الإثنين 20 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«الأسر البديلة».. «الدستور» تكشف أسرار «عالم الاحتضان» فى مصر

الأسر البديلة
الأسر البديلة

حالة من الغضب انتابت مرتادى مواقع التواصل الاجتماعى، خلال الأيام الماضية، بعد نشر واقعة تبنى أسرة «طفلة عمرها ٣ سنوات» من دار أيتام، ثم التخلى عنها بعد أن حملت الأم واقتربت من استقبال مولودها، وهو ما أثار حالة كبيرة من الجدل على تلك المواقع، حتى تصدر هاشتاج «الاحتضان مسئولية مش تريند» قوائم الموضوعات الرائجة. 

«الدستور» تلقى الضوء على هذا الملف فى السطور التالية، من خلال لقاءات مع أسر تحتضن أطفالًا من دور الرعاية المختلفة، بعد أن سمحت التشريعات القانونية الجديدة بذلك لراغبى التبنى.

يمنى دحروج:  مسئولية كبرى.. وناضلنا لعقود من أجل إجازة الأمر

روت يمنى دحروج، أم حاضنة، ومؤسِسة مجموعة «الاحتضان فى مصر»، تفاصيل الواقعة التى أثارت الجدل وفتحت الحديث حول هذا الملف، موضحة أن هناك زوجين تبنيا طفلة عمرها ٣ سنوات منذ ولادتها، وبعد أن اعتادت جو الأسرة ووجود أب وأم وسرير خاص بها حملت الزوجة، لتقرر هى وزوجها إعادة الطفلة إلى دار الأيتام مرة أخرى.

وحسب «يمنى»، لم تشفع للطفلة دموعها بعد أن علمت بعدم انتمائها لهذه الأسرة، وبكاؤها الشديد وهى تقول للزوج الذى لم تعرفه سوى أب: «بابا ماتسبنيش!».

ووصفت الاحتضان بأنه مسئولية كبرى تقع على عاتق الشخص الذى أقبل على هذه الخطوة، وليس ظاهرة وقتية أو «تريند»، خاصة فى ظل الجهود التى بُذلت على مدار عقود طويلة من قِبل المحرومات من الأطفال لإقرار قوانين تجيز التبنى. 

وقالت «يمنى»: «السيدات اللاتى لم يحالفهن الحظ فى الإنجاب وقررن كفالة طفل من دور الرعاية المختلفة واجهن عدم السماح بذلك من الناحية القانونية، لذا خضن معركة لتغيير قوانين التبنى التى وقفت حائلًا أمام حقهن فى الشعور بالأمومة وتربية الأطفال».

وأوضحت أن قانون الطفل رقم ١٢ لسنة ١٩٩٦ كان لا يسمح للمرأة غير المتزوجة بأن تتكفل طفلًا، إلا بشروط متعلقة بالعمر وأشياء أخرى، فقد نصت مواده على أنه فقط «يجوز للأرامل والمطلقات، ومن لم يسبق لهن الزواج وبلغن من العمر ما لا يقل عن ٣٠ سنة، كفالة الأطفال، إذا ارتأت اللجنة العليا للأسر البديلة صلاحيتهن لذلك».

وتساءلت: «كيف بعد ذلك كله تأتى أسر وتعيد أطفالًا تبنتهم إلى دور الرعاية، بعد قضاء فترة معها؟»، معتبرة أن هذا «خيانة» لمن حاربن من أجل إقرار قوانين التبنى والكفالة والاحتضان. 

ووصفت عودة الطفلة إلى دار الأيتام مرة أخرى، بعدما كانت لديها أسرة وبيت، بأنها «مأساة حقيقية»، متابعة: «هذه الطفلة لا تعرف أحدًا فى حياتها سوى تلك العائلة التى كبرت فيها، وبالتالى فإن التخلى عنها فى أى لحظة من حياتها يدمرها نفسيًا ويسبب لها تشوهًا داخليًا كبيرًا، نتيجة قرار خاطئ وغير مدروس من قِبل شخص آخر».

راحيل محمد: لم أترك طفلتى بــ«الكفالة» بعدما رُزقت مولودًا جديدًا

قررت راحيل محمد احتضان طفلة من مؤسسة رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعى، وأخذت عهدًا على نفسها بتقديم الرعاية والحماية الكاملة لهذه الطفلة طوال حياتها.

وروت «راحيل» تفاصيل احتضان هذه الطفلة التى تدعى «حور»، قائلة: «قررت كفالة طفلة جميلة من إحدى دور الأيتام التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى، وشعرت بفرحة عارمة لإقدامى على رعاية طفلة يتيمة وتعويضها عما فقدته من حنان أسرى وجو عائلى».

وأضافت: «بالفعل توجهت إلى الدار وتعرفت على شروط الاحتضان والأوراق المطلوبة لتنفيذ الأمر، وبعد الانتهاء من كل الإجراءات أخذت الطفلة إلى المنزل، ولم أفكر ولا لحظة أنها ليست من دمى، وذلك رغم وجود اعتراض كبير من قِبل الأسرة، كما هو معتاد فى مجتمعنا».

ويشاء القدر أن تُرزق «راحيل» مولودًا، بعد مرور بضعة أعوام على تبنى واحتضان «حور»، لكنها قررت عدم التخلى عن الطفلة المتبناة، متذكرة العهد الذى أخذته على نفسها أمام الله، بتقديم الرعاية لها طوال العمر.

وشددت على أنه «من الصعب جدًا أن تسلب من الإنسان حياته، بعدما منحته حياة وأملًا جديدين»، مختتمة بالقول: «يمكن ربنا رزقنى بطفلى ليكون عونًا وسندًا لى ولأخته (حور)، وبدعى ربنا دائمًا أنه يقدرنى على رعايتهما، وألا أفرق بينهما فى أى شىء».

«التضامن»: النضج الاجتماعى من أهم الشروط 

قال محمود شعبان، مدير الإدارة العامة للأسرة والطفولة بوزارة التضامن الاجتماعى، إن شروط الكفالة تتضمن أن يكون أحد الزوجين، راغبى الكفالة، متعلمًا، ولا يقل عمرهما عن ٢١ عامًا ولا يزيد على ٦٠ عامًا، وهناء استثناء يمكن للسيدة التى لم تتزوج أو الأرملة أن تكفل طفلًا بشرط أن تبلغ ٣٠ عامًا، وبعد إتمام الأمر يمكن أن يحصل الطفل على لقب العائلة أو الأب أو الأم البديلة. 

ومن الشروط أن يجب تتوافر فى الزوجين مقومات النضج الأخلاقى والاجتماعى بناء على بحث اجتماعى تقوم به الإدارة الاجتماعية المختصة والجمعية والمؤسسة الأهلية المختصة. 

وأضاف «شعبان» أن وزارة التضامن تدعم مشروع الأسر البديلة عبر تبسيط الإجراءات وتغيير القوانين واللوائح لتشجيع الناس على كفالة الأيتام، لافتًا إلى أن عدد الأطفال المكفولين ١١ ألفًا و٥٠٠ طفل، وعدد الأسر ١١ ألفًا ٤٣٣ أسرة بديلة. 

وتابع: «صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ١١٤٣ لسنة ٢٠٢٠ بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون الطفل، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٠٧٥ لسنة ٢٠١٠، لمنح الأسر البديلة بعض المزايا». 

ونوه بأن «التضامن» تشرف على نحو ٤٥٠ دار رعاية وتستضيف نحو ١٠ آلاف طفل وتصل نسبة مجهولى النسب بينهم إلى أكثر من ٨٠٪، مشيرًا إلى وجود مئات دور الرعاية التابعة للجمعيات الأهلية. 

تجدر الإشارة إلى أن عدد الأسر البديلة زاد بشكل ملحوظ بسبب التعديلات التشريعية التى أجرتها الدولة والمبادرات المجتمعية التى أطلقتها، إذ استقبلت الوزارة ١٠٠ طلب كفالة خلال النصف الثانى من العام الماضى.

هدير محمد: الإجراءات أصبحت أكثر سهولة بفضل تعاون المسئولين

على مدار ٨ سنوات من الزواج، لم يكتب لـ«هدير محمد» وزوجها الإنجاب رغم تأكيدات الأطباء عدم وجود موانع طبية على الإطلاق، ورغم ذلك ظل حلم الإنجاب يراود الزوجين، لذا قررا اللجوء للحقن المجهرى، لكن الأمر لم ينجح، وإن ظل الأمل يراودهما فى إنجاب طفل.

وبعد الوصول لليأس إثر محاولات فاشلة فى الحقن المجهرى، استمعت «هدير» لقصة يمنى دحروج، الأمر الذى أعجب «هدير» وجدد لديها حلم الأمومة.

تقول: «كنت خايفة فى الأول من رد فعل الناس والمجتمع، وقلت إنى مش ممكن أحب ابن وهو فى النهاية مش ابنى»، مشيرة إلى أن زوجها كان أيضًا متخوفًا فى البداية من ألا يعوض الاحتضان حلم الأبوة لديه، وأن يتسبب فى مشكلات اجتماعية، لكنه رغم ذلك لم يعارض رغبتها فى البحث عن الطرق والإجراءات الشرعية لتنفيذ الاحتضان. 

وأضافت أن إجراءات الاحتضان أصبحت أكثر سهولة فى الوقت الحالى، مع تعاون واسع من المسئولين، لافتة إلى أن زيارة مندوبة الشئون الاجتماعية للتعرف على البيئة التى سيعيش فيها الطفل الذى قررت احتضانه جاءت بعد يومين فقط من تقدمها بطلب الاحتضان، وجاءها الرد بقبول طلبها بعد أسبوع واحد فقط من تلك الزيارة المنزلية. 

وبعد الموافقة على طلبها، ذهبت «هدير» بنفسها إلى مكان وجود الملائكة الصغار وسط رغبتها فى تبنى «بنت» لتحتضنها فى أسرتها، لكنها لم تجد فى ذلك اليوم سوى أطفال ذكور، وبينهم وقعت عيناها على الطفل «نوح»، الذى خطف قلبها، فسارعت إليه لاحتضانه كأنه ابنها الذى كان غائبًا عنها.

ومنذ تلك اللحظة أصبح الطفل «نوح» الشمس التى أشرقت على حياة «هدير» وزوجها، والنور الذى أضاء منزل الأسرة، بعد سنوات طويلة من البحث عنه.

الأزهر الشريف: الإسلام يسمح بكفالة اليتيم

قال الدكتور حسن خليل، من شيوخ الأزهر الشريف، إن الدين الإسلامى يحث المؤمنين على كفالة الأيتام، والكفالة هى الرعاية وتوفير الاحتياجات.

وأضاف «خليل»: «الآيات القرآنية والسنن النبوية تؤكدان أن الإسلام يدعو لكفالة الأيتام، لكنه يُحرّم التبنى، وما يشمله من تغيير اسم المولود أو ديانته».

سلمى صلاح: أهلى تخوفوا فى البداية ثم «حبوا الطفلة أكتر منى»

بعد تجربة صعبة مع الطلاق، قررت سلمى صلاح، عدم الزواج مجددًا، لكن حلم الأمومة ظل يراودها، فقررت الذهاب لإحدى دور الرعاية، التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى، من أجل التعرف على الشروط والإجراءات اللازمة لاحتضان طفلة. 

تقول: «فى البداية اعترض أهلى على قرار احتضانى طفلة، ليس لكونها مسئولية وإنما لرغبتهم فى عدم إغلاق الباب أمام زواجى مجددًا، لذا بدأت بكفالة طفلة لسنوات داخل دار الرعاية، ثم قررت احتضانها داخل الأسرة بعدما علمت بسهولة الإجراءات». 

وأضافت: «شعورى بعد كفالة طفلتى كان فريدًا، لأنى شعرت بأننى أعوّض إحدى هؤلاء اليتيمات عما فقدته من حنان وأجواء عائلية، ورغم أن أسرتى تعاملت مع الأمر فى البداية بحذر، فإن طفلتى أصبحت بمرور الأيام فردًا أساسيًا فى العائلة، وأصبحت كذلك أغلى عندهم منّى».

فاطمة سامى: زياد اختار زوجى وتعلق به بشدة.. ونفكر فى تكرار التجربة مع طفل آخر

قالت فاطمة سامى، إحدى الأمهات البديلات، إن تفكيرها فى الاحتضان بدأ فى سن مبكرة، بسبب موقف إنسانى تعرضت له حين كانت فى مرحلة الثانوية العامة، وقتها سمعت ضوضاء أمام مسجد فى الشارع الذى تسكن فيه حيث عثر الأهالى على طفل رضيع يبكى.

وأوضحت: «كنت فى المسجد فى شهر رمضان أصلى صلاة التهجد، وقتها كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، حين نبهتنا كلاب الشارع بنباحها لطفل عند مدخل المسجد يبكى، كان عمره أيامًا تقريبًا، وسارع الناس لإنقاذه بالبحث عن أم مرضعة وبالفعل أنقذوه، ووقتها تمنيت لو كان بإمكانى احتضانه لأنقذه من مصير مجهول».

وأضافت: «منذ هذه الواقعة انتبهت إلى أزمة كريمى النسب والمأساة التى يمكن أن يعيشوها، وحين تزوجت عام ٢٠١١ لم يشأ الله أن أنجب، واتفقت مع زوجى على كفالة طفل، بعد أن فشلت محاولاتنا للإنجاب بالحقن المجهرى».

وتابعت: «بعد فشل عملية الحقن المجهرى عام ٢٠١٧ فاتحت زوجى بما كنت أفكر فيه، بعد أن علمت أنه بإمكانى إرضاع الطفل المكفول بتناول أدوية وهرمونات تحفز جسمى لإدرار اللبن».

عقب نقاشات مطولة بين الزوجين، وافق الزوج على مقترح فاطمة، خاصة بعد فشل عملية الحقن المجهرى الثانية التى خضعت لها الزوجة فى ٢٠١٩.

تقدم الزوج بطلب كفالة لقطاع الشئون الاجتماعية بوزارة التضامن، واتفق مع زوجته على ادخار مصروفات للإنفاق على ابنهما المستقبلى.

فيما بعد توجهت فاطمة إلى إحدى دور الأيتام وجلست مع عدة أطفال لتختار من بينهم من يميل إليه قلبها، وبالفعل وقع اختيارها على أحد الأطفال وأخبرت زوجها بما حدث، فذهب معها مرة أخرى لتقديم الأوراق اللازمة لاحتضانه.

وقالت: «كنت أزور الطفل الذى اخترته بشكل دورى ثم انقطعت عنه فترة بسبب ظروف عملى ثم الظروف الاستثنائية والقيود التى فرضها التصدى لانتشار فيروس كورونا، إضافة إلى انتظارى قرار اللجنة المختصة بالنظر فى طلبات الاحتضان».

وأضافت: «استغرقت اللجنة المختصة وقتًا أطول من المعتاد للموافقة على طلبى، ما جعلنى أفكر فى سحب الطلب من دار الرعاية التى اخترتها لتقديمه لدى دار أخرى، ووقتها تلقيت اتصالًا تليفونيًا مفاجئًا أسعدنى لأنه كان من اللجنة بهدف إبلاغى بالموافقة على طلبى».

بالفعل توجهت فاطمة برفقة زوجها لدار الرعاية التى اختارتها لتسلم الطفل بعد إنهاء بعض الإجراءات ولكن حدث شىء غير متوقع، حين ارتمى طفل آخر فى حضن زوجها وتعلق به ورفض إفلاته أكثر من مرة. 

وقالت: «حاول زوجى أن يفلت من الطفل أكثر من مرة لكنه كان يتمسك بقوة وكان يبكى بشدة، حينها أخبرت زوجى بأن هذا الطفل سيكون طفلنا، وبالفعل أعدنا تقديم طلب جديد لاحتضانه بدلًا من الطفل الذى وقع عليه الاختيار فى المرة الأولى». 

وتابعت: «بالفعل تسلمناه، وكان عمره سنة وأسبوعًا، كان مرتابًا حين أجلسناه فى سيارتنا قبل أن ننطلق به إلى بيتنا، لكن بعد فترة وجيزة تعلق بنا بشدة، وكان يبكى بمجرد أن نختفى من أمامه، ونفكر حاليًا بشكل جدى فى احتضان طفل آخر ليكون أخًا لزياد».