الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

محمد الباز يكتب: كلمة السر.. حديث متواصل عن الجيش والشعب من 23 يوليو إلى 30 يونيو

محمد الباز
محمد الباز

يحمل الجيش المصرى وجهًا واحدًا لا يتبدل ولا يتغير. 

هذه هى الحقيقة الوحيدة التى لا تقبل جدالًا ولا نقاشًا ولا تأويلًا، بل تزيد مع الزمن رسوخًا وقوة، وتضيف إليها الأحداث المتعاقبات دليلًا جديدًا كل يوم.

الوجه الواحد الذى يحمله الجيش المصرى هو أنه جيش وطنى ولاؤه الأول والأخير لوجه هذا الشعب، يستمد منه شرعيته، ومن أجله وحده يعمل، وعندما يكون فى محل اختيار بين الشعب وبين أى شىء آخر، لا يفكر بل يقرر، فالشعب هو اختياره الأول والأخير. 

لن أذهب بكم بعيدًا فى أعماق التاريخ الشاهدة، ولن أضع يدى على كتابات موغلة فى القدم، لأثبت ما رأيناه رأى العين، وما شهد عليه من نظروا الأحداث التى لم نكن طرفًا فيها، فلدينا ما يكفى ويفيض على التأكيد على هذه الحقيقة. 

هذا العام تمر علينا الذكرى الـ٦٩ لثورة ٢٣ يوليو. 

ومنذ أيام كان تظللنا الذكرى الثامنة لثورة ٣٠ يونيو. 

وبينهما يمكن أن نقرأ المشهد من جديد، على ضوء ما وصلنا إليه الآن، وكان الجيش المصرى الطرف الأكثر تأثيرًا فيه. 

لا يمكننا أن نتجاهل بالطبع أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١، التى كان الجيش المصرى فى القلب من حدثها الساخن فى ٢٨ يناير ٢٠١١، عندما نزل إلى الميدان ليقابل هتافًا مكثفًا ومعبرًا وملخصًا لما شعر به الناس فى لحظة حاسمة كان كل شىء فيها على وشك التداعى، دون أن تكون هناك بارقة أمل. 

«الجيش والشعب إيد واحدة». 

كان هذا هو الهتاف، الذى لا بد أن نعبر على كلماته الأربع، وحروفه التسعة عشر، إلى ما تحمله الكلمات والسطور من دلالات ومعانٍ وتجليات.

لا أحد يعرف حتى الآن مَنْ هو أول من أطلق هذا الهتاف؟، ولا كيف صاغه؟، ولا ما الذى كان يريده من ورائه؟ 

هناك تفسير حاد يحملنا على جناح المؤامرة، ففى كتابات أكاديميات التغيير المشبوهة التى تعاون معها شباب نعرفهم ولا يمكن لنا فى أى وقت أن نخطئهم، أنه فى بدايات التغيير الثورى، لا بد من تحييد الجيش، تأسيسًا على أن الاستهداف فى البداية لا بد أن يكون لجهاز الشرطة، وبعد أن يفرغ الثوار من الشرطة بكسرها يمكن أن يلتفتوا بعد ذلك إلى الجيش لكسره، وعليه فلا بد من استقباله استقبالًا طيبًا لا يثير الشكوك ولا يزرع الريبة فى القلوب، حتى يطمئن تمامًا، وبعدها يكون لكل ترتيب موعد. 

لو استسلمنا إلى هذه الاستراتيجية، فحتمًا سنعرف مصدر الهتاف، فمن ألقوه فى المجال العام المضطرب، كانوا يريدون تحييد الجيش حتى ينتهوا تمامًا من الاشتباك مع رجال الداخلية الذين ظلوا يقاومون منذ ساعات الصباح الأولى، ثم وجدوا أنفسهم فى مواجهة بلطجية يلقون عليهم زجاجات المولوتوف، وهؤلاء كانت لديهم خطتهم التى تكشفت ملامحها لنا بعد ذلك. 

لكن ولأننا يمكن أن نتحرك فى ساحة أكثر اتساعًا، محمولين على جناح حسن النية المبنية على حقيقة العلاقة بين الجيش والشعب، فإن هذا الهتاف قد يكون أطلقه مواطنون مصريون، أدركوا فى لحظة معينة من مساء ٢٨ يناير ٢٠١١ أن كل شىء على شفا الانهيار، وأنه لا يمكن أن يجبر الكسر إلا الجيش العظيم الذى هو «عمود الخيمة»، والحائط الأخير الذى يمكن أن يستند إليه المصريون دون أن يخذلهم أو يخيب رجاءهم. 

كان الهتاف صرخة المستغيث بمن يقدر على تقديم الغوث فى لحظة مضطربة غائمة لا يستطيع أن يستكشف ما وراءها أحد، ولذلك فإننى ومن هذه الزاوية أعتبر أن هذا الهتاف هو الأصدق فى حياتنا السياسية خلال السنوات العشر الأخيرة.. والتعبير الأكثر دقة عن علاقة المصريين بجيشهم، فنحن دائمًا وأبدًا «إيد واحدة». 

كان الرئيس الأسبق مبارك يحصل على شرعيته من أنه أحد القادة الذين خاضوا حرب أكتوبر المجيدة، عندما اختاره الرئيس السادات نائبًا له، قال إنه يريد أن يمكن لجيل أكتوبر، بعد أن عمل جيل ٢٣ يوليو طويلًا، ثم حصد شرعيته من الشعب الذى اختاره فى الاستفتاءات المتعاقبة ثم فى أول انتخابات رئاسية أُجريت فى عام ٢٠٠٥، ولست هنا فى محل مناقشة كيف كانت تجرى هذه الاستفتاءات ولا كيف حدثت تلك الانتخابات. 

كانت قناعة القوات المسلحة أن الشرعية العظمى هى التى يمنحها الشعب، وإذا قرر هذا الشعب أن يسحب الشرعية التى منحها فليس أمام القوات المسلحة إلا أن تقف إلى جواره تدعمه وتسانده وتصل به إلى المرفأ الآمن. 

فى ٢٥ يناير كانت القوات المسلحة تعرف جيدًا من يتآمر ومن خرج لأجل التغيير من أجل وطن يملكه كل أبنائه، ولذلك لم تتأخر عن إعلان دعمها للشعب، بل وصل البعض من المعارضين والمعاندين والكارهين إلى أن أقروا بأن بيان المجلس العسكرى الذى صدر فى ١٠ فبراير ٢٠١١، وتم فيه الإعلان عن الانحياز الكامل لغضبة الشعب، يصل فى قوته وتأثيره ومعناه ودلالته إلى قوة وتأثير ومعنى وتأثير قرار حرب أكتوبر. 

لم يكن ما حدث غريبًا، بل يتسق تمامًا مع ما حدث فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢، عندما قام الجيش بثورته على الملك، ويتسق أكثر مع ثورة الشعب فى ٣٠ يونيو، وهى الثورة التى ما كان لها أن تتحقق أو تنتصر إلا لقناعة الشعب المصرى بأن الجيش فى اللحظة الحاسمة سيقف إلى جواره ويدعمه، ويضم صوته إلى صوت الملايين التى خرجت لتسترد بلدها من نظام قرر أن يختطف الوطن إلى طريق لا نعرفه، بل يعرفه وحده، وحدده بمعيار واحد وهو تحقيق مصالحه. 

عندما قرر ضباط الجيش القيام بثورة ٢٣ يوليو، لم يفعلوا ذلك لمطالب فئوية خاصة بهم فقط، بل انطلقوا إلى ما أرادوه على جناح انتمائهم إلى هذا الشعب، يعرفون أوجاعه وعثراته، ويدركون مآسيه ومخازيه، ويستوعبون أن الوطن الذى صادره أقل من نصف بالمائة لحسابه الخاص، لا بد أن يكون ملكًا للجميع، ولذلك جاءت صرختهم من أجل الجميع وليس من أجل أنفسهم فقط. 

وفى ثورة ٣٠ يونيو عندما جلس الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع، مع ممثلى القوى السياسية فى ٣ يوليو ٢٠١٣، واستقروا على ملامح خارطة الطريق، وأصروا على أن يلقى البيان بنفسه، فى إشارة لا تخطئها عين أن الجيش يقف فى قلب الثورة داعمًا ومساندًا ومؤيدًا ومدافعًا، قال للموجودين: لا بد أن تعرفوا أن القرار ليس سهلًا، وسيكون له ثمن كبير، وهذا الثمن سيدفعه أولادى فى الجيش ورجال الشرطة، إنهم سيتلقون الرصاص نيابة عنكم فى صدورهم، لكنهم سيفعلون ذلك بنفوس راضية، لأنهم عاهدوا الله على ألا يمس مواطن مصرى بسوء فى وجود جيشه وشرطته. 

المعنى واحد، حتى لو اختلفت الكلمات.

ولو تأملنا بيان ثورة ٢٣ يوليو الذى ألقاه الرئيس السادات من الإذاعة المصرية، ووضعنا أمامه بيان القائد العام للقوات المسلحة المصرية الذى ألقاه مساء ٣ يوليو عبر التليفزيون المصرى، سنجد أنفسنا أمام بيانين يخرجان من مشكاة واحدة. 

فى بيان ٢٣ يوليو نقرأ: اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرها جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها. 

يمكننا أن نمسك بالجملة الأخيرة «حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها».. ودعونا نحتفظ بها لأننا سنحتاجها بعد قليل. 

وفى بيان ٣ يوليو نقرأ: إن القوات المسلحة لم يكن فى مقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التى استدعت دورها الوطنى. 

هنا نجد تطابقًا تامًا بين ما كان فى ٢٣ يوليو وما حدث فى ٣٠ يونيو. 

فالجيش لم يتحرك سعيًا وراء ما يريده لنفسه فقط، لكنه خرج بعد أن وصلته استغاثات الشعب، التى ما كان له أن يصم آذانه دونها أو يغض بصره عنها. 

وكما فى المرة الأولى عندما استوعب الجيش أن الهدف مما يجرى على الأرض هدفه فى النهاية أن تفقد مصر جيشها فلا تجد من يحميها، أدرك فى المرة الثانية أيضًا أن جماعة الإخوان الإرهابية التى وصلت إلى الحكم تريد أن تقوض جيش مصر من داخله، حتى لا يكون أمامها عائق لأن تظل فى السلطة كما خططت لـ٥٠٠ عام، لا ينازعها فى الحكم أحد. 

قد يكون الفارق أن الجيش فى المرة الأولى تحرك أولًا، ثم خرجت جموع الشعب تؤيده وتدعمه وتسانده وتقف إلى جواره تحميه بصدورها. 

أما فى المرة الثانية فقد تحرك الشعب أولًا، نزل إلى الميادين بالملايين، منتظرًا مساندة الجيش ومتلهفًا عليها، ولم يكن أمام الجيش إلا أن يستجيب للشعب، ملبيًا هتافاته التى كانت واضحة ومباشرة. 

فى المرة الأولى وجد الجيش أن مصر تقف على حافة الهاوية، ولم يكن أمامه إلا أن يتدخل، ويعتقد البعض أنه لم تكن هناك دعوات لهذا التدخل، وهو أمر ليس دقيقًا بالمرة، فعندما نفتش فى صحف مصر ومجلاتها التى صدرت قبل ثورة يوليو، سنجدها تفصح عن رغبة شعبية جارفة فى التغيير، وهو ما يمكننا اعتباره هتافًا صامتًا، لكن حتى الهتاف الصامت وجد من يستجيب له، ويترجمه فى إجراء عملى على الأرض. 

فى المرة الثانية لم يكن الهتاف صامتًا. 

وهنا يمكننى أن أرصد ما هو تاريخ واضح لا يمكن أن يشكك فيه أحد. 

فى ٥ أبريل من عام ٢٠١٣ جرت واقعة الخصوص التى حدث على هامشها أكبر اعتداء على الأقباط فى عهد الرئيس الإخوانى محمد مرسى. 

بدأت الأحداث برسم طفلين مسلمين علامات تشبه الصليب المعقوف للنازية على سور معهد الخصوص الابتدائى الأزهرى. 

أحد مسئولى المعهد شاهد الطفلين فنهرهما وتدخل فى المناقشة شخصان من عائلة إسكندر، وعاتب الطفلين فقد خشى أن يقال إنهما يرسمان صلبانًا، لكن المناقشة تطورت إلى مشاجرة بين طرفين «مسلم ومسيحى». 

كانت هناك رواية أخرى للحدث تذهب إلى أن سيدة من عائلة إسكندر تعرضت للمعاكسة من جيران مسلمين، ثم تطور الأمر إلى مشاجرة بين العائلتين، اتُهم فيها نسيم جميل إسكندر بإطلاق الرصاص ما أدى إلى مصرع محمد محمود محمد الذى لم يكن طرفًا فى الأحداث، فطبقًا لما قاله أقاربه كان يشاهد المشاجرة عن بُعد. 

شهود العيان أكدوا وقتها أن ثلاثة مسلمين أُصيبوا بالرصاص، وبعد ساعتين من المواجهات هدأت المنطقة، وحضرت سيارة شرطة لتعيد الأمن إلى المنطقة. 

فى الثامنة مساء خرج مواطن معروف فى المنطقة باسم الشيخ مصطفى، ومر بشوارع المنطقة يركب توك توك ومعه مكبر صوت يدعو المسلمين الذين يملكون أسلحة نارية للخروج لإنقاذ إخوانهم المسلمين الذين يتعرضون للقتل من قِبل مسيحيى الخصوص.

سمع المسيحيون هذه الدعوات أيضًا فتجمعوا بالعشرات أمام كنيسة مار جرجس بالخصوص لحمايتها، وخرجت مجموعات من المسلمين وصعدت لبناية يملكها فاروق عوض إسكندر، وقاموا بنهب محتويات جميع أدوارها، وألقوا الأثاث فى الشارع، ثم أشعلوا النار فى كل شىء قابلهم، فاحترق منزلان مجاوران وحضانة المحبة وصيدلية ومصنع صغير.

انتقل المسلمون الغاضبون بعد ذلك إلى مبنى الكنيسة المعمدانية وقذفوها بقنابل المولوتوف، فاحترقت واجهتها. 

وصلت قوات الشرطة إلى المنطقة الساعة الحادية عشرة، تم قطع الكهرباء عن الكنيسة، وأُلقى القبض على إسكندر سمير إسكندر، وتم احتجازه فى قسم شرطة الخصوص، ثم نُقل إلى قسم شرطة ثانٍ شبرا الخيمة، خوفًا من تعرض قسم الخصوص للاعتداء كما أُعلن وقتها. 

أسفرت أحداث الخصوص عن مصرع أربعة أقباط، لتتجدد الاشتباكات فى ٧ أبريل ٢٠١٣، حيث تم إطلاق أعيرة نارية فى أوقات مختلفة على المنطقة التى تقع بها كنيسة مار جرجس، فتجمع عشرات من الأقباط أمام الكنيسة ورددوا الهتافات التى تطالب بالقصاص، فقامت مجموعات من المسلمين بمهاجمتهم بالمولوتوف. 

فى مساء ٧ أبريل لقى مسيحى آخر مصرعه، والغريب أنه كان قد قدم من محافظة المنيا للاطمئنان على أقاربه فى الخصوص، استوقفه مجهولون وسألوه عن ديانته، ثم اعتدوا عليه بطعنة فى البطن، نُقل على إثرها إلى المستشفى لكنه لم يصمد طويلًا حيث توفى بعد وصوله إلى المستشفى مباشرة. 

يوم ٨ أبريل أعلنت مديرية الأمن بمحافظة القليوبية عن إلقاء القبض على ٣٠ متهمًا من المسلمين والأقباط بمدينة الخصوص، من بينهم خمسة متهمين من المعصرة وعزبة النخل والمطرية، وكانوا يحملون أسلحة خرطوش، و١٠٠ صندوق مملوءة بزجاجات المولوتوف، وبعد عرض المتهمين على نيابة الخصوص تقرر إخلاء سبيل ١٥ منهم وحبس ١٥ آخرين بتهم حمل أسلحة نارية والقيام بأعمال بلطجة. 

وفى يوم الثلاثاء ٩ أبريل حقق المحامى العام لنيابات شمال القليوبية مع الطفلين اللذين نُسب إليهما رسم شعار النازية على سور المعهد الأزهرى بالخصوص ولم توجه لهما النيابة أى تهمة. 

كانت جريمة الخصوص مجرد تمهيد لأكبر إساءة ارتكبها الإخوان فى حق الأقباط.. حيث تم الاعتداء على الكاتدرائية الكبرى فى العباسية، حيث تم هناك تشييع جناز من سقطوا فى أحداث الخصوص. 

قبل أن تنتهى أحداث الخصوص وفى يوم ٧ أبريل ٢٠١٣ كان قد تقرر خروج جثامين ضحايا الخصوص من الكاتدرائية الكبرى فى العباسية، لكن فجأة وقعت مناوشات أمام الباب الرئيسى للكاتدرائية بين بعض الشباب المسيحى وضابط شرطة وثلاثة من الجنود الذين كانوا يقفون إلى جوار الباب الرئيسى للكاتدرائية. 

كان السبب المعلن للمناوشات ما قيل عن ترديد الضابط والجنود عبارات مستفزة، لكن فجأة، وبعد أقل من ربع ساعة على بداية المناوشات، خرج عشرات من الشباب من الشوارع الجانبية المجاورة للكاتدرائية، وبدأوا يقذفون المشاركين فى الجناز بالحجارة والزجاجات الفارغة، واعتلى بعضهم أسطح المنازل وواصلوا إلقاء الحجارة فى كل اتجاه، ثم أطلقوا ألعابًا نارية وسمع دوى طلقات خرطوش وأعيرة نارية حية. 

جرت بعد ذلك حالة اشتباك كاملة، أدخل المسيحيون السيدات إلى حوش الكاتدرائية، وبدأ التراشق بين المسيحيين والشباب الذين جاءوا من الشوارع الجانبية، حيث قاموا بتكسير زجاج السيارات على جانبى شارع رمسيس واشتعلت النيران بالفعل فى سيارتين. 

بدأت قوات الأمن فى إطلاق قنابل الغاز فى اتجاه المتشابكين، دخل المسيحيون إلى الكاتدرائية للاحتماء بها، وظل عدد من الشباب الذين اعتلوا أسوار الكاتدرائية يلقون الحجارة على المسيحيين من كل اتجاه. 

فى هذا الوقت أجرى مسئولو الأمن التابعون للكاتدرائية اتصالات مع قيادات وزارة الداخلية للتدخل لحماية الكاتدرائية بعد تسلق مهاجمين أسوارها، وقذف الموجودين داخلها بالحجارة. 

لم يتوقف إطلاق قنابل الغاز على أبواب الكاتدرائية وداخلها، حتى وصل إلى مسرح الأنبا رويس الذى يبعد أكثر من مائة متر من البوابة الرئيسية. 

طبقًا لبيان وزارة الصحة الرسمى، فإن عدد ضحايا أحداث الكاتدرائية بلغ حالتى وفاة و٨٩ مصابًا، وأعلنت وزارة الداخلية عن إصابة ١٦ شرطيًا. 

كان هذا أول اعتداء على الكاتدرائية الكبرى فى العباسية منذ تأسيسها فى الستينيات، وهو ما كان مؤشرًا خطيرًا على أن الجماعة الإرهابية تناصب الجميع العداء، ولا تتردد عن استخدام كل ما تملكه من أدوات إرهابية لتتمكن من إخضاع الجميع. 

يقول شهود العيان إن المسيحيين الذين تم الاعتداء عليهم ذهبوا إلى مقر وزارة الدفاع، وهتفوا: انزل يا سيسى مرسى مش رئيسى، ليتحوّل هذا الهتاف بعد ذلك إلى الهتاف الرسمى لكل المظاهرات التى خرجت ضد جماعة الإخوان الإرهابية، ويمكنك أن تشاهد بنفسك مظاهرات مختلفة فى كل محافظات مصر تردد الهتاف نفسه. 

دلالة الهتاف واضحة لا تحتاج إلى مزيد من الشرح أو التفسير، فالمصريون فى مواجهة ما رأوه من جماعة الإخوان الإرهابية لم يجدوا أمامهم سوى الجيش ليلجأوا إليه، وكان طبيعيًا بعد ذلك أن يبدأ الفريق أول عبدالفتاح السيسى بيانه فى ٣ يوليو بقوله إن الجيش وصلته نداءات الشعب التى لم يكن له أن يصم آذانه عنها. 

كان هذا الهتاف دعوة صريحة لأن يقوم الجيش ليس بدوره الوطنى فقط، ولكن بدوره السياسى أيضًا، وهو أمر ارتضاه المصريون، بل ألحوا عليه وبشكل كامل. 

هل يمكننا أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. 

ما رأيكم أن نصل إلى يوم ١١ مايو ٢٠١٣، فى هذا اليوم شارك عدد من الفنانين والرياضيين والإعلاميين فى تفتيش الحرب الذى قام به وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وهو المشروع الذى يهدف إلى رفع الكفاءة القتالية واستعراض الاستعداد القتالى، وفقًا للخطة التدريبية للقوات المسلحة.

تحدث الرئيس السيسى بما اعتبره البعض رسائل واضحة للجميع، قال: شرف لى أن أتذلل للشعب وأستعطفه، وإنه لن يتجبر على المصريين لأنهم أهله.

وقال: جيش مصر قوى جدًا وقادر جدًا، وسيظل الشعار المرفوع: الجيش والشعب إيد واحدة. 

وتساءل: هل من الممكن أى حد يقتل نفسه؟ 

قبل هذا اللقاء كان حازم صلاح أبوإسماعيل قد أساء إلى القائد العام للقوات المسلحة، عبر حديثه إلى أحد البرامج التليفزيونية، ووصف خطابه بأنه عاطفى. 

قال السيسى عن ذلك: من يقول إنى عاطفى لا يعرف ثقافة الجيش، فالكلمة تخدشه، أما النار فلا تستطيع ذلك، وناشد الإعلام الحديث عن الجيش دون أن يجرحه، موضحًا أنه ليس ضد الإعلام، لكنه ضد أى شخص يسىء إلى القائد العام، لأنه بذلك يسىء إلى الجيش، وهو ما أغضب الضباط والجنود، لأنهم اعتبروا الإساءة لقائدهم إساءة لهم.

وفى محاولة لامتصاص غضب الجميع من الإساءة إلى القوات المسلحة قال السيسى: إذا كان يكفيكم الاعتذار منى على أى إساءة وجهت لكم، من فضلكم اقبلوا اعتذارى، ولا يوجد شىء ينال من روحنا المعنوية. 

وفى رسالة واضحة قال السيسى: إن القوات المسلحة لا تفكر فى النزول إلى الشارع، وإن الجيش ليس حلًا، فالوقوف أمام صناديق الاقتراع ١٥ ساعة أفضل من تدمير البلاد، منبهًا إلى أنه لا بد من وجود صيغة للتفاهم بين القوى السياسية المتعارضة، فالجيش نار، لا تلعبوا به ولا تلعبوا معه. 

أدرك السيسى تأثير كلماته على الموجودين، فاستدرك: الجيش نار، لكنه ليس نارًا على أهله، لذلك فلا بد من صيغة للتفاهم بيننا، البديل فى منتهى الخطورة، ومع كل التقدير لكل من يقول للجيش ينزل الشارع، لو حصل ده لن نتكلم عن مصر لمدة ٣٠ أو ٤٠ سنة للأمام، ومفيش حد هيشيل حد، ولا يجب أن يفكر أحد أن الحل بالجيش، عليكم ألا تغضبوا. 

وأضاف السيسى: إحنا اللى عارفين قواتنا وعارفين قدراتها، واللى إحنا شايفينه دلوقتى، دول جزء صغير من الجيش وفيه غيره كتير. 

كان لا بد أن يكتمل الحديث، فقال السيسى: كان من الممكن ألا أخوض فى الحديث السياسى اليوم، لكننى أردت أن أؤكد لكم أن الوظيفة اللى أنا فيها فى منتهى الخطورة، ولا أستطيع مقابلة الله بدم المصريين، ولازم نعرف إن القرار ده من أبريل ٢٠١٠، وده قرار استراتيجى. 

فهم بعض الحاضرين أن وزير الدفاع يرفض نزول الجيش إلى الشارع كما يطلب منه المصريون، لكنه فى الحقيقة كان يحذر الجميع، ويدفعهم إلى البحث عن حل سياسى، ولما قرأ القلق فى عيون الجميع، قال لهم: متستعجلوش. 

وحتى يطمئن الجميع تحدث السيسى عما فعله الجيش، قال: لا تقلقوا، لازم يكون عندكم أمل وثقة كبيرة فى بكرة، بكرة حتشوفوا مصر أم الدنيا، وهتبقى أد الدنيا. 

وأضاف: لما جيش مصر نزل حماكم، يده لم تمتد، خلوا بالكم من هذا الكلام جيدًا، تُقطع أيدينا قبل أن تمسكم، لقد أقسمت قسمًا يا ريت تكونوا سمعتوه، أنا قلته عشان كل مصرى قاعد فى بيته يكون مطمئن رغم كل الشوشرة المقصودة، لقد كان هناك ١٥٠ ألف ضابط وجندى فى الشارع، إحنا كنا بناضل حتى لا يؤذى أى مصرى وتحملنا علشان مصر تفضل مصر.. وهتفضل مصر. 

عند هذه الكلمة صفق الحاضرون، وقال أحدهم موجهًا كلامه للسيسى: خلى بالك من مصر يا فندم. 

فرد عليه بقوله: الضباط اللى انتو شايفينهم دول والطلبة الحاضرين معانا اليوم.. الدم اللى فى عروقهم بيحب مصر. 

كانت الرسالة هنا واضحة أيضًا، فالجيش يسمع ويرى، لكنه كان يريد أن تستقر الأمور حتى اللحظة الأخيرة. 

صباح ٢٢ يونيو ٢٠١٣، كان الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع يجتمع بأعضاء القيادة العامة بالقوات المسلحة، كانت أعصاب الشارع مشدودة، وكانت التقارير الخارجة من الشارع تشير إلى أن حالة الغليان تقترب من ذروتها، تحديدًا بعد حركة المحافظين التى أعلنها مرسى فى ١٧ يونيو ٢٠١٣، وأثارت حالة كبيرة من الغضب، وصلت إلى أن منع المواطنون فى عدد من المحافظات المحافظين الجدد من دخول مقار عملهم، بعد أن أغلقوا باب دواوين المحافظات بالجنازير. 

كان الخط الأساسى للنقاش فى اجتماع ٢٢ يونيو هو استعراض الموقف الاستراتيجى فى البلاد. 

تحدث فى هذ الاجتماع رئيس الأركان الفريق صدقى صبحى، واللواء محمود حجازى، الذى كان وقتها مديرًا للمخابرات الحربية، واللواء محمد العصار، الذى كان وقتها مساعدًا لوزير الدفاع، وبدا أن قيادات القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية الذين حضروا الاجتماع قد أجمعوا على أن يكون هناك موقف واضح ومحدد، فالمؤسسة العسكرية التى تحمل على كتفيها مسئولية الحفاظ على استقرار البلاد مسئولة عن أمن الشعب وأمانه. 

أبلغ وزير الدفاع قائد الحرس الجمهورى وقتها، اللواء محمد زكى، بأن القادة العسكريين سيحضرون إلى قصر الاتحادية للاجتماع مع الرئيس لمناقشة الوضع العام فى البلاد. 

لم تكن الساعة قد تجازوت الثالثة عصرًا، عندما سأل محمد مرسى قائد الحرس الجمهورى عن سبب حضور القادة ووزير الدفاع.

كان قلقًا جدًا، سأله: إيه الحكاية.. وهما عاوزين إيه؟

فخفف اللواء زكى من الأمر، قال له: الأمر لا يدعو إلى القلق، القادة جاءوا ليتحدثوا معك ويتشاوروا فى أمور أعتقد أنها مهمة وتحتاج إلى النقاش. 

توتر محمد مرسى فيما يبدو أنساه أن يرحب بوزير الدفاع الترحيب اللائق، سأل على الفور: خير يا جماعة.. إيه اللى حصل؟ 

لخص الفريق أول عبدالفتاح السيسى الأمر كله، قال لمرسى إن الأوضاع خطيرة فى البلاد، وإنها تسير من سيئ إلى أسوأ، وإن قادة القوات المسلحة جاءوا إليه لينقلوا له ما جرى بأمانة وصدق، لأنهم لا يريدون أن تصل الأمور إلى النقطة التى لا يمكن الرجوع عنها بعد ذلك. 

رد مرسى بأنه يعرف ما يحدث فى البلاد جيدًا، وكل ما يجرى أن هناك من لا يريدون الخير لمصر، وهؤلاء لا يترددون فى أن يصطنعوا الأزمات حتى لا تقف مصر على قدميها، وأنه لن يسمح بذلك، وسوف يتصدى له بكل قوة. 

كان السيسى فيما رواه لمرسى أمينًا جدًا، أشار إلى أن كل التقارير التى ترصد أوضاع الشارع المصرى وتشير إلى أن مظاهرات ٣٠ يونيو لن تكون عابرة أبدًا، بل إن ملايين المصريين سيشاركون فيها. 

نظر مرسى متشككًا، فما لديه من معلومات حصل عليها من جهاز مخابرات الإخوان الذى كان يديره خيرت الشاطر، تقول إنه لا ملايين ولا يحزنون. 

لم يتوقف السيسى عندما رأى نظرة التشكك فى عين محمد مرسى، قال له إنه يمكن أن ينتهى كل هذا القلق لو تجاوب مع المطالب الشعبية التى هى معقولة ومحددة. 

بدلًا من أن يستمع مرسى إلى ما يقوله له قادة القوات المسلحة قال لهم: أنا رئيس مصر المنتخب ولا أقبل أن يفرض أحد علىّ أى شروط. 

أدرك القادة أنهم أمام من لا يعى على الإطلاق ما يجرى من حوله، وعليه فلا أقل من أن يضعوه أمام مسئوليته، على الأقل من أجل إثبات أنهم قدموا كل ما لديهم من نصح. 

استمع محمد مرسى فى هذا الاجتماع إلى كلام خطير عن احتمالات انهيار الدولة ومؤسساتها إذا استمر فى سياساته، وإذا ظل سمحًا ومتسامحًا مع أعضاء جماعته الذين كانوا يتصرفون فى البلد وكأنه عزبة خاصة بهم، لكن الكلام لم يكن مجديًا معه.

رد مرسى على القادة بأنهم يحمّلون الرئيس المسئولية كاملة وكأنه هو المتسبب فى كل ذلك، دون أن يحمّلوا من اعتبرهم المحرضين عن الفوضى أى جانب من جوانب المسئولية. 

هاجم مرسى فى هذا الاجتماع الإعلام الذى وصفه بأنه فاسد، وحمل على رجال الأعمال الذين تعامل معهم على أنهم يشكلون لوبى يحاول تعويقه عن أداء مهمته. 

أدرك وزير الدفاع أن النقاش مع محمد مرسى ليس مجديًا أبدًا، فقرر فيما يبدو أن ينتهى الاجتماع، لكن قبل أن يرحل ترك تقريرًا رسميًا أعدته المخابرات الحربية عن الأوضاع، وبه توصيات محددة رأت أنه مع تنفيذها يمكن أن تستقر الأوضاع فى البلاد إلى مدى بعيد. 

كانت التوصيات التى جاءت فى تقرير المخابرات الحربية هى: 

أولًا: المطالبة بتغيير فورى لحكومة هشام قنديل بسبب فشلها وعجزها وتشكيل حكومة جديدة برئاسة شخصية وطنية مستقلة لإدارة الأوضاع الحالية فى البلاد. 

ثانيًا: أن يصدر قرار فورى عن الرئيس بعزل النائب العام المستشار طلعت عبدالله. 

ثالثًا: أن يعهد لمجلس القضاء الأعلى بترشيح ثلاث شخصيات قضائية مقبولة يختار الرئيس من بينها نائبًا عامًا جديدًا. 

رابعًا: أن تشكل لجنة محايدة من كبار أساتذة القانون الدستورى والشخصيات العامة لإجراء تعديلات دستورية تتوافق عليها القوى الوطنية فى البلاد. 

خامسًا: أن يصدر الرئيس قرارًا بتجميد العمل بالمواد المرفوضة، ويُعرض الأمر على الاستفتاء العام فى فترة زمنية معقولة. 

سادسًا: يوافق الرئيس على إجراء استفتاء جماهيرى على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وأن تتولى لجنة قضائية الإشراف على هذا الاستفتاء. 

لم يعترف محمد مرسى بهذا التقرير، اعتبر ما قاله القادة أمرًا لا يخصه على الإطلاق، ولما وجدهم مستاءين من رد فعله، قال لهم إنه سيدرس الموقف، لكن الفريق أول عبدالفتاح السيسى اعترض طريقه، وقال له إنه لا وقت للدراسة، فالأمور تقف على حافة الخطر. 

وعندما صمت الجماعة آذانها لم يجد الجيش أمامه إلا أن يتحرك لدعم الثورة وملاحظاتها. 

التاريخ ليس كائنًا أخرس، بل يسجل ويعى ويفهم وينطق أيضًا. 

وعندما نتأمل مجرياته، سنجدنا أمام التأكيد على معنى واحد، يمتد بنا من ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إلى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، ليؤكد أن الجيش المصرى العظيم خارج من قلب هذا الشعب، ولا يمكن أن يخذله أو يصده أو يتخلى عنه، لأنه على قناعة تامة بأنه يستمد شرعيته منه، حتى لو تجاوزت هذه الشرعية شرعية الحاكم المستند إلى حيثية تاريخية أو صندوق انتخابات. 

فعندما يعلن الشعب كلمته، ينزل الجيش عليها، وهو ما يزيد الثقة بين الشعب وجيشه، وما الأحداث التى تمر علينا إلا تأكيد على المؤكد وتوثيق للموثق وتعريف بالمعرف، وهو ما فات على خصوم هذه الدولة المحمية بجيشها والمحروسة بشعبها.. وهذا إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

ينشر هذا المقال بالتزامن مع مجلة «المصور»