رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الحقيقة بيضاء.. فى أيلول الأسود!

 

محطات مهمة فى تاريخ العلاقات المرتبكة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية توقف عندها طاهر المصرى، رئيس الوزراء الأردنى الأسبق، فى مذكراته التى اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، وصدرت فى الذكرى الحادية والخمسين لأحداث «أيلول الأسود»، تلك التجربة المريرة، التى شكلت نقطة تحول مهمة فى المنطقة، ولم يتعلم منها الفلسطينيون، بكل أسف.

المصرى، أردنى من أصول فلسطينية، رافق الملك الحسين بن طلال لثلاثة عقود تقريبًا، وقضى عقدين فى عهد الملك عبدالله الثانى: انتخب عضوًا فى البرلمان سنة ١٩٧٣ واختير وزير دولة لشئون الأرض المحتلة، ثم سفيرًا فى عواصم صنع القرار، ووزيرًا للخارجية، ثم رئيسًا للوزراء سنة ١٩٩١، ورئيسًا لمجلس النواب فى ١٩٩٣، ومفوضًا لشئون المجتمع المدنى لدى جامعة الدول العربية، سنة ٢٠٠٢، واختتم رحلته السياسية برئاسة مجلس الأعيان منذ ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٣، وخلال تلك الفترة قاد «لجنة الحوار الوطنى»، التى واكبت ما يوصف بالربيع العربى.

فى «الحقيقة بيضاء»، وصف «المصرى» أحداث «سبتمبر ١٩٧٠»، المعروفة باسم «أحداث أيلول الأسود»، بأنها لم تكن حربًا بين الأردنيين والفلسطينيين، أو حربًا أهلية، بل «كانت صراعًا بين الدولة الأردنية، التى تريد فرض سلطتها ونظامها وسيادتها على أراضيها، وبين مجموعات مسلحة تريد أن تستولى على النظام، وتفرض سيطرتها بقوة السلاح».

سنتوقف فقط عند هذا الوصف، ولن نعود إلى المذكرات إلا فى الفقرة قبل الأخيرة، لأننا، نحن المصريين، كنا طرفًا فى أحداث «أيلول الأسود»، وكانت تلكيكة حدوثها، أو القشة التى ادّعى البعير أنها قصمت ظهره، هى تأييد الملك حسين للموقف المصرى من مبادرة روجرز: وليام روجرز، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، بوقف إطلاق النار لمدة ٩٠ يومًا ودخول الطرفين، المصرى والإسرائيلى، فى مفاوضات. كما شاء القدر أن تكون تلك الأيام السوداء، هى آخر همّ عربى، يتحمّله ويحتويه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، قبل ساعات من انتقاله إلى رحمة ربه.

امتيازات كثيرة حصل عليها الفلسطينيون فى الأردن، لكنهم فشلوا فى الحفاظ عليها، أو على وحدتهم، وانقسموا إلى منظمات وتنظيمات، وزعموا أن تحرير فلسطين يبدأ من عمّان، وحاولوا إسقاط نظام الملك حسين، و.... و.... وطرحت كل ممارساتهم داخل المملكة أسئلة صعبة عديدة من عينة: هل من حق الضيف أن يحاول الاستيلاء على بيت المضيف ويفرض سيطرته عليه وعلى أهله؟ وإلى أى مدى يمكن أن تتسع حدود الصبر لاحتمال ذلك الضيف؟ 

بغض النظر عن الإجابة المنطقية، فقد انتهى الأمر بحدوث اشتباكات بالأسلحة الثقيلة فى العاصمة عمّان، ثم دخلتها دبابات ومدرعات الجيش الأردنى من جميع الاتجاهات. وامتدت الاشتباكات، فى اليوم التالى، إلى مدن إربد والرمثا (شمال) والزرقاء (شرق). وبعد يومين دخلت وحدات مدرعة سورية شمالى الأردن. و... و... وبعد يوم من العمل المكثف، توصل الرؤساء والملوك العرب، مساء الأحد، ٢٧ سبتمبر ١٩٧٠، إلى اتفاق بين الأردن والمقاومة الفلسطينية، لإنهاء العمليات العسكرية وسحب قوات الطرفين من العاصمة الأردنية عمان، وإعادة الأوضاع فى الشمال إلى ما كانت عليه. وبعد أن حققت القمة العربية الطارئة التى انعقدت بالقاهرة أهدافها أو هدفها الرئيسى، قام الرئيس بتوديع الرؤساء والملوك الذين شاركوا فى القمة. وفى السادسة وعشرين دقيقة مساء الإثنين، ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، انتقل جمال عبدالناصر إلى رحمة ربه.

الصبر، كان نصحه جمال عبدالناصر للملك حسين، خلال لقائهما فى قصر رأس التين بالإسكندرية، يوم ٢١ أغسطس ١٩٧٠: «أرجو أن تأخذهم بالصبر حتى لو غلطوا من أجل شعبكم ومن أجل الشعب الفلسطينى». ومن «الحقيقة بيضاء»، عرفنا أن الملك الراحل عمل بالنصيحة، وأنه بعد خروج منظمة التحرير من بيروت، سنة ١٩٨٢، رأى أن الفرصة مناسبة، ليرمى طوق النجاة إلى ياسر عرفات الذى كان بحاجة ماسة إلى عقد المجلس الوطنى الفلسطينى، السابع عشر، من أجل لملمة المنظمة، وتأكيد شرعيته ووجوده على الساحة مرة أخرى. وبعد أن رفضت كل العواصم العربية استضافة ذلك المؤتمر، بما فيها «دول الصمود والتصدى»، تدخل الملك حسين عارضًا استضافته على عرفات الذى وافق دون تردد، وأقيم المؤتمر بالفعل فى الفترة الممتدة من ٢٢ إلى ٢٩ نوفمبر ١٩٨٤، وحضر الملك جلسة الافتتاح.

بعد انعقاد ذلك المؤتمر، توالت الأحداث. وكانت رؤية الملك تنطلق من أنّ الأردن وفلسطين هما البلدان المعنيان بحل القضية الفلسطينية أكثر من غيرهما. وبينما أكد طاهر المصرى أنه كان سعيدًا بتقديم كل أنواع الدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية، جاءت الوقائع التى تناولها، بمقدماتها ونتائجها، لتؤكد ما قاله محمود درويش: «الحقيقة بيضاء فاكتب عليها بحبر الغراب.. والحقيقة سوداء فاكتب عليها بضوء السراب»!.