رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أُم أنجلو

حين أخبرتنى «ماريا» أن والدتها انتقلت للتو إلى جوار ربها، لم أجد كلامًا يقال غير الكلام الذى يقال فى مثل هذه الظروف، وهو كلام أقل مما بداخلى، وحين اتصل شقيقها بعدها بربع ساعة، تأكدت أننا مقبلون على فقد أكبر من استيعاب وسائل التواصل وما تناقلته وسائل الإعلام عن رحيلها، الابن والابنة «أنجلو وماريا» من أقرب وأحب أصدقائى، وأعرفهما منذ ٣٢ عامًا، هى عمر علاقتى بهذه الأسرة الجميلة التى كانت فى فترات كثيرة سندًا معنويًا لى، «إيفيلين بوريه» هى عنوان للجمال والذوق والمحبة بمعناها الإنسانى الأوسع.

فى الطريق إلى قرية تونس بالفيوم فجر اليوم التالى لم يكن معى صوت محمد عبدالوهاب فى السيارة، كما يحدث دائمًا، ولكن صحبنى صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، هذه المرة لن تصافحنى ابتسامتها العذبة، كما حدث قبل أقل من شهر فى شم النسيم، كانت فى أحسن حال، وتتعافى من الكسر السخيف الذى أصيبت به.

هذه السيدة العظيمة التى تعرفت عليها وأنا فى مقتبل العمر فى سياق زمن وشخصيات وأحداث، والتى حين يذكر اسمها تشعر بطمأنينة على الوجوه- هى صديقة جيل الستينيات الذى يشعر تجاهها بامتنان وتقدير كبيرين، ربما بسبب مسيرتها فى مصر وإحساسها بالمسئولية تجاه أطفال ونساء قرية نائية دون كهرباء وصرف صحى ومياه نظيفة، وربما بسبب عدم انشغالها بما يشغل الأجانب فى مصر، هى مصرية حتى لو لم تحصل على الجنسية.

أتذكر مشاويرها الموسمية لتجديد الإقامة فى مجمع التحرير، وحواراتها وقفشاتها مع الموظفين الذين يعرفونها عز المعرفة، أتذكر جولاتنا فى مصر القديمة وانبهارها بالمبانى والمساجد القديمة، تتحول إلى طفلة وهى تكتشف بيتًا لم تشاهده من قبل، هى ابنة رجل الدين المسيحى الذى جاءت معه إلى مصر مطلع ستينيات القرن الماضى، ووقعت فى غرام الناس والبيوت والحكايات البسيطة الشجية.

زواجها من شاعرنا وصديقنا الكبير سيد حجاب جعلها جزءًا من نسيج الحياة الثقافية المصرية اليسارية، وبعد الانفصال والزواج من «أبوالعيال» ميشيل باستورى لم تبتعد عن عالم الأدباء والسياسيين، بل توسعت صداقاتها، واعتبرها الجميع واحدة من أهل البيت، لم تعمل بالسياسة، وعندما كان يحاول السياسيون استثمار اسمها فى المعارك الانتخابية أو أى نشاط آخر كانت ترد بتلقائية «أنا مش مهتمة بالانتخابات فى سويسرا، بس لو خدت الجنسية المصرية سأهتم بها فى مصر».

فى سنة ١٩٦٧، زار جان بول سارتر وسيمون دى بوفوار مصر بدعوة من مؤسسة الأهرام، وكان عدد من المثقفين فى السجن بينهم سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودى وإبراهيم فتحى وجمال الغيطانى ومحمد عبدالرسول ومحمد العزبى وغيرهم، وكان سارتر مدعوًا لمباركة أول تجربة اشتراكية فى المنطقة، ولكنه فاجأ عبدالناصر: «كيف تسمح بسجن أدباء وفنانين دون محاكمة؟»، وقدم له قائمة بأسماء المعتقلين، وهى القائمة التى غامرت «أم أنجلو» بتقديمها له باعتبارها سويسرية، لن يشك فى لقائها مع الفيلسوف الكبير أحد، وكانت سببًا فى الإفراج عنهم.

عندما وصلتُ تونس كان النهار يقول باسم الله الرحمن الرحيم، وكان الرجال الطيبون متراصين أمام البيت منذ أذان الفجر، وهناك من يُعدون الغذاء للمشيعين، وهناك من يكتبون اللافتات لتعليقها فى الشوارع، الحزن يخيم على المكان، هى من أوصت بدفنها إلى جوار مدرستها التى نشرت الخير والضوء على القرية، وإلى جوار البشر الذين عاشت معهم خمسين عامًا، وأعرف حكايات جميلة لها مع تلميذاتها وتلاميذها.

ورغم الطقوس المسيحية، دُفنت كما يدفن المسلمون الذين لم يتوقفوا عن التضرع للسماء، متجهين إلى القبلة والدعاء لها، مقبرتها فى القرية الثانية بمركز يوسف الصديق تطل على مشهد يرد الروح، جنازتها من الصعب التعبير عنها بالكلام ولا بالكاميرا، الحزن والإحساس بالفقد لا يعرفهما غير الذى يحس بهما، سهرنا ليلتها حتى الصباح، وكنت أتوقع أن تدخل علينا فى أى لحظة، فى طريق العودة أخذنى صوت عبدالوهاب إلى البيت.