رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«الشرعية للشعب».. حكومات «النهضة» المتعاقبة اكتفت بالفرجة على تونس وقت الاحتضار ودفن الجثث

بغض النظر عن التفاوت بين مختلف القوى السياسية فى تحليل اللحظة الراهنة فى تونس، لكن هناك شبه إجماع- هنا- على أن ما حدث من إصدار الرئيس قيس سعيد إجراءات استثنائية كان ضروريًا بل حتميًا.

ما بين اليوم والبارحة ظهرت مؤشرات على توافق حول خطة انتقالية ربما لم تتحدد ملامحها بالتفصيل بعد، لكن رمانة الميزان فيها الاتحاد العام التونسى للشغل الذى عدل الموقف النهائى للنخبة والقوى السياسية فى اتجاه جديد يصافح مطالب الشعب وقرارات الرئيس، لكن يضيف عليها بعض الشروط ليربط الخطة بفترة محددة انتقالية ومجموعة من الإجراءات.

الوضع فى تونس على شفا الانهيار الاجتماعى والإفلاس الاقتصادى بعد تراكم الديون الداخلية والخارجية، إضافة إلى التدهور فى الوضع الصحى، مع زيادة معدلات الفساد وامتلاء كروش الفاسدين، وسيطرة غير الأكفاء وأصحاب المصالح على عصب الاقتصاد والإدارة.

تونس كانت بحاجة إلى هذه الخطوة التى أقدم عليها الرئيس قيس سعيد لاقتحام «عش الدبابير»، كما يقال فى مصر، تمهيدًا لتنظيف كامل وشامل يشبه حملة تنظيف العيد فى بيوتنا بكنس ومسح كل الأركان ونفض المفروشات والسجاد مع استخدام مواد التنظيف والأدوات المناسبة حتى «يبرق» المنزل.

هذا التوصيف هو الأقرب الذى يتحدث عنه التونسيون بل هو أملهم الآن ولكن ما يدور فى تونس بين النخب السياسية ورجال القانون منذ الوثبة الشجاعة للرئيس سعيد هو عبارة عن جدل طويل ومعقد يتعلق بمدى دستورية وشرعية القرارات التى اتخذها.

غير أن الجدل حول الشرعية بالنسبة لغالبية التونسيين ثانوى، والمهم هو شرعيتها أى شرعية الجماهير التى ضاقت بما تعانيه وطالبت منذ شهور من كل القوى التدخل لصالح تعديل أوضاعها لكن دون فائدة.

مساندة الجماهير لقرارات الرئيس سعيد أمر لا بد من أخذه بعين الاعتبار عندما يشاهد العالم الابتهاج الشعبى ليلة الإثنين فى أركان تونس، حيث خرج الناس من كل الأطياف والأعمار والطبقات للشوارع بالرغم من إجراءات الغلق التام التى كانت متبعة بسبب تفشى وباء كورونا ووصول أرقام الإصابات والوفيات إلى معدلات قياسية غير مسبوقة.

وصف قاسٍ أطلقه «التوانسة» على حكومات متعاقبة لنحو عقد وذلك لأنها السبب فى كثرة معاناتهم ويأسهم وقنوطهم، وقد أطلقوا على حكوماتهم وصف «حكومة الموت» حتى من قبل جائحة كورونا، وعندما أضاف الوباء لخسائرهم الثقيلة المزيد أصبح يطلق على الحكومة «حكومة دفن الموتى»، وهذه الحكومة التى اختارها الإخوان وفشلوا فى إدارتها فشلًا ذريعًا، وظل شبح الموت يطارد هذا الشعب العاشق للحياة ولم يستطع طيلة السنوات الماضية أن يطرد المنية من سمائه، وأن تعود العصافير إليها بعد أن سكنتها الغربان.

البرلمان هو أيضًا لم يعكس ما يدور فى حياة الناس من مشكلات مُلحة، وتحول إلى مسرح كرتونى هزلى تارة، وتراجيدى فى غالب الأحيان، وبالتالى لم يكن البرلمان تجربة يبنى عليها لتعزيز الديمقراطية. 

كان من المفترض أن يكون مجلس النواب سلطة الرقابة والتشريع، وأن يعكس مشاغل الناس من خلال النواب الذين انتخبوهم بحرية، وبالتالى فأداؤه هو أحد مؤشرات الممارسة الديمقراطية، إلا أن هذه الديمقراطية ظهرت كقشرة البيض التى «تنقر» بسهولة ولم تحقق إنجازات تذكر كما هو المفروض والمستهدف تحقيقه. والحصيلة أن المواطن جاع ومرض وتدهورت حالته وتحالفت عليه السياسات الفاشلة وسوء الإدارة والفساد وكورونا.

«اتحاد الشغل» ينحاز لقيس مع التأكيد على تحديد مدة الإجراءات الاستثنائية

لا شك أن دعوة الرئيس سعيد للعديد من القوى السياسية والنقابية والمجتمع المدنى ولقاءه بها طيلة الساعات الماضية شكّل فرقًا فى بلورة موقف أكثر هدوءًا من تلك القوى التى غلب على ردود أفعالها الرفض لقرارات سعيد.

لكن ربما رمانة الميزان فى موقف تلك القوى وتعديله للاقتراب من الموقف الشعبى المساند للرئيس تمثل فى موقف الاتحاد العام التونسى للشغل الذى تمايز عن بقية القوى السياسية، كما ابتعد عن وصف ما حدث بـ«انقلاب» مثلما تضمنه بيان النهضة الإخوانى. وكوّن الاتحاد التونسى للشغل كيانًا وطنيًا جامعًا لإطارات بالآلاف وله تاريخ طويل من المواقف والأدوار الوطنية فقد غيّر المعادلة داخل الكتل السياسية والنخب والهياكل القضائية والقانونية.

من الملاحظ أنه بعد لقاء قيادة الاتحاد بالرئيس مباشرة وإصداره بيانًا يعبر فيه عن وقوفه إلى جانب المطالب الشعبية، انسحب نواب الإخوان من أمام مجلس النواب واتجهوا لفك الاعتصام الذى كانوا أعلنوا عنه. 

اتجاه عام للإعلان عن خطة انتقالية وتشكيل حكومة مؤقتة

لعل السيناريوهات الآن لم تعد مفتوحة على مصراعيها وتتضمن مخاوف الفوضى، وإنما تتجه لتبنى اقتراحات أو شروط اتحاد الشغل، ومنها ضرورة ضبط أهداف التدابير الاستثنائية، وتحديد مدة تطبيق تلك الإجراءات والإسراع بإنهائها حتى لا تتحول إلى إجراء دائم، وهو الاتجاه الذى أيده عدد من القوى الليبرالية وبعض قوى اليسار ممن اعترفوا ضمنيًا بأن الرئيس قيس سعيد جنّب تونس انفجارًا خارج نطاق السيطرة فى بلده المتعب والمريض والفقير.

من المنتظر أن يبلور الرئيس بعد إتمام مفاوضاته مع مختلف القوى خطة عمل شاملة يصفها البعض بأنها «تونسية» تناسب تقسيم السلطة الثلاثى مع تجنب استبعاد هذا الطرف أو ذاك للحيلولة دون اتجاه الأوضاع نحو العنف تتضمن تشكيل حكومة مؤقتة، وقائمة من المؤسسات الانتقالية، وإجراءات واضحة لحماية المصالح الحيوية مع الحفاظ على المؤسسات.

وما زال الانطباع الذى أعطته الرئاسة هو أن كل هذه الخطة لا تزال مرتجلة وأن القرارات الأولى تحتاج إلى المزيد من التنسيق والفعالية.

وأمل الشعب التونسى معلق الآن على أن يسارع الرئيس فى ملء حزمة إجراءات الطوارئ الأساسية الفراغ الحالى، وأن تقطع كل التردد الذى قد يتسرب الشعور به إلى نفوس الناس، فالناس يجب أن يشعروا بتغيير سريع فى إدارة البلاد.

تقديم من تطالهم شبهات جنائية للمحاكمة ضرورة عاجلة

كما أن من المهم عدم السماح بمرور الوقت لتنظيم مثل هذه الاستجابة لمطالب شعبية متراكمة على امتداد عقد كامل، خاصة مع وجود توافق حاليًا على ضرورة الشروع على الفور فى الإجراءات اللازمة لكشف ملفات الفساد والإرهاب والمافيا المعقدة فى تشابكاتها والتى تورطت فيها النهضة وعدد من القوى والنواب فى البرلمان.

القضايا كثيرة، ويكفى أن توضع الوسائل اللازمة على مستوى العدالة الناجزة للتعامل معها. والتونسيون يترقبون ويعتبرون أنها فرصتهم لتصحيح أوضاعهم ولا يمكن التفريط فيها، كما أنهم يعرفون أنهم لن يكرروا أخطاءهم ولن يقبلوا بجماعة الإخوان لتحكمهم، كما أنهم لن ينتظروا الكثير هذه المرة لأن صبرهم نفد!