاضرًا أيضًا ضمن ممثلين عن سفارات أجنبية ومنظمات دولية وشخصيات حقوقية على يسار السلطة فى مصر فى الـ١١ من سبتمبر ٢٠٢١، يوم إطلاق الرئيس السيسى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتى عكفت الدولة المصرية، بالتعاون مع ممثلى الجمعيات الحقوقية، على صياغتها على مدى أكثر من عام ونصف العام، ولا تشمل فقط تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل تعزز جميع الحقوق بما فيها الحقوق المدنية والسياسية وفق رؤية واضحة المعالم يتم تنفيذها خلال ٥ سنوات، كمرحلة أولى من هذه الاستراتيجية، ولعل الجميع شاهد قرارات الإفراج عن الكثير من المسجونين المحسوبين على التيار المدنى مؤخرًا ممن لم تتورط أياديهم فى دماء وعنف، وإجراءات الإفراج والعفو هذه فى اعتقادى ستظل مستمرة فى ظل قناعة من مؤسسات الدولة بأن مصر وصلت الآن لمرحلة من الاستقرار الداخلى ما يجعلها تتخذ قفزات كبيرة فى فتح المجال العام وتوفير مساحة أكبر للأحزاب السياسية والكتل الاجتماعية، طالما أن الجميع سيلتزم بالقانون والدستور، خاصة من وجهة نظرى فى اعتبار تنظيم الإخوان الإرهابى جزءًا من الماضى، وأن أى تواصل أو تنسيق مع عناصر هذا التنظيم سيمثل جريمة.

المقصد من ذكرِى قصة السفير الأمريكى فى القاهرة، والذى يعد بمثابة المبعوث الرسمى للإدارة الأمريكية فى مصر، هو أن إدارة الرئيس جو بايدن، التى راهن البعض على أنها ستتخذ مواقف متشددة تجاه مصر، تعى تمامًا حجم التغيير الكبير الذى شهدته مصر تحت إدارة الرئيس السيسى، والدور الذى لعبته هذه الإدارة فى عملية الإصلاح الاقتصادى وتعظيم الحقوق المدنية والسياسية، خاصة على مستوى تعزيز حقوق المرأة وترسيخ قيم المواطنة والتسامح وحرية العقيدة، وسياساتها الخشنة والناعمة لمواجهة الإرهاب والتطرف، ونجاح رؤيتها ودورها فى مختلف الملفات والأزمات الإقليمية، خاصة قضية الصراع الإسرائيلى الفلسطينى والأزمة الليبية وملف غاز شرق المتوسط وغيرها من الملفات.

لم أنزعج كثيرًا من إقدام إدارة بايدن على تجميد ١٣٠ مليون دولار من المعونة العسكرية المخصصة لمصر، وربطها بعمل إصلاحات أكبر فى حقوق الإنسان، وعدم الانزعاج هنا لأن الإدارة الأمريكية حاولت إرضاء كل الأطراف، فهى بقرارها هذا ظنت أن هذا لن يُغضب القاهرة، وفى نفس الوقت سيكون ترضية لبعض المنظمات الحقوقية الدولية وبعض الأصوات فى الكونجرس، خاصة من الديمقراطيين ممن تبنوا خطة تجميد الـ٣٠٠ مليون دولار ككل واتخاذ إجراءات أخرى بهدف الضغط على مصر، لكن ما حدث أن هذه المنظمات والشخصيات الأمريكية المحسوبين على اليسار الأمريكى ممن لا يزالون يؤمنون ويراهنون بسذاجة على أن الديمقراطية تصلح مع الإسلاميين، شعروا باليأس وأعلنوا فى تقارير ومقالات رأى فى صحف كـ«واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» وفى حساباتهم الشخصية على موقع «تويتر» عن خيبة أملهم فى إدارة بايدن، لأنهم يعلمون أن الـ١٣٠ مليون دولار لا تساوى شيئًا بالنسبة لمصر، ولا تمثل أى ضغط على قياداتها السياسية التى لديها خطة إصلاحية داخلية مصرية ١٠٠٪.

انفتاح بايدن على مصر، وإجراؤه اتصالين هاتفيين بالرئيس السيسى فى مايو الماضى، وإثناؤه على الجهود المصرية فى وقف حرب غزة الرابعة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ثم زيارة وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن لمصر فى نفس الشهر ولقاؤه القادة المصريين، وتصريحاته التى خرجت بعدها عقب احتفال خاص داخل السفارة الأمريكية بإشادته بالجهود المصرية الحاسمة وما تحملته مصر من أعباء فى مكافحة الإرهاب، وتأكيده أن مصر تعد شريكًا مركزيًا لواشنطن فى التصدى لتحدى الإرهاب العابر للحدود- كل هذا وأكثر يؤكد أن مساعى اليسار الأمريكى وبعض المنظمات الدولية ولوبيات الضغط فى واشنطن لن تنجح فى زعزعة استراتيجية العلاقات المصرية الأمريكية التى كانت أساسًا للاستقرار فى الشرق الأوسط، والتى هى فى صالح واشنطن قبل أن تكون فى صالح القاهرة.