الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الحوار مع ذاتك المستقبلية «1»

 

نسعى جميعًا لإجراء حوارات عميقة حول قضايا كبرى، مثل الحرية والمساواة، التمييز النوعى، الديمقراطية، لكن إلى أى مدى نستطيع أن نجرى حوارًا عميقًا وفاعلًا مع ذاتنا المستقبلية، مع ما سوف نكون عليه، كيف نرى أنفسنا خلال السنوات العشر المقبلة؟ قد يكون هذا سؤالًا لطيفًا سهلًا بالنسبة للعشرينيين، والثلاثينيين، وماذا عن الأربعينيين والخمسينيين؟ لن تبدو الأمور بهذه الانسيابية. 

فالشباب ممن فى العشرينات يعرفون أن هذه الفترة من أعمارهم مهمة. ويرغبون فى استثمارها؛ يرغبون فى الانتقال للمدينة المناسبة، والحصول على الوظيفة المناسبة، والعثور على الزوج/الزوجة المناسبة، ويريدون العثور على الأجوبة الصحيحة. والحقيقة أنه لا توجد أجوبة صحيحة؛ والمنطق يقول بما أنه لا توجد أجوبة صحيحة، فبالتالى لا توجد إجابات خاطئة؛ توجد فقط الإجابة الخاصة بكل شخص منا، لكن مشكلة الشباب أنهم لا يهتمون أو لا يتصورون ما ستكون عليه ذواتهم فى المستقبل، كما وجد علماء النفس ظاهرة تعرف باسم «فجوة التعاطف»، وهى سبب كُرهنا أحيانًا لأناس يتواجدون على الطرف الآخر من الطيف السياسى. أو سبب عدم اهتمامنا بالمشاكل التى يواجهها أناس شكلهم مختلف عنا، أو يعيشون بشكل مختلف، أو يحبون بطريقة مختلفة. من الصعب أحيانًا أن تهتم بأشخاص لا تعرفهم، أو تكون منصفًا لأشخاص لم يوجدوا بعد.. وهذه الفجوة توجد لدى جميع الناس الذين تزيد أعمارهم على العشرين. ويؤكد على دور هذه الفجوة فى إهمالنا لذاتنا المستقبلية الفيلسوف «ديريك بارفيت»، حيث يرى أننا نهمل ذاتنا المستقبلية بسبب نوع من الفشل فى الاعتقاد أو الخيال. 

وهذه مشكلة لأن الأبحاث أظهرت أن أدمغتنا تفكر بذاتنا المستقبلية بنفس الطريقة التى تفكر بها بأشخاص غرباء. وهنا تحدث فجوة التعاطف. من الممكن أننا نواجه صعوبة فى أن نهتم بنسخة من أنفسنا لم نلتقِ بها بعد. 

وحاليًا يحاول العلماء إيجاد طريقة لسد «فجوة التعاطف» بين ذاتنا الحالية وذاتنا المستقبلية، حتى نبدأ بالتفكير أكثر فيما يمكننا فعله الآن؛ لكى نكون أكثر نفعًا لأنفسنا فى المستقبل.

يستخدم الباحثون تقنية الواقع الافتراضى؛ ليعرضوا لذواتنا فى العشرينات من العمر ما ستبدو عليه عندما نتقدم فى العمر. وقد وجدوا أن من تعرضوا لهذه التجربة- أن يروا أنفسهم متقدمين فى العمر- يصبحون أكثر ميلًا لتوفير المال لتقاعدهم مقارنةً بمن لم يخوضوا التجربة. وإذا لم تكن لدينا القدرة على خوض هذه التجربة، فإننا نستطيع أن نقف مع أنفسنا ونطرح عليها الأسئلة الصعبة. وتدلنا الإخصائية النفسية ميج جاى على مجموعة من الأسئلة علينا طرحها على أنفسنا والإجابة عنها بدقة وهى: ما الذى أحبه؟ أين أعيش؟ ما هو العمل الذى أقوم به؟ هل أستمتع بعملى؟ هل يحمل معنى ما؟ هل هو مهم؟ هل أتقاضى راتبًا جيدًا؟ هل يمكن أن تتحقق هذه الأشياء يومًا ما؟ أى هذه الأشياء مهم لى بحق؟ ماذا بشأن ما بعد الانتهاء من العمل؟ ما الذى ينتظرنى فى المنزل؟ هل لدى شريك حياة؟ ما شكل تلك العلاقة؟ كيف تتشابه تلك العلاقة أو تختلف عن العلاقات التى شهدتها وأنا أكبر؟ هل أتصور وجود أطفال؟ كم سيكون عمرى عندما يصل طفلى الأول؟ كم سيكون عمرى عندما يذهب ذلك الطفل للجامعة أو يكون له أطفال؟ وبالطبع، هل أنا سعيد؟ هل أتمتع بصحة جيدة؟ وما الذى أفعله أو ما الذى يجب أن أتوقف عنه لكى أكون أكثر صحة وسعادة؟ 

والهدف من الإجابة عن هذه الأسئلة، هى محاولة التعرف على ذاتك المستقبلية، لأنه عندما تقضى وقتًا للتعرف على ذاك الشخص فإننا نقوم بهندسة معاكسة، ونبدأ بطرح أسئلة على ذاتنا الحالية حول كيف يمكن لمستقبلنا وحاضرنا أن يجتمعا معًا ويلتقيا فى المنتصف خلال حياتنا. وكيف يمكننى الجمع بين ما أريد الحصول عليه؟ أو ماذا يعنى كل هذا بالنسبة إلى ما يجب أن أفعله الآن؟

أن تتحاور مع العالم قد يكون سهلًا، لكن أن تتحاور مع ذاتك المستقبلية يحتاج منك جهدًا ووعيًا وشجاعة، لكن الأمر يستحق.

وللحديث بقية.