رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

نظرة أوروبية على أزمة السد

على مائدة عشاء صغيرة التقيت سفير الاتحاد الأوروبى فى القاهرة «كرستيان برجر».. كان الضيوف أربعة إعلاميين مصريين كنت واحدًا منهم.. كان الهدف أن يحدثنا السفير عن مشروعات المياه التى يمولها الاتحاد الأوروبى، لكننا كنا مشغولين بالمياه من زاوية أخرى.. كنا مشغولين بمياه النيل وأزمة سد النهضة.. عندما يقابل الصحفيون مسئولًا تتحرك لديهم غريزة السؤال وتشغلهم عن أى شىء آخر.. الاتحاد الأوروبى يمول مشروعات للصرف الصحى فى مصر بـ«٢مليار يورو» تمول مشروعات فى ١٤ محافظة.. لكن ذلك يحدث ضمن استراتيجية الدولة المصرية، وبالتنسيق مع مبادرة حياة كريمة التى تتضافر فيها جهود أهلية وحكومية لتقضى على الظلم التاريخى الذى عانى منه الريف المصرى.. انتقلنا من هذه النقطة للهَم الآخر.. كيف ترى أوروبا أزمة سد النهضة؟ السؤال مهم.. لكن السفير منصب دبلوماسى.. لذلك فهو يجيب بطريقة معينة لإيصال رسالة معينة.. إنه يمثل أوروبا فى مصر.. وأوروبا لا تريد أن تكون طرفًا فى الصراع.. لكنه يقول إن موقف أوروبا مطابق لموقف مصر وهى ترى أنه لا بد من الوصول لاتفاق قبل بدء الملء الثانى للسد، وهو يقول إن الاتفاق يعود بفوائد اقتصادية على دول حوض النيل جميعًا التى يبلغ عدد سكانها ٣٠٠ مليون نسمة.. عندما سألته متشككًا عن نوع الفوائد الاقتصادية.. خصوصًا أن إثيوبيا تريد أن تبيع المياه لمصر.. قال إنه يقصد أن الوصول لاتفاق يضمن مناخًا آمنًا للاستثمار.. ويشجع رءوس الأموال على المجىء لدول حوض النيل بشكل عام.. الحقيقة أن الحوار كان أقرب لمواجهة وكنت أنا والزميلين محمود مسلم وعماد الدين حسين نكرر السؤال بصيغ مختلفة.. ماذا يمكن أن يقدم الاتحاد الأوروبى لحل الأزمة؟.. كما قلنا فإن أى سفير هو دبلوماسى ودوره ألا يبدو منحازًا لأى طرف.. ولكننا مصممون على الحصول على إجابة.. لقد سألناه عن مدى احتمال العالم لوقوع الأزمة.. وسألته أنا عن مدى تحمل الاتحاد الأوروبى عودة الهجرة غير الشرعية.. هو قال إنه ليس خبيرًا ليحدد الأضرار التى ستقع على مصر حال إكمال السد دون اتفاق، ثم تساءل هل هناك أضرار ستقع على مصر؟.. قلت إن البيانات الرسمية تؤكد وقوع أضرار مؤكدة وإن حصة مصر التقليدية وهى ٥٥ مليار متر مكعب ليست كافية من الأساس بسبب الزيادة السكانية وإن مصر دخلت حزام الفقر المائى بالفعل، فما بالنا بالنتائج المترتبة على ملء السد.. قلت إن بدء الملء الثانى سيؤدى لنقص ١٣مليار متر مكعب من حصة مصر والسودان.. سأل السفير.. هل الأضرار أكيدة؟ قلت له إن الدعاية الإثيوبية تقول إن الأضرار ليست أكيدة.. لكن البيانات تنفى هذا.. قال السفير إن الاتحاد الأوروبى لديه رغبة أكيدة فى الوصول لاتفاق، وإن هناك صيغًا مختلفة لإدارة الأنهار المشتركة فى أوروبا مثل نهرى الدانوب والراين، وإن كلًا منهما له مفوضية مختصة بإدارته.

السفير قال أيضًا إن الاتحاد الإفريقى يلعب دورًا فى إدارة الحوار، وإن أوروبا دعمت هذا الدور.. لكننى تخليت عن الروح الدبلوماسية وقلت له إن وساطة الاتحاد الأوروبي غير محايدة، فضلًا عن أنها غير فعالة.. وهو ما دفع مصر لأن توجه له الشكر على جهوده.. سألناه: هل فكرتم فى الضغط على إثيوبيا لتوقع الاتفاق ما دمتم ترونه ضروريًا؟.. رد: أنا لست خبيرًا فى الشأن الإثيوبى لأرى كيف يستجيبون للضغوط! لكن موقفنا هو ضرورة التوصل لاتفاق.

أما زوجة السفير السيدة «ماريلينا» فهى سيدة بالغة اللطف، وقد علمنا أنها يونانية الجنسية تعرفت إلى السفير فى جامعة لندن، وهى سيدة ذكية كانت تتابع الحوار وتتدخل تدخلات ذكية.. كان أحدها عندما تحدثت عن طرق استخدام الشعوب المختلفة للمياه.. وكيف أن الناس فى لندن لا يغسلون المياه بالماء الجارى، ولكن يستخدمون طرقًا أخرى أكثر توفيرًا للمياه.. كانت تلك طريقة ذكية لإيصال وجهة نظرها، وقد علقت قائلًا إننى ألاحظ أن العديد من رجال الدين لدينا يحدثون الناس عن ضرورة اختصار المياه المستخدمة فى الوضوء لأقصى حد ممكن.. وإن هذا نوع من التوعية بترشيد استخدام المياه.. ولكن فى الوقت نفسه لا يمكن أن نأتى لشعب تعود على وفرة المياه لآلاف السنين لنقول له غيّر عادات حياتك خلال شهور أو أسابيع قليلة لأن هذا سيبدو نوعًا من عدم العدل.. ذكاء السيدة «ماريلينا» ظهر مرة أخرى عندما واصلنا المشاغبة الصحفية والضغط على السفير ليعلن موقفًا واضحًا من قضية السد لتتدخل قائلة.. إنه ليس سياسيًا بل موظفًا مدنيًا.. وقد علقت قائلًا إن الزوجات دائمًا ينقذن الأزواج فى المواقف الصعبة.. أهم ما فى سياسات الاتحاد الأوروبى الجديدة أنها سياسات إنمائية، لا تتدخل فى شئون الدول.. وتنسق مشروعاتها مع الدولة المصرية.. أو هكذا بدا لنا الأمر. 

سألناه فى النهاية ماذا تتوقع؟.. قال أتوقع الوصول لاتفاق، ثم قال بالإنجليزية «ستمطر السماء».. نعم ولكن ماذا تمطر؟ هذا هو السؤال.