رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أثر النسر

يعانى الإخوان من «بعبع» اسمه «٣٠ يونيو» اذكر هذا الاسم أمام أى إخوانى، ستجد أن ملامحه تغيرت، وأن تشنجات عصبية تجتاح جسده، وأنه ربما يبتلع ريقه، ويتحسس مواضع عدة فى جسده، بينما يتلفت حوله ليطمئن أن ضربات جديدة لن تنهال عليه من هنا أو من هناك.. جزء من هذا الشعور طبيعى، لأن الدرس الذى علمه المصريون للإخوان كان قاسيًا بحجم اجترائهم على هذا الوطن.. وجزء منه وليد حالة من «البارانويا» يعانى منها الإخوان الذين قال لهم إمامهم حسن البنا إنهم.. أطهر الناس.. وأنظف الناس وحماة الدين ومبلغو الرسالة.. وخلفاء الله فى أرضه.. فتضخمت ذواتهم.. وأحسوا أنفسهم فوق البشر.. وأنهم المصطفون الأخيار، وأن ملك الدنيا فى انتظارهم، وكانت هذه هى «بارانويا العظمة».. لكن الإخوان فوجئوا أن الناس لم يقروهم على خبالهم، وأدركوا طوية نفوسهم، وخلل عقولهم، وقلة إيمانهم، وقابليتهم للعمالة، والتفريط فى الوطن.. فصفعوهم على أقفيتهم، وأنزلوهم حيث يجب أن ينزلوا.. وهنا كان النوع الثانى من البارانويا «بارانويا الاضطهاد».. بارانويا الاضطهاد هذه أطلت برأسها بالأمس.. وإخوان تونس ومشايعوهم ينشرون شائعات مضحكة حول أن الطائرات المصرية التى حملت الإعانات الطبية لتونس كانت تحمل داخلها «مستلزمات الانقلاب»!! بدلًا من المستلزمات الطبية! ولا تسألنى ما هى «مستلزمات الانقلاب» هذه لأنه لا أحد يعرف حتى الإخوان أنفسهم.. أو وهم ينشرون شائعة أخرى بأن ثمة مصريين فى تونس يسمون ما يصفونه وهمًا بـ«الانقلاب»! أو شائعة ثالثة بأن زيارة الرئيس التونسى قيس سعيد لمصر كانت العامل الرئيسى فيما أقدم عليه من إنهاء حالة الفوضى والتنازع التى قادت تونس إلى الدرك الأسفل من الانهيار.. وأنا لا أعرف فى الحقيقة ماذا حدث.. ولم أسأل مصدرًا مسئولًا.. ولو سألت لما أجابنى أحد.. ولكننى أعرف جيدًا أن أثر مصر فى منطقتها ماض وفعال على مر التاريخ، وأنه عندما يرفع الأذان فى القاهرة فإن الصلوات تقام فى عواصم العالم العربى من المحيط إلى الخليج.. وأن هذا هو أصل الوضع ومبتداه.. وأن ما عدا ذلك هو استثناء من حركة التاريخ يحاسب من تسبب فيه من حكام مصر، ويشيع مصحوبًا بلعنات التاريخ.. لقد غيرت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ شكل الحكم فى المنطقة العربية.. وصار النموذج المصرى فى التغيير ملهمًا لثورات فى اليمن ١٩٦٢، وليبيا ١٩٦٩، والسودان ١٩٧٠، وجاء رموز النخبة السورية ١٩٦٠ يطلبون الوحدة مع مصر اقتناعًا بالنموذج المصرى.. ولم تكن الجزائر بعيدة عن الأثر المصرى والدعم الكامل لجبهة تحرير الجزائر.. وكل ذلك معروف ومفصل وإن تم إخفاؤه وطمس ملامحه لأسباب لا تخفى على أحد.. وما حدث مع ثورة يوليو تكرر حرفيًا مع ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ التى غيّرت شكل المنطقة العربية، وأنهت سيناريو الهيمنة التركية على العالم العربى عبر وكلاء محليين من الإخوان، وأفسدت مخططًا تبنته إدارة الديمقراطيين بجلالة قدرها، وحدث ذلك أثناء حكم الديمقراطيين، لا بعد انتهاء عهدهم.. وانعكس أثر ثورة مصر على الإقليم كله.. وبعض هذا الأثر يمكن الحديث عنه، وبعضه يمكن تلمسه، لقد كان من حسن الطالع أن سارت المملكة العربية السعودية إحدى ركائز المنطقة فى طريق التنوير وإصلاح الخطاب الدينى بعد عام واحد من قيام ثورة ٣٠ يونيو، وحسمت اختيارات الحكم هناك، فى نفس الطريق الذى اختارته مصر لنفسها، وثار السودانيون بعد ٣٠ عامًا من حكم الإخوان أو حكم «الكيزان» كما يسميهم الشعب السودانى الصديق، وتغير واقع الحكم فى غزة بنسبة مئة وثمانين درجة، وعاد العراق ليولى وجهه شطر العالم العربى قاصدًا مصر قبل أى أحد آخر.. بهذا المعنى.. وليس بغيره فقد أثرت مصر فى تونس بكل تأكيد، وألهمت تجربتها التونسيين بعدما رأوا بلادهم تضيع من أيديهم جراء فشل الإخوان وتنمرهم بالسلطة، وبهذا المعنى لا غيره كان موقف الجيش المصرى فى الانحياز للشعب ملهمًا للجيش والشرطة فى تونس الذين أدركوا أن عليهم واجبًا وطنيًا فى حماية وطنهم من الانهيار الذى لاح فى الأفق.. الأثر المصرى يمكن استلهامه من نظرية فيزيائية شهيرة تحمل اسم «أثر الفراشة» وهى تقول إن رفرفة جناح فراشة فى الصين قد يتسبب فى فيضانات فى أمريكا الجنوبية.. والمعنى أنه لا شىء فى الكون يذهب سدى.. ولا يوجد جهد صادق لا يؤثر فى عالمه.. لكن «الفراشة» تبدو كائنًا رقيقًا جدًا مقارنة بصلابة مقاتلى مصر ورباطة جأشهم.. فلنسمه إذن «أثر النسر».