رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شتاء الشهر المقبل!

سخونة الجو، غير المسبوقة، ألهبت خيال البعض، أو صهرت عقولهم، وجعلتهم يفبركون تصريحات منسوبة للهيئة العامة للأرصاد الجوية، تزعم أن فصل الشتاء سيبدأ فى النصف الثانى من سبتمبر المقبل، ما اضطر الدكتور محمود شاهين، رئيس مركز التحاليل والتنبؤات بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، إلى نفى هذا الكلام، والتأكيد على بدهية أن فصل الصيف ينتهى فى ٢١ سبتمبر ويليه فصل الخريف، الذى يستمر حتى ٢١ ديسمبر، وبعده سيأتى الشتاء.

يخلط المصريون بين المطر والشتاء، وهناك من يستخدمون فعل «تشتى» بديلًا عن «تمطر»، وربما كان هذا الخلط هو سبب انطلاق الشائعة، أو فبركة التصريحات، بعد أن حذر خبراء هيئة الأرصاد من احتمالية تساقط أمطار اعتبارًا من أمس الثلاثاء الأول وحتى بعد غدٍ السبت، استنادًا إلى خرائط الطقس ومخرجات النماذج العددية، التى توقعت سقوط أمطار خفيفة إلى متوسطة ورعدية أحيانًا من ٣٠٪ إلى ٤٠٪ تقريبًا على مناطق من جنوب البلاد خاصة أبوسمبل وأسوان والأقصر وجنوب سلاسل جبال البحر الأحمر على فترات متقطعة.

تساقط الأمطار فى فصل الصيف يُعد غريبًا على الطقس المصرى، وأرجعه الدكتور أشرف صابر، رئيس هيئة الأرصاد السابق، أحد أعضاء اللجنة المكلفة بتعديل وصف مناخ مصر، إلى أن «الحزام المدارى الموجود على خط الاستواء بدأ فى التحرك إلى أعلى مصر، وبدأ يؤثر علينا وبدأ فى سحب الرطوبة من المنطقة المدارية وإرسالها إلى مصر على شكل أمطار». ومع أن النقاط والملامح النهائية للخريطة المناخية لم توضع بعد، إلا أن هناك توقعات بسقوط أمطار على سلاسل جبال البحر الأحمر وسيناء، وهناك مؤشرات على زيادتها فى فصل الخريف.

الطقس المتطرف فى مصر ليس استثناءً، بل صار معضلة دولية، بفعل التغيرات المناخية والحماقات البشرية. وفى كتابه «العالم سنة ٢٠٥٠»، توقع لورانس سميث، أستاذ الجغرافيا فى جامعة كاليفورنيا، أن تتسبب التغيرات المناخية فى ظهور مستوطنات بشرية جديدة، وأن تؤدى إلى تراجع الولايات الأمريكية الغربية والجنوبية وصعود الولايات الشمالية والدول التى تقع شمال خط عرض ٤٥ وتحتل ربع مساحة الكرة الأرضية. وما قد يؤكد ذلك، هو أن ولايات أمريكية عديدة، غربية وجنوبية، عانت خلال السنوات الماضية، من تقلبات مناخية مدمرة.

الغريب هو أن إدارة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب لم تلتفت إلى هذه الإشارات أو التحذيرات، وانسحبت من اتفاقية باريس للمناخ، الموقعة سنة ٢٠١٥، وتراجعت عن القوانين والالتزامات الخاصة بخفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحرارى. وهو الخطأ الذى تداركته إدارة بايدن، شكليًا، بإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية، وبمحاولاتها المتكررة، لإثبات أن بإمكانها أن تلعب دورًا قياديًا، فى جهود التصدى للتغير المناخى، الدولية أو الأممية. غير أن جريدة «جلوبال تايمز» الصينية أشارت، منتصف أبريل الماضى، إلى أن الصين باتت تتحمل مسئولية إدارة المناخ العالمى، ولن تتورط فى أى مبادرة مناخية تقودها الولايات المتحدة. 

بين القوتين العظميين، تحاول أوروبا أن يكون لها دور فى هذا العرض أو الاستعراض. وبعد أشهر من مفاوضات غير مثمرة، جرت خلف الأبواب المغلقة، توصل ممثلو حكومات الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى ومفاوضون من مؤسسات الاتحاد، فى ٢١ أبريل الماضى، إلى اتفاق على قواعد مناخية جديدة، تمهيدًا لإصدار قانون ينص على خفض الانبعاثات بنسبة ٥٥٪ على الأقل، بحلول سنة ٢٠٣٠، مقارنة بمستويات سنة ١٩٩٠. وكان هذا الاتفاق حلًا وسطًا بين ما اتفقت عليه دول الاتحاد، فى نوفمبر الماضى، وما كان البرلمان الأوروبى يطالب به.

مع كل ذلك، يكاد كل التقارير والدراسات البيئية تجمع على أن انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحرارى ستصل إلى ذروتها سنة ٢٠٣٠، وأن تشهد سنة ٢٠٥٠ نهاية الحضارة البشرية والمجتمع الحديث، كما نعرفهما. كما أكد تقرير، أصدرته وكالة البيئة النرويجية، أن حالة المناخ فى جزيرة سفالبارد بالقطب الشمالى تنذر بأن درجة الحرارة فيها قد ترتفع بأكثر من ١٠ درجات مئوية بنهاية القرن الحالى، فى القبو المعروف باسم «قبو يوم القيامة»، الذى تم بناؤه على جزيرة فى القطب الشمالى منذ ١٠ سنوات لحماية الإمدادات الغذائية فى العالم.

.. وتبقى الإشارة إلى أن وصف مناخ مصر قد يتغير، قريبًا، فى المناهج الدراسية من «حار جاف صيفًا.. دافئ ممطر شتاءً»، إلى «حار رطب صيفًا.. بارد ممطر شتاءً». وغالبًا سيتغير هذا الوصف، سنة ٢٠٥٠، الذى تتوقع تقارير ودراسات عديدة أن تتعرض فيه مناطق يسكنها نحو ٥٥٪ من البشر إلى حرارة قاتلة طول أكثر من ٢٠ يومًا، سنويًا. ما يعنى أن دولًا كثيرة قد تحترق، لو استمر ما يوصف بالعالم الأول فى تبنى سياساته أو حماقاته الحالية.