رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الغنوشى أمير الغباء

فى عصرنا الحالى ظهرت للوجود جماعات تدّعى أنها تريد استعادة دولة الخلافة الإسلامية، أو قل «الخلافة المفقودة» على غرار «القارة المفقودة» وكل جماعة من هذه الجماعات لا تضع تصورًا لهذه الخلافة، ولكنها ترفع سيفها لمحاربة الدنيا من أجلها، فمن جماعة الإخوان لحزب التحرير للقاعدة وصولًا إلى داعش، ومن التيارات السلفية للمدارس الدينية المختلفة فى الأزهر وجامع الزيتونة وصولًا إلى الحركة الوهابية، كلها تنشد الخلافة، وكلها لا تعرفها!.

أما أخطر هذه الجماعات فهى جماعة الإخوان، تلك الجماعة التى ينضوى تحت رايتها معظم حركات الإسلام السياسى، ومن نكد الدنيا على تونس أن ظهر فيها فرع لتلك الجماعة التى تدعى أنها تنشد الخلافة وتبتغيها، والذى أنشأ كيان الإخوان فى تونس لا يزال على قيد الحياة، نراه يوميًا بعد أن أصبح رئيسًا للبرلمان التونسى، نعم هو الأخ راشد الغنوشى، وللغنوشى قصة مع الإخوان، كتب سطورها معه الأخ عبدالفتاح مورو الذى كان نائبًا معه إلى أن حدث بينهما خلاف كبير، وأغلب الظن أن الخلاف حدث بسبب المليارات التى دخلت فى حساب الغنوشى فى بنوك باريس ولندن، ولم ينل منها مورو إلا قروشًا قليلة لا تمكنه من شراء القصور واليخوت، ولكن ما قصة إخوان تونس، أو غنوشى الإخوان؟!

كان راشد الغنوشى ابنًا لفلاح فقير يعيش منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضى فى قرية تابعة لمنطقة الحامة وهى مدينة تابعة بدورها لولاية قابس بالجنوب الشرقى لتونس، وبالكاد كان يستطيع هذا الفلاح أن يوفر أدنى درجات الحياة الكريمة لأسرته، وتلقى الطفل راشد تعليمه الأولى فى مدارس مدينة «الحامة»، ثم ذهب إلى تونس العاصمة ليستكمل تعليمه الثانوى، وكانت إرادة والدته أن يدخل إلى مجال التعليم الدينى، فحصل على شهادة أصول الدين المتوسطة من مدرسة دينية تابعة لجامع الزيتونة.

آنذاك لم يكن راشد الغنوشى يعرف شيئًا عن جماعة الإخوان، ولكنه أراد أن يستكمل دراسته الجامعية فى مصر بعد أن حصل على شهادته الدينية، فأخذ منحة من الحكومة التونسية ليدرس فى كلية الزراعة جامعة القاهرة، وحين نزل الغنوشى إلى مصر عام ١٩٦٤ كانت مصر كلها تتكلم عن جماعة الإخوان، وكانت الصحف تتحدث عن خطرها، وما إن جاء عام ١٩٦٥ حتى تفجرت قضية سيد قطب، وقتها كان الغنوشى مؤمنًا بأفكار القومية العربية، وكان مُحبًا لمشروع جمال عبدالناصر ومؤيدًا له، معتبرًا إياه زعيمًا لفقراء العالم الثالث.

ولم يستطع الغنوشى استكمال دراسته فى مصر بسبب خلافات سياسية حدثت بين الحبيب بورقيبة وأحد الزعماء التونسيين، وكان من ضمن الإجراءات التى اتخذتها الحكومة التونسية آنذاك هى ترحيل الطلبة التونسيين الذين يدرسون فى مصر ليستكملوا دراساتهم فى بلدهم تونس، ولكن الغنوشى قد حصل على منحة من الحبيب بورقيبة ليدرس الفلسفة فى سوريا، وبالفعل حصل على شهادته الجامعية من سوريا عام ١٩٦٨، إلا أنه أثناء وجوده فى مصر كان قد تعرف على الإخوان فى جامعة القاهرة، لم ينضم إليهم ولكنه كما قال فيما بعد: «أعجبت بجهادهم وحماسهم لفكرتهم» ثم تعرف على طلبة الإخوان فى سوريا، وقرأ لبعض مفكرى الإخوان السوريين وأعجب بكتاباتهم، وحينما حدثت نكسة يونيو ١٩٦٧ تغير الغنوشى تمامًا، وكفر بعبدالناصر وتجربته، وقرر أن يدرس كتب سيد قطب، فانكب عليها، وأصبح متيمًا بكتاب قطب الأشهر «معالم فى الطريق» ثم أخذ يقرأ كتب «أبوالأعلى المودوى» ومحمد قطب، ومن وقتها أصبح مؤمنًا بالإخوان إيمانًا مطلقًا.

ثم كان عام التأسيس، ١٩٦٩، إذ كان الغنوشى قد تعرف قبل ذلك على شاب ذكى فصيح يعمل بالمحاماة ويرتدى الثياب التونسية التقليدية اسمه عبدالفتاح مورو، يحفظ قدرًا من القرآن ويحفظ رسائل حسن البنا، فأعطى الغنوشى هذه الرسائل، فحفظها الغنوشى كما يحفظ اسمه واعتبرها، كما قال فى إحدى الندوات فى لندن، المصدر الثالث فى الإسلام بعد القرآن والسنة!! ولذلك استقر عزم مورو والغنوشى على إنشاء مقر للإخوان فى تونس، يسيران به وراء تنظيم الإخوان فى مصر الذى كان لا يزال وقتها فى السجون.

كانت الفكرة التى اجتمع عليها مورو والغنوشى هى استعادة الخلافة الإسلامية، تلك الخلافة التى قالا إن أتاتورك أضاعها وحسن البنا نادى بها، وجماعة الإخوان تعمل من أجلها، لذلك كتب مورو والغنوشى كتيبًا صغيرًا يعتبر «مانفيستو» لحركة الإخوان فى تونس، تحت عنوان «أولويات» قالا فيه إن جماعة الإخوان فى تونس تسير على أفكار ومبادئ جماعة الإخوان فى مصر، وإن استعادة الخلافة هى أول أولوية ينبغى أن يعمل من أجلها إخوان تونس، وإن العمل الدعوى هو أول عناصر العمل من أجل الخلافة، ثم العمل السياسى، ثم العمل الجهادى المسلح، إن استلزم الأمر ذلك. 

وبدأت حركة الإخوان فى تونس على الأرض بعد فترة التأسيس باسم «الجماعة الإسلامية» وأخذ عدد من الشباب التونسى ينضم إليها، وزاد تأثيرها بشكل سريع، وكانت مصادر تمويل هذا التنظيم الجديد مجهولة، وربما يكشف التاريخ فيما بعد أن سفريات راشد الغنوشى عام ١٩٧١ وما بعدها إلى تركيا وإنجلترا والسعودية وبعض دول أوروبا من المصادر المالية التى أسهمت فى تأسيس جماعة الإخوان فى تونس، ثم سفره إلى فرنسا ليدرس فى السوربون رغم عدم وجود مال ظاهر معه يكفل له الإقامة والدراسة، ثم نشاطه الظاهر وسط الطلاب العرب فى فرنسا ودعوته للطلاب التونسيين للانضمام لجماعته الإسلامية، كل هذه الأشياء تحتاج إلى بحث ودراسة تكشف عن الأشياء السرية التى تخفيها جماعة الإخوان فى كهوفها السرية، ولكن لأن هذه الجماعة تعمل دائمًا لنفسها وتسير فى خطوط متصادمة مع أوطانها، لذلك كان الصدام، تغير اسم الحركة من «الجماعة الإسلامية» إلى «النهضة» واصطدمت «النهضة» مع الحبيب بورقيبة أكثر من مرة، وصدرت أحكام مختلفة ضد الغنوشى ومورو وبعض قيادات الحركة، فحصل الغنوشى فى القضية الأولى على عشر سنوات، ومورو على تسع سنوات سجنًا، ثم تمر سنوات قليلة ويعفو بورقيبة عن الإسلاميين المسجونين، ثم يحدث صدام آخر ويحصل الغنوشى على إعدام ثم يتم تخفيفه، وكان عبدالفتاح مورو قد هرب إلى السعودية، فذهب باكيًا إلى الأمير آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ليتدخل للوساطة وينجح عام ١٩٨٩ فى أن يحصل على عفو للغنوشى، الذى سافر بعد ذلك إلى الجزائر ثم إلى لندن ليظل فيها عشرين عامًا إلى أن عاد إلى تونس عام ٢٠١١.

فى تلك السنوات كانت قد حدثت فى الدنيا أمور كثيرة، وجرت فى ماء النهر مياه لا حصر لها، ولكن الحدث الأهم كان عام ١٩٩١، حيث كان مصطفى مشهور، نائب مرشد الإخوان، قد سافر إلى باكستان ممثلًا للإخوان فى مؤتمر كبير لجماعات الإسلام السياسى، وكان الغنوشى ومورو من الحاضرين فى هذا المؤتمر لتمثيل الحركة الإسلامية فى تونس، وكان الغنوشى قبلها قد حصل على الجنسية السودانية، حيث منحها له عمر البشير الذى كان رئيسًا جديدًا للسودان، ومع حمله الجنسية السودانية كان يحمل رسالة إلى مصطفى مشهور، إذ كان عمر البشير يرغب فى زيارة مصر وزيارة مكتب الإرشاد فى مقرها بشارع سوق التوفيقية فى منطقة وسط البلد، وهو الأمر الذى تم فعلًا عام ١٩٩٣ وفى المؤتمر الإسلامى بباكستان تغيرت خريطة حركة «النهضة» التونسية.

عند اللقاء طلب مشهور من الغنوشى أن يبايعه، ليس باسمه فقد ولكن باسم إخوان تونس باعتباره ممثلًا لهم، وقال له: لا ينبغى أن تكون هناك كيانات للإخوان فى بلاد العالم بعيدة عن إدارة التنظيم الدولى، ويومها أقسم الغنوشى ومعه عبدالفتاح مورو لمصطفى مشهور قسم البيعة، وأصبح حزب «النهضة» هو الجناح الإخوانى التونسى التابع لتنظيم الإخوان الدولى.

وأصبح الغنوشى اعتبارًا من عام ٢٠٠٩ عضوًا بمكتب الإرشاد الدولى، وشخصية مؤثرة من شخصياتها، وقبلها كان قد أصبح مؤسسًا فى الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين التابع للإخوان، ونائبًا لرئيسه القرضاوى، ثم أسس التنظيم الدولى منذ أربعة أعوام لجنة أطلق عليها «لجنة الحكماء» أصبح الغنوشى عضوًا رئيسًا فيها، ومن مهام هذه اللجنة حل منازعات الإخوان فى بلاد العالم التى تنشأ بينهم.

وتقوم ثورة تونس، ويعود الغنوشى ليقول إنه يعود مواطنًا عاديًا يريد أن يتنسم فقط هواء وطنه، ولا يرغب فى الحكم، ولن يتولى أى منصب فى بلاده، ولكن عندما سنحت له الظروف أخذ يصارع من أجل السلطة ويشعل الحرائق ليسيطر وجماعته على تونس بأكملها، بل يحدث الصراع الأكبر مع أبناء حركته ويتساءل الجميع: من أين للغنوشى تلك المليارات؟

أين الصدق؟، أين الأمانة؟، أين مفاهيم الحرية وأين محاربة الفساد؟ وأين وأين وأين؟ لا أرانى مغاليًا لو قلت إن الإخوان لا يسعون أبدًا ولم يسعوا إلى إقامة الخلافة، ولكنهم يسعون فقط لإقامة الخلافة الإخوانية، التى تتيح لهم سرقة البلاد والعباد باسم الدين.