الإثنين 20 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

إبراهيم داود يكتب عن العميد الذي لا تفنى كنوزه

إبراهيم داود
إبراهيم داود

لأول مرة.. خطبة طه حسين عن صداقة مصر واليونان

اهتم الأستاذ عبدالرشيد محمودى، الشاعر والروائى والمترجم المخضرم بالأمم المتحدة والصديق العزيز، بتراث عميد الأدب العربى طه حسين اهتمامًا بالغًا، ونقب عن مخطوطاته وخطبه المجهولة فى كل مكان، وترجم ما عثر عليه عن الفرنسية والإنجليزية، وأنا أقلب فى أوراقى فى الأيام الفائتة، اكتشفت كنزين ثمينين كان قد بعث إلىّ بهما قبل سنوات، لم يتم «حسب علمى» نشرهما من قبل، الأول فى جامعة أثينا بمناسبة منحه الدكتوراه الفخرية «مارس ١٩٥١»، وترجمة لملخص لخطاب آخر ألقاه بمناسبة افتتاح معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية بمدريد «نوفمبر ١٩٥٠»، فى الخطاب الأول الذى ألقاه فى نفس المكان الذى وقف فيه من سماهم «أساتذة الإنسانية»، وهم فلاسفة وخطباء يونانيون «سقراط وأفلاطون وأرسطو وديموستين وإيزوقراط»، طه حسين منذ عودته إلى مصر من بعثته الدراسية فى فرنسا «١٩١٩»، وعبّر عنه فى أولى محاضراته بعد تعيينه مدرسًا لمادة التاريخ القديم فى الجامعة المصرية. يقول فى كتابه «آلهة اليونان» (١٩٢٠): «شديدة جدًا هى حاجتنا إلى درس تاريخ اليونان القديم وما تركوا من أثر أدبى أو علمى. فليس إلى فهم ما للقدماء والمحدثين من أدب وعلم ومن فلسفة وسياسة- وسيلة إلا درس الأمة اليونانية القديمة وآثارها.. يجب ألا نجهل من أمرنا شيئًا ويجب إلى ذلك أن نعلم من أمر غيرنا كل ما وجدنا إلى العلم به سبيلًا، فإذا أضفنا إلى هذا أن العلم بتاريخنا الخاص موقوف على العلم بتاريخ اليونان لشدة ما بيننا وبينهم من الصلة الأساسية والأدبية منذ خمسة وعشرين قرنًا، وأن رقينا فى الحديث موقوف على درس هذا التاريخ لأن معنى هذا الرقى هو الأخذ بما يلائمنا من المدنية الحديثة وهذه المدنية يونانية قبل كل شىء»، ولم يكف طه حسين عن ترديد هذه المعانى على نحو أو آخر فى مؤلفاته التالية مثل «نظام الأثينيين لأرستطاليس» (١٩٢١) و«قادة الفكر» (١٩٢٥) و«مستقبل الثقافة فى مصر» (١٩٣٨). 

إلا أن طه حسين وهو يشيد فى مقالته الأثينية بالتأثير اليونانى على الثقافتين المصرية والإسلامية، لا يفوته أن ينوه فى المقابل بفضل الثقافة العربية الإسلامية فى حفظ التراث القديم ونقله إلى أوروبا، والمساهمة بذلك فى انتقال الغرب من العصور الوسطى إلى النهضة الحديثة. وفى رأى طه حسين أن تدفق ذلك التيار الحضارى الضخم من اليونان القديمة إلى الثقافة العربية الإسلامية ومن ثم انتشاره مجددًا فى أوروبا يمثل دورة كبرى فى تاريخ الإنسانية وتحقيق وحدتها العقلية والروحية.

وجدير بنا أن نعى تمامًا دروس طه حسين، ومنها حاجتنا إلى التواصل مع التراث اليونانى مباشرة ودون واسطة. فمن غير الممكن مثلًا دراسة الفلسفة الإسلامية دراسة جادة دون الرجوع إلى طابعها اليونانى كما نجده فى أفلاطون وأرسطو.

ومن المهم أن نلاحظ أن طه حسين يشير إلى أن العلاقات العريقة الوثيقة فيما بين مصر واليونان، وبالتالى فيما بين جنوب البحر المتوسط وشماله، لم تقم دائمًا فى ظل الانسجام والتعاون، بل كانت تنطوى أحيانًا على بُعد صراعى، وإلى أن هذه العلاقات المعقدة بخيرها وشرها أو بحلوها ومرها كانت خصبة مثمرة عظيمة العطاء. وأعتقد أن إبراز هذا البُعد الصراعى يضيف إلى آراء طه حسين كما عبّر عنها فى «مستقبل الثقافة فى مصر» عنصرًا تفتقده ويزيل عنها ما شابها أحيانًا من التباس ويجعلها أكثر توازنًا. 

فى بداية الخطاب شعور بالامتنان والشكر لجلالة ملكى اليونان على العناية السامية التى أحاطاه بها هو وزوجته، وأعرب عن امتنانه لجلالة ملك اليونانيين لما أحاطه به من تميز شخصى، شكر أيضًا الحكومة اليونانية على كل علامات المجاملة والعطف التى أبدتها تجاهه هو وزوجته، الخطاب تحفة أدبية يجلس خلفها مفكر عظيم، يعرف قدر مصر ومكانتها ويسعى إلى التواصل مع الجانب الآخر من المتوسط، بدون بلاغة تخدم ما هو آنى فقط:

«ليس هناك من بلد يستطيع أن يقول ما استطاعت اليونان ومصر قوله عن صداقتهما الألفية. فنحن يعرف أحدنا الآخر، نحن نتعاون، لا منذ قرون بل منذ عشرات القرون. وخلال هذه الآلاف من السنين تعرض كلا الصديقين لعدة انتكاسات، وأحرزا أمجادًا عدة. لقد تعاونا معًا. وتصارعنا أحيانًا. وتعارفنا قبل التعارف مع بلدان أخرى. ولم يكن لتعاوننا من حدود. وكانت لغتكم خلال عشرة قرون هى اللغة الرسمية لمصر منذ الإسكندر حتى وصول الإسلام إلى ضفاف النيل، وكانت ثقافتكم هى الغذاء الروحى لمصر منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى اليوم وستظل كذلك دائمًا. وبوسع مصر أن تفخر بأنها حفظت للإنسانية كنوز الأساتذة الكبار لكى تعيدها فى العصور الحديثة لا بوصفها مصادر لتمتع الخاصة أصحاب الذوق الثقافى الرفيع، بل كمبادئ أساسية للحياة. 

وافترقت مصر واليونان. فأصبحت مصر مسلمة، وبقيت اليونان مسيحية. وكان الصراع قاسيًا ضاريًا، ولكنه كان خصبًا بالنسبة للتاريخ والآداب والفن ويقظة البشرية. وتحارب العرب واليونانيون. ولكن العرب فى فترات الهدوء أتوا إلى بيزنطة بحثًا عن كتب الأساتذة الكبار لترجمتها، وشرحها، ونشرها، وللسماح لهؤلاء الأصدقاء الأعداء، إذا صح استعمال هذه العبارة المتناقضة، بالتعارف والتفاهم، ولصنع وحدة العالم الروحية عن طريق هذه المعرفة وهذا الفهم. وبفضل هذا الصراع بين العالم العربى والعالم البيزنطى أصبح لنا شعراء كبار مجدوا انتصار أمرائهم وأشادوا به.. وبدون هذا الصراع ما كان ليوجد لدينا أبوتمام، وبدونه لما كان ليوجد لدينا المتنبى. وبدون هذه الثقافة، وهى ثمرة علاقات الحرب والسلام بيننا، ما كان ليوجد لدى العالم العربى أبوالعلاء المعرى، الشاعر العظيم والفيلسوف الأبيقورى.

وهناك ما هو أفضل، فلقد كنا شعبين يتصارعان صراعًا رهيبًا فى آسيا الصغرى، ولكن العرب المسلمين هم الذين صبغوا الشرق حتى جزر الهند الشرقية بالصبغة اليونانية. والعالم الإسلامى، عندما شن الحرب على الإمبراطورية البيزنطية، نقل الثقافة اليونانية العربية إلى إسبانيا المسلمة، ومن ثم تغلغلت أفكار فلاسفتكم ومذاهبهم حتى بلغت أعماق العالم الغربى عندما كان هذا العالم قد نسى الثقافة القديمة. 

أما وحدة العالم، فلقد حاول الإسكندر صنعها، ولم يكد ينجح فى ذلك. وحاولت روما بدورها صنع ذلك، ولم يتح لها بدورها حظ أكبر من حظ الإسكندر. وتمكن الإسلام من تحقيق الهدف لأنه عرّب الثقافة اليونانية واستطاع بذلك أن يضعها فى متناول كل الذين كانوا يفهمون العربية. وبداية من جزر الهند الشرقية حتى أوروبا كان هذا العالم بأسره يفكر وفقًا لفلسفة أرسطو. وتلك هى الطريقة الفكرية التى منحها اليونانيون للعالم الإسلامى خلال القرون العظمى للترجمة. 

ولا يوجد فى العالم سوى بلدان قليلة جدًا استطاعت الاحتفاظ بشخصية من المحال أن تمحى، بشخصية قادرة على الحياة رغم كل الصعوبات والكوارث. وقدمت هذه البلدان للعالم مثالًا للشعوب التى تستطيع تحمل الآلام والتقلبات والاحتفاظ فى نفس الوقت بشخصيتها كاملة. واليونان ومصر من هذه البلدان. فقد تعرضتا للغزو وعانتا من الطغيان، ولكن لم تمس قط شخصية أى منهما، ولم تتخليا قط عن الأمل ولا عن الثقة فى مصيريهما. وأنا أعلم- ونعلم جميعًا- أن بلدينا اضطرا فى لحظة ما إلى البقاء هادئين. ففى تاريخين متقاربين- فى منتصف القرن الخامس عشر بالنسبة لليونان وفى بداية القرن السادس عشر بالنسبة لمصر- خفت نوران ولكنهما لم ينطفئا. وبقى هذان النوران العظيمان سراجين ساهرين خلال ثلاثة عقود وأكثر. 

وفى القرن التاسع عشر أتى محمد على الكبير إلى مصر وأعاد للنور المصرى المسلم كل قوته. وبفضل ذلك ولد من جديد العالم الإسلامى حتى بلاد العرب فى القرن التاسع عشر، وتنتفض اليونان وتعطى لنورها القوة التى هزت الإنسانية، وها هى مصر واليونان تتعارفان، وتلتقيان، وتتصافحان. ولقد سلكنا نفس الطريق نحو تحقيق مصائرنا ففعلنا كل ما كان فى وسعنا لكى نستعيد الزمن الضائع. ولقد صنعتم الأعاجيب، وأدهشتم العالم منذ سنة ١٨٢١ وتوصلت مصر إلى إفهام العالم أن من غير الممكن أن يوجد سلام حقيقى بدونها، وبإمكاننا نحن وأنتم، وبدون مبالغة وبدون غرور، أن نتحدى العالم أن يحل السلام بدوننا، فالبحر المتوسط ينتمى لنا والسلام ليس سوى وهم إذا لم يكن البحر المتوسط حرًا وهادئًا. ونحن واعون بقوتنا وواعون من ثم بنقاط ضعفنا. ونحن لسنا أقوياء إذا لم نعرف ماذا ينقصنا لكى نصلحه. ونحن نريد أن يكون حاضرنا لائقًا بالماضى، وأن يكون مستقبل أبنائنا أفضل من حاضرنا. ولقد سرنا خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين يدًا فى يد. وقد رأيتم كيف أن المصريين عندما نزلت الكارثة باليونان اهتموا بكم، وشاركوا فى شقائكم وقلقكم. 

وأرجو أن يكون اليونانيون قد رأوا وأحسوا أن المصريين اهتموا بهم وتألموا لألمهم واستمسكوا معهم برجائهم ألا تنطفئ الشعلة. 

وعندما تعرضت اليونان للغزو، وعندما أرغم الجنود اليونانيون قوة كبرى على أن تدرك أن عليها أن تتفكر قبل أن تشن هجومًا حتى على شعب أضعف منها، لم يمض مصرى لحظة واحدة، وأؤكد لكم ذلك، دون أن ينظر بإعجاب إلى إباء الشعب اليونانى الذى جدد عظمته الأولى. فالانتصار لا يتحقق بالوحشية وحدها، وهناك بالأحرى ما هو أفضل، هناك قوة الإيمان بالحرية والديمقراطية. وقد اتخذتم دائمًا من الحرية هدفًا، الحرية لا لأنفسكم فقط ولكن للعالم أيضًا. 

وخلال القرون الوسطى تفاهم العرب واليونانيون دون وسطاء، عن طريق الترجمات والقراءات والزيارات. وما زال ذلك مستمرًا اليوم، ولكن لا كما حدث فى الماضى. فأنتم أصبحتم تجهلون العربية، ونحن لا نعرف يونانيتكم الحديثة كما عرفنا فى الماضى اليونانية القديمة فى دمشق وبغداد والإسكندرية. وقد قصرنا نحن وأنتم تجاه أحدنا لآخر. وكان علينا أن نفعل شيئًا لم نفعله، كان علينا أن نتوصل إلى التفاهم مباشرة ودون وسطاء، فلا يجب أن تلجأوا إلى الفرنسية أو إلى الإنجليزية لكى تفهموا أدبنا المعاصر وأنشطتنا الثقافية، ولا يجب أن نفعل مثل ذلك لمعرفة أدبائكم مثل بالاماس، وكفافى، وإسكريانوس. ويجب أن نتوصل إلى قراءتكم فى النص الأصلى وأن تتوصلوا إلى قراءة مؤلفينا بلغتهم. فالتعارف عن طريق الوسطاء، ومن خلال لغة أجنبية، لا ينبغى أن يسمح بها لأصدقاء مثلكم ومثلنا. وها أنتم تخاطبوننى بالفرنسية، وهأنذا أتحدث إليكم بالفرنسية. وأنا أدرك أن اللغة الفرنسية ليست لغة أجنبية بالنسبة للأشخاص المتحضرين، ولكنها مع ذلك ليست العربية، وليست اليونانية. وكم كنت أود أن أفهمكم عندما تتكلمون اليونانية وأن أوجه إليكم الخطاب بالعربية، ولذلك كلفتنى الحكومة المصرية، مستلهمة محب اليونان الكبير صاحب الجلالة الملك فاروق الأول، بأن أعلن لكم أنها قررت أن تنشئ فى جامعة أثينا كرسى الملك فاروق للغة والأدب العربيين.

وبداية من السنة الجامعية القادمة سيكون لديكم إذا شئتم أستاذ مصرى سيعلم شبابكم لغتنا وأدبنا العربيين. وأنا أنتظر إنشاء كرسى اللغة والأدب اليونانيين الحديثين فى جامعة الإسكندرية لدينا، وأرجو أيضًا أن يأتى جيل لا تكون به حاجة إلى لغة أجنبية للكلام بين اليونانيين والمصريين. 

أيها السادة، أنا أنظر إلى إقامتى فى أثينا وفى اليونان وإلى هذا الحفل البالغ التأثير الذى تكرمتم بتخصيصه لى بوصفه مكافأة على كل ما فعلت خلال حياتى وبوصفه تشجيعًا على فعل كل فى وسعى فى الوقت المتبقى لى من حياتى. وليس لدىّ ما أفعله لكى أشكركم أفضل من الاعتراف بهذا الدين».