الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الذئب والكتابة

تستهوينى الكتب والمقالات التى تتحدث عن الكتابة وجدواها، ليس فقط بسبب ما تنقله من خبرات، ولكن بسبب استهانة كثيرين ممن نخالطهم فى حياتنا اليومية بحاجة هذا الكوكب التعيس إلى الكُتّاب الذين يصنعون ذاكرته، يتشابه معظم الإجابات عن سؤال: لماذا تكتب؟.

وربما كانت إجابة الفيلسوف الفرنسى ورائد علم الإشارات رولان بارت قبل خمسين عامًا هى الإجابة الأشهر، فهو يكتب إشباعًا للذة، ولأن الكتابة تخلخل الكلام وتهز الأفراد، يكتب ليحدث فرقًا، وينجز مهام أيديولوجية أو ضد الأيديولوجيا، يكتب إرضاء لأصدقاء ونكاية بأعداء، يكتب لإبداع معانٍ جديدة، للتمكن من الأشياء بطريقة جديدة، ولخلخلة تسلط الدلالات والعمل على التغيير، معظم من حاولوا الإجابة عن السؤال لم يخرجوا كثيرًا عن كلام بارت.

ولكن الكاتبة الأمريكية مارى جيتسكل هى أفضل من تطرق للموضوع فى عمل لها بعنوان «الذئب المترصد بين العشب» المأخوذ عن تأملات فلاديمير نابوكوف التى ظهرت تحت عنوان «لماذا أكتب؟»، وعرضته ماريا بوبوفا وترجمته أسماء المطيرى، مارى ذكرت ستة دوافع تحضنا على الكتابة، تقول إنها تكتب من أجل أن تشبع حاجة أساسية فيها، تؤمن بأن هذه الحاجة متأصلة فى دواخلنا، بسببها يرسم الأطفال بيوتًا وحيوانات، بسببها يرسمون أمهاتهم، محاولين بذلك ترك بصمة فى هذا العالم الملموس، هذا العالم الذى يغمرنا بكل ما يحرك حواسنا: ضوء الشمس، النجوم، الألوان، الروائح، تعابير الوجوه والأصوات، ملمس كل ما هو ناعم، طعم كل ما هو حلو، معتدل أو مالح، ملىء بنكهات الدنيا، ساخن أو بارد، يغمرك العالم لسنوات بكل هذا، فما يعود بيدك سوى أن توشوش أو تصرخ إن كان فى وسعك، حتى يأتى اليوم الذى تستطيع فيه أن تعكس هذا كله بريشة وورقة، فتفقد صوابك للحظة وتصرخ فى مدى الكون: أنا أسمع! أنا أبصر! أنا أشعر! هذا بالضبط ما تفعله الكتابة.. إدراك يولد البهجة وإبداع جارف، نقى، نداء رائع وإجابة أروع.

الدافع الثانى تقول مارى: أكتب لأمنح ما أحس به لا ما أراه هوية وشكلًا، أحاول بالكتابة حفظ لحظات كتلك التى تدخل فيها إلى غرفة المعيشة، لترى والدك وهو مستلقٍ على الأريكة، مأخوذ بلحن ما، ولصغر حجمك لا يشعر بك.. فتبقى مكانك تتأمل ملامح وجهه وهى تتلبس الأغنية.. مشاعر تنبع من الروح.. إنها تعابير لا شك جديدة عليك، وفجأة يعى بوجودك فيبتسم، وتظل الموسيقى تملأ المكان.. مع تعابير وجهه الجديدة عليك، هى تكتب لتشعر بأهميتها فى هذا العالم، تكتب لتميز كل تلك اللحظات والأشياء الصغيرة التى لا نوليها الاهتمام الكافى أو نغفل عنها معظم الأوقات، تكتب كى تحفظها من الضياع، تكتب حتى تضم الأشياء بعضها البعض، ولكى تشعر بالحب.

فى منتصف الثمانينيات طرحت صحيفة ليبراسيون السؤال نفسه على ٤٠٠ شخصية من نجوم الكتابة آنذاك، ماركيز قال: أنا أكتب لكى يحبنى أصدقائى أكثر، وأجاب جورج أمادو: أكتب لأكون مقروءًا، ولأؤثر فى الناس مساهمة فى تغيير واقع بلادى، عبر خلق رؤية لحياة أفضل للشعب الذى يعانى.

الأستاذ نجيب محفوظ قال: إنه فى البداية كانت الكتابة للمتعة، ولإرضاء قوة غامضة، وفيما بعد أتت أسباب جديدة تؤكد إرادة الكتابة هذه، رغبته فى أن يكون مهمًا، فى أن يشارك فى المجد، فى أن يُكافأ من أجل الإنتاج.

محمود درويش أجاب: أكتب لأنه لم تعد لدىّ هوية أخرى، لم تعد لدىّ محبة أخرى، وحرية أخرى ولا وطن آخر، الكتابة هى قوتى الوحيدة، ويوسف إدريس قال: إنه يكتب لأنه حى، وإنه مستمر فى الكتابة لأنه يطمح فى حياة أفضل، السؤال يتردد كثيرًا، وعادة فى لحظات فقدان الثقة فى المستقبل.. ومن الصعب صياغة إجابة حاسمة.