رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أيها العالم فلتسمع صوت المصريين فى معركة النيل

منذ سنوات ونحن نسمع لغوًا يشكك فى قدرة مصر على مواجهة الخطر الذى يتهددنا بسد إثيوبيا، ثم وجدنا فى الأشهر الأخيرة نغمة اليأس وقد ارتفعت، ورأينا الكثير من المحللين والباحثين وهم يدلون برأيهم دون أن تكون لديهم دراية بطبيعة الشعب المصرى، ثم إذا بالبعض منذ أيام ينشر مقالات يبث فيها روح اليأس ويزعم أن مصر منيت بهزيمة، وأن إثيوبيا انتصرت فى معركة النيل، لم يدرك هؤلاء أن الشعب المصرى على استعداد أن يواجه هذا التحدى بقدرات هائلة فوق قدرة البشر، ليس هذا من باب الإنشاء، وليست لى رغبة فى أن ألهب حماس المصريين، فالنيل بالنسبة لنا هو مصر، ومصر هى النيل، ونحن أهل التحدى وأصحابه، فكلمة السر التى تُلهب خيال المصريين وتستنهض ملكاتهم وقدراتهم وهممهم هى «التحدى».

هذا هو الإنسان المصرى أيها الأصدقاء، وهذا هو حاله، وتلك هى طبيعته، لذلك كان كل زعيم مصرى واجه التحديات التى مرت علينا عنوانًا للتحدى الذى يعشقه المصريون، كان أحمد عرابى هو عنوان التحدى فى مواجهة الإنجليز، ولا تزال ذكراه تعيش فى ضميرنا، وكان سعد زغلول هو عنوان التحدى فى إحدى معارك الاستقلال فى مواجهة الإنجليز، وكان جمال عبدالناصر هو الزعيم الذى نرفع صورته فى الفعاليات الوطنية، فهل يحصل الرئيس السيسى على هذه المكانة ويكون هو الزعيم الذى يُلهم الجماهير، وينتصر معهم فى معركة الوجود؟! قلبى يحدثنى أن وراء الغيوم أشياء لا نعرفها ولكنها ستكون عاملًا مهمًا فى معركة النيل، وحدسى يقول لى إن السيسى يضمر فى نفسه أشياء لا يجوز البوح بها الآن ولكنها سترفع قدره عند المصريين وتجعله الزعيم الأول، أو الأكبر، فى تاريخنا الحديث.

دعونا الآن من التنظير أو الإنشاء، أنا أعلم علم اليقين أن الرئيس السيسى يدرك خطورة المعركة التى تخوضها مصر، معرفتى اليقينية بالرئيس السيسى تحدثنى بأنه استخدم رسائل مشفرة خلال الفترات الماضية، وكانت هذه الرسائل موجهة إلى من يعنيهم الأمر، وأدرك أن الرئيس السيسى لا يعول كثيرًا على المجتمع الدولى، لذلك لم تتقدم مصر بشكوى ضد إثيوبيا ولكن تقدمت هى والسودان بمذكرة، ووفقًا لمواثيق الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يتم الرد على المذكرات بقرارات ولكن يتم الرد بتوصيات، وهو الأمر الذى حدث، والذى لا يملك مجلس الأمن حياله إلا التوصية بالاستمرار فى المفاوضات.

لا أريد أن أستبق الأحداث، ولا أريد أن أفتح صفحة تحتوى على أسئلة مفادها لماذا لم نتقدم بشكوى؟ إذ ربما تكون المذكرة التى قدمناها هى من باب قراءة النوايا الدولية، وبناءً عليها سيتم التصرف، وقد تكون الجلسة القادمة لمجلس الأمن هى لبحث شكوى تقدمها إثيوبيا ضد السودان، أو ضد السودان ومصر، ولا أريد أيضًا أن أفتح باب الافتراضات، ولكننى أريد أن أجزم أن القرار المصرى سيكون قرارًا رشيدًا وحاسمًا، فأنا أثق فى العقلية الاستراتيجية والخططية للرئيس السيسى ورجاله بحسب أن معه ثلة من الرجال من أعلى المتخصصين فى إدارة المعارك السياسية، ولديهم فى ذات الوقت القدرة على التحدى، والقدرة على التغلب على أعتى الخصوم دهاءً.

والمصرى عند التحدى لا يغلبه أحد أبدًا، لذلك إن كان هناك من لا يزال فى غفلته فإننى أقول له هل تعرف من هو المصرى؟

سأخبره بالخبر اليقين، وبالنبأ الذى كان مخفيًا عنه، وسأرد على سؤال جوهرى هو: لماذا يبرع المصرى وقت التحدى، وترتفع ملكاته وقدراته وقت المواجهة، ويستحضر فى ضميره عند الأزمات صور الزعماء الذين كانوا رموزًا للتحدى والمواجهة خاصة مع الغازى المُعتدى؟ الآن تعالوا معى لننظر إلى تلك اللقطة التاريخية ونتأمل صورتها. انظروا، لقد خلّد المصريون سليمان الحلبى الشاب الأزهرى الوافد من الشام، خلَّدوه لأنه قتل كليبر قائد الحملة الفرنسية فكان الحلبى عنوانًا للتحدى، لا يهم عندنا أن يكون هذا الرمز مصريًا، المهم أنه كان مثلنا، يعشق التحدى ويُفنى حياته من أجل التحدى، وما سليمان الحلبى إلا مجرد رجل مرَّ على مصر مثله مثل الملايين التى وفدت إلى بلادنا عبر التاريخ، ولم يخلد مثله إلا من كان مثله ومثلنا فى التحدى والإرادة، هذا هو المصرى وعلى ذلك نشأ منذ آلاف السنين، والآن عودوا معى إلى التاريخ السحيق، وقت أن حكم مصر «تُحتمس الثالث» الفرعون الأسطورة منذ قرابة ثلاثة آلاف سنة، ستجد أن المصريين أحبوا «تحتمس الثالث» حُبًا لم ينل حاكمٌ مثله، هذا الفرعون الذى حكم مصر أكثر من خمسين عامًا، وحين مات كانت جنازته أكبر جنازة شهدتها البشرية، وحينما يُقارن المؤرخون جنازته فإنهم يقارنونها بجنازة جمال عبدالناصر، بعضهم يقول إن جنازة عبدالناصر أكبر، وبعضهم يقول إن جنازة تحتمس كانت أكبر، ولكن المشترك بينهما هو أن المصريين ظلوا يبكون تحتمس وعبدالناصر سنوات طويلة ويستحضرون صورتيهما، هل تعرفون لماذا؟ لأن تحتمس كان رمزًا للتحدى فى مواجهة الغزاة وفى مواجهة كوارث الطبيعة والفيضانات، لأن تحتمس حين تحدى انكسر وانتصر، وحينما انكسر شد المصريون من أزره، وحينما انتصر هتف المصريون بحياته لأنه شد من أزرهم، كانت فكرة تحتمس ترمى إلى إقامة إمبراطورية مصرية كبرى على طول مجرى نهر النيل العظيم، فكانت إثيوبيا وقتها ولاية من ولايات الوطن الأم، مصر، وكانت فكرة عبدالناصر إقامة إمبراطورية عربية كبرى، ولكن زمن تحتمس غير زمن عبدالناصر، فأصبح تحتمس أقوى حاكم عبر التاريخ كله، وأصبح عبدالناصر أحد التابوهات المقدسة فى ضمير المصريين لا يجوز المساس به.

ليست كلماتى هنا تدخل فى باب المدح، ولكننى هكذا قرأت الضمير المصرى الذى رأى فى عبدالناصر وعرابى وسعد زغلول زعماء مصريين، وسيرى فى السيسى الآن زعيمًا خرج من قلب مصر ليقودها فى معركة البقاء، ولكن ما هو سبب عشق المصريين للتحدى؟! أظنه المؤرخ المصرى الفذ شفيق غربال، رحمة الله عليه، هو الذى قال: «النيل منبع حياتنا، ومصر ما هى إلا الأراضى الواقعة على ضفتى النهر، وليس لها من حدود إلا المدى الذى تصل إليه مياه النهر، ومع ذلك فإن المصريين هم الذين خلقوا مصر، تأمل النيل مجتازًا آلاف الأميال من خط الاستواء إلى البحر الأبيض، هل تجد على طول مجراه إلا مصرًا واحدة؟ إن هبات النيل كهبات الطبيعة سواء بسواء، طائشة عمياء، إذا ما تركت دون ضبط فإنها تدمر كل شىء وتخلف مستنقعات الملاريا الوبيلة. والإنسان وحده هو الذى يستطيع أن يجعل من هذه الهبة نعمة لا نقمة. وقد كان ذلك ما عمله الإنسان فى مصر، فمصر هبة المصريين».

قد يظن الجهلاء أننا نجهل تاريخنا، ولكن لا يعلمون أن التاريخ يعيش فينا، والنيل يسرى فى عروقنا مسرى الدم، ويعيش فى ضمائرنا، نحن نختزن التاريخ والحضارة فى أعماقنا، ليس هذا من باب «الشوفينية» أو الاعتقاد المبالغ فيه، أو حتى النرجسية الوطنية، ولكنها الحقيقة، انظر معى إلى ما قاله المؤرخ الإنجليزى الكبير أرنولد توينبى الذى تتلمذ محمد شفيق غربال على يديه، واستمع معى إلى ما قاله: «إن المصريين الأوائل شأنهم فى ذلك شأن بعض الشعوب واجهوا بعد نهاية عصر الجليد التحول الطبيعى العميق فى مناخ الأرض، والذى تمثل فى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف»، ويرى توينبى أن الآباء الأول للمصريين استجابوا للتحدى حيث هبطوا بجرأة ليس لها حدود إلى مستنقعات قاع الوادى، وأخضعوا طيش الطبيعة لإرادتهم، وحولوا المستنقعات إلى حقول وحدائق تجرى فيها القنوات والجسور، وأقاموا البيوت ثم القرى ثم المدن، وهكذا استخلص المصريون أرض مصر من الأدغال الكثيفة والبرك والمستنقعات وتلال الطين المتراكم، وكان معهم آنذاك رجالٌ بصيغة زعماء لم يذكر لنا التاريخ أسماءهم يقودونهم فى بناء أول مجتمع حضارى فى العام، وبدأ المجتمع المصرى مع قائد مجهول قصة مغامراته الخالدة لتأتى بعد ذلك أجيالٌ وراء أجيال تسمع من الآباء والأجداد قصتهم مع التحدى، فيقع فى ضميرهم أن الذى فعله الأوائل لا يمكن أن يكون من فعل البشر، فجعلوهم أعلى من مرتبة البشر، والآن مصر كلها تقف صفًا واحدًا على قلب رجل واحد، ولن يستطيع أحد أن يخنق النيل وهذا شعبه.