رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«نفس قاتل».. «الدستور» تحقق في تسرب الكلور داخل محطات مياه الشرب

محطة مياة
محطة مياة

لم تكن إصابة 35 من عمال محطة مياه الشرب بقرية «أبوغلاب»، فى مركز «إدفو» بأسوان بـ«اختناق»، والحاجة إلى دخول بعضهم إلى العناية المركزة بسبب تسرب إحدى اسطوانات غاز الكلور الكائنة داخل المحطة حادثًا طبيعيًا، فقد تكرر الأمر كثيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، وتسبب في تدهور حالة العديد من المواطنين.

أُسعف العمال المصابون باختناقات بسيطة فى موقع الحادث، في حين تم نقل المصابين باختناقات حادة إلى مستشفي «إدفو المركزي»، وهناك خرجت جميع الحالات في نفس اليوم باستثناء 7 أشخاص مكثوا يومين أخرين لتلقي العلاج اللازم.

«الدستور» تحقق خلال السطور التالية في الوقائع المماثلة، التي تعرض ضحاياها للتسمم بدءًا بالاستماع لشهاداتهم،  وصولًا إلى التعرف عن قرب على طبيعة العمل داخل محطات المياه، فضلًا عن تقديم الخبراء روشتة لـ«التعامل الصحي» مع غاز الكلور.

الضحايا: تعرضنا لاختناق حاد كاد أن يقضي على حياتنا

في مارس 2019، كان يقضي «الحاج عبده» نوبة عمله داخل مدارس مجمع السيوف كخفير لها، وإذ فجأة استنشق رائحة كريهة، كانت غريبة على أنفاسه، حاول تجاهلها لبضعة دقائق، حتى تمكنت منه وجعلته يشعر بالاقتراب من عتبات الموت.

كانت الرائحة المنتشرة في أرجاء المنطقة نتيجة تسرب غاز الكلور من محطة مياه السيوف، والتي وقع ضحيتها 48 شخصًا، جميعهم أصيبوا بالتسمم الحاد، وأغلبهم قضى فترة وجيزة داخل العناية المركزة، لكنهم تلقوا العلاج اللازم بعد وقوع الحادثة.

الحاج عبده، صاحب الـ54 عامًا، كان بين الحالات الخطرة، كونه يعاني من ضعف في الجهاز المناعي، ما أثر عليه بشدة، وأفقده وعيه فور استنشاق الغاز المسرب، معبرًا عن شعوره في تلك اللحظة: «الحادث كان شديدًا للغاية، فى ظل تسرب كميات كبيرة من الغاز، وهو ما أصابني بدوار شديد لم أتعافَ منه إلا بإسعافي عبر أنبوبة أكسجين، ونقلي إلى المستشفى لتلقي العلاج». 

لم تكن تلك هي المرة الأولى لتسرب غاز الكلور من داخل محطات مياه الشرب، فقد تكرر الحادث مرات عدة، والذي هدد حياة العاملين بالمحطات للخطر الداهم، لذا روى أحد العاملين في محطات مياه الشرب بمحافظة الغربية، تجربته المؤلمة في الإصابة بالتسمم أثناء تأدية عمله، والذي رفض ذكر اسمه لـ«الدستور»، حفاظًا على وظيفته في المحطة.

«كنا شغالين عادي زي كل يوم، وفجأة استنشقت كمية قليلة من غاز الكلور»، وصف العامل ذلك المشهد، قائلًا: «لم أعطي للأمر اهتمامًا في البداية، ظنًا مني أن هذه طبيعة العمل، لكن بعد مرور 20 دقيقة تقريبًا شعرت بدوار شديد، وحين سألت زملائي في نوبة العمل أخبروني أنهم يشعرون بالشئ ذاته، وبالفعل اكتشفنا أن إحدى اسطوانات الأكسجين قد تم كسرها دون قصد وتسرب منها غاز الكلور الذي انتشر في المحطة رويدًا رويدً».

الإسعافات الأولية داخل المحطة كانت هي سبيل الإنقاذ للعاملين المصابين، وتولى هذه المهمة المشرف عليهم في المحطة، وبدأ في تقديم الإجراءات الوقائية اللازمة حتى نحجح تمامًا في إعادة وعيهم مرة أخرى، وهذا ما يتم تدريبهم عليه طوال الوقت للتعامل مع الحالات الخطرة وقت وقوع أي حادثة.

عمال: نحن الأكثر تعرضًا للخطر ويتم تدريبنا على مواجهة الغاز المسرب

أجرت «الدستور» جولة داخل بعض محطات مياه الشرب، لمعرفة طرق استخدام غاز الكلور والحماية منه، وفى محطة مياه «جزيرة الدهب»، بالمنيب، التقينا العامل «سيد»، الذى قال: «نتدرب بشكل جيد على التعامل مع غاز الكلور والوقاية منه، فى ظل تعرضنا له بصورة مستمرة خلال عملنا».

وأضاف: «حين يحدث تسرب فى خطوط المياه، ويخرج غاز الكلور، نفتح صافرة الإنذار فى الحال»، مشيرًا إلى أن العمال يكون معهم العديد من أنابيب الأكسجين لاستخدامها فى حال تسرب الغاز، لأنهم أول المعرضين للخطر، مختتمًا: «الشغلانة دى كلها مخاطر، وحياتنا طول الوقت مهددة».

واتفق معه عامل ثانٍ بقوله: «من يوم ما اشتغلت وإحنا لابسين واقى أو قناع طول الوقت، علشان ممكن فى أى وقت نموت». وقال عامل فى محطة مياه الشرب بقرية «كفر دمرو»، التابعة لمدينة المحلة الكبرى بالغربية، إن المحطة تقع بجوار الأراضى الزراعية مباشرة، لذا يدخل عمالها فى مشكلات مع أصحاب تلك الأراضى بسبب غاز الكلور المتسرب من المحطة، نتيجة انقطاع التيار الكهربائى، موضحًا: «إن الكلور ينتشر فى الجو، فيتلف جميع المحاصيل الزراعية المجاورة، لذا قدّم الأهالى عدة شكاوى لنقل المحطة».

وأشار أيضًا إلى ضرورة استخدام غاز الكلور فى معالجة وتعقيم المياه، وقبل تعيين عمال محطات مياه الشرب يتم اختبارهم فنيًا وتدريبهم لمعرفة قدرتهم على مواجهة الغاز، في ظل تعرضهم المباشر له طوال الوقت.

وأضاف: «هناك 3 محاور أساسية فى تسرب غاز الكلور من الاسطوانات، هى: (الطبة الخلفية- جسم الاسطوانة- المحبس الأمامى)، وهو ما يتم تدريب العمال على التعامل مع أى طارئ فيها، حتى يكونوا على أتم استعداد للسيطرة على أى أزمة تسرب خلال دقيقة و10 ثوانٍ».


خبراء: الغاز مميت.. ونسبته المسموحة فى المياه 2 مم

وبالتواصل مع الدكتور أحمد عادل، الكيميائى المتخصص فى منظومة غاز الكلور، أوضح أن نسبة الكلور المسموح باستخدامها فى محطات مياه الشرب ينبغى ألا تقل عن 2 ملليجرام، حتى تصل المياه إلى المواطنين فى المنازل «نقية» لا تحمل أى سموم أو بكتيريا، محذرًا من زيادة النسبة عن المسموح بها، خاصة أن الكلور من أخطر الغازات، والذى يؤدى استنشاقه بشراهة إلى الموت المفاجئ.

وأضاف «عادل»: «تسرب غاز الكلور يصل مداه إلى دائرة قطرها 5 كيلومترات، ويجب قياس نسبته فى الأسطوانات داخل محطات المياه كل ساعة، وهو إجراء أساسى لا يمكن تهميشه، مع ضرورة أن تأخذ المحطة عينة منه لتحليله بصفة دورية».

وحذّر الدكتور محمود عمر، مؤسس المركز القومى للسموم، من أن غاز الكلور مميت وينبغى الحرص منه، لأن زيادة نسبته فى المياه أو الجو تجعل الأكسجين الداخل للجسم أقل من المفترض، إذ يحل محله، وهو ما يتسبب فى فشل تنفسى والتهابات فى الشعب الهوائية ثم الاختناق والموت.

 وطالب «عمر»، شركات المياه، بمراعاة النسب المسموح باستخدامها من الكلور فى المياه، والتأكد من جاهزية «التانكات» التى يخزن بها الكلور بسبب تلفها معظم الوقت، وهو ما ينتج عنه التسريب، بجانب انتهاء العمر الافتراضى للأنابيب الناقلة له، مختتمًا: «على هيئة الرقابة الإدارية التأكد من مراجعة الجهات المسئولة، كوزارتى الإسكان والصحة، لمحطات المياه بانتظام، ومعاينة نسبة الغاز المستخدم».