رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بيانات النائب العام.. عدالة وبلاغة وحماية مجتمعية

في مثل هذه الأيام من عام 2019، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قراره الجمهوري بتعيين المستشار حمادة الصاوي في منصب النائب العام، ثم تابعنا أداءً راقيًا للنائب العام رقم 28 في تاريخ الحياة القضائية في مصر، فكانت جريمة قتل المجني عليه محمود البنا، المعروفة إعلاميًا بقضية "شهيد الشهامة"، هي أولى القضايا التي لفتت الرأي العام للانتباه لمواقف حاسمة وعدالة ناجزة يسعى النائب العام الجديد- حينها- لإرساء قواعدها، وبالفعل بدأت أولى جلسات محاكمة المتهمين عقب مرور 11 يومًا فقط على مقتل الطالب الضحية.

بعدها بنحو شهرين وقعت قضية أخرى تمثلت في موت شخص وإصابة آخر، بعد قفزهما من القطار لعدم دفعهما ثمن التذكرة، وجهت النيابة الاتهام لمحصل القطار بأنه من أجبر الشابين على القفز أثناء سير القطار، وكان قرار النائب العام حاسما بإحالته إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، ثم ما لبث أن تابعنا قرارًا غير مسبوق من النائب العام تمثل في إنشاء إدارة حملت اسم "إدارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعي"، كان الهدف من إنشائها تحقيق التواصل الفعال بين النيابة العامة والمواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، لتوضيح الحقائق للرأي العام.

وكانت تلك هي أولى الإشارات التي لفتت انتباه المصريين نحو اهتمام نائب الشعب على الدعوى العمومية بفكرة تجنب أسباب الجرائم لتحقيق السلم الاجتماعي، إذ انتبهنا إلى فكر معاليه الذي لا يعنى بالتحقيق في الجريمة بقدر اهتمامه بمنع ارتكابها من الأساس، وحين استغل زوج وزوجة من اليوتيوبرز رضيعتهما لصناعة محتوى يدر عليهما المال، تم استدعاء الزوجين للتحقيق، وكان توجيه النائب العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة إنسانيًا باستمرار متابعة حالة الطفلة الرضيعة لمنع استغلالها بأي صورة من صور الاستغلال مرة أخرى، أو تعريضها للخطر.

وفي قضية أخرى تمثلت في تجاوز طفل بحق أحد الموظفين العموميين، اتضح حرص النائب العام على تحقيق العدالة الناجزة أيا ما كان مرتكب الجريمة حتى لو كان والده من المحسوبين على الهيئة القضائية ذاتها، ما ذكّرنا بقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «وَأيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، وفي هذا الموقف رسالة طمأنة للمجتمع بأسره مفادها أن العدالة ستتحقق على الجميع مهما عظم شأنه، وللجميع مهما تواضع حاله.

وحين تعدى الأهالي على أحد المتهمين قبل أن يُسلم إلى جهات التحقيق أصدر سيادته بيانًا جاء فيه: "نهيب بالكافة إلى الالتزام باتباع الطريق الرسمي في استرداد الحقوق، والاحتكام للسلطات المختصة القائمة على ذلك في ظل سيادة دولة القانون، فليس التجمهر والتخريب والتعدي طريقًا لصيانة الحقوق أو استردادها، ولكنه سبيلٌ لطمس الأدلة وضياعها، ويُرتب المساءلة القانونية والمحاسبة الجنائية على المشاركين فيه".

ويحسب للنيابة العمومية في عهد المستشار الصاوي شديد حرصها على متابعة ما يهم الرأي العام، والإحساس بنبض الشارع، الأمر الذي يضمن تحقيق السلم المجتمعي طالما استشعر الجميع أن العدالة هي المعيار وأن تحقيق العدل هو الهدف وأن الإنصاف هو السبيل دون تمييز بين الجاني أو المجني عليه، حيث ارتضت النيابة العمومية أن يكون القانون هو الفيصل بين الجميع، وأن المواطنة- ولا شيء غيرها- هي الحكم العادل بين الجناة والمجني عليهم، وفي هذا الإطار فوجئنا بنزول النائب العام بنفسه على رأس وفد من النيابة لتفقد عدد من الحوادث في مكان وقوعها، كما حدث من معاينته موقع حادث تصادم قطارين بسوهاج في مارس الماضي.

وكمتذوق للغة العربية ومقدر لكل من يجيد صياغتها كحبات من اللؤلؤ في عقد فريد، أقف مشدوها بفصاحة النائب العام وحسن صياغته بياناته وكلماته، أقتبس هنا مثلا جانبا من كلمته في استقبال وفد النيابة العامة السودانية: "إنَّ مصرَ والسودانَ أُمةٌ واحدَةٌ، شَعبٌ واحِدٌ يَجمَعُهُ الصِّهْرُ والنَّسَبُ، هُوِيَّةٌ واحدَةٌ ونسيجٌ اجْتِماعيٌّ واحِدٌ تَحكُمُهُ قَوانِينُ مُتقارِبَة، ويَصُونُهُ قَضاءٌ شِبْهُ مُتطابِقٍ، شَعْبٌ مُنصَهِرٌ لا تَفصِلُهُ الحُدُودُ المَرسومَةُ ولا تُباعِدُهُ الأزمِنَةُ المُتعاقِبَةُ، ولا رَيْبَ في ذَلِكَ فَمِصرُ والسودانُ قَلبَانِ بِشِرْيَانٍ واحِدٍ يَسْرِي فيهِ دَمٌ واحِدٌ بُعثَتْ بهِ روحُ الحياةِ فِيهِمَا منذُ نَشأَتِهَا إنَّهُ.. نهْرُ النيلِ العظِيمِ.. نهْرٌ يَعُمُّ الخيرُ عَلَى ضِفَّتَيْهِ بِعَدالَةٍ رَبَّانيَّةٍ".

وفي بيان بشأن تورط إحدى الفتيات في علاقات غير سوية إثر اضطرابات نفسية نتيجة أزمات اجتماعية، نبّه سيادته المجتمع في بيان إلى عِظَم الدور المنوط بأولياء الأمور تجاه رعاية أبنائهم وصونهم من أصدقاء السوء والمخاطر المستحدثة التي يُدفعون إليها، بعدما فقَدَ البعضُ منهم لدى آبائهم الرعايةَ والتربيةَ والتفهُّمَ، وأردف سيادته ناصحًا أولياء الأمور: "حافظوا على أبنائكم بتفهم وتقريب دون إفراط في تدليل ورقابة بوعي دون تضييق وترهيب".

وردًا على واقعة التنمر من بعض الشباب المستهتر ضد أحد الوافدين أصدر سيادته بيانًا بليغًا جاء فيه: "تهيب «النيابة العامة» بشباب الأمة إلى ضرورة التحلي بمكارم الأخلاق والقيم الإنسانية السامية المترسخة في أصول الشعب المصري منذ نشأته، والإعراض عن تلك التصرفات الشاذة عن قيمه ومبادئه، تلك القيم التي تحترم كافة الاختلافات بين الناس دون تفرقة على أي أساس، مع مراعاة مشاعرهم، والبعد كل البعد عن الحط من مكاناتهم وأقدارهم، مشيرة إلى أن التمييز والعنصرية يورثان النفوسَ كبرًا، وقع فيه إبليس أولًا لما ظن تميزه بخلقته عن آدم عليه السلام، فعوقب بالطرد من رحمة الله إلى يوم القيامة، فلا تعيبوا الخلق وتأدَّبوا مع الخالق".