رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الديمقراطية على الطريقة الإثيوبية

نصف الإثيوبيين انتخب، الإثنين الماضى، ونصفهم الآخر انتحب، وما زال يواصل النحيب، بينما الحكومة الإثيوبية مستمرة فى بيع الوهم للطرفين، وأعلنت عبر وكالة أنبائها الرسمية عن «انتهاء الانتخابات العامة السادسة التى طال انتظارها بنجاح»، وتحت هذا العنوان، نشرت تقريرًا طويلًا زعمت فيه أن تلك الانتخابات كانت «ممتعة وهادئة للغاية»!. 

كلام مختلف، قالته بيرتوكان ميداكسا، رئيس المجلس الوطنى للانتخابات فى الدولة ذاتها، إذ أقرت بتعرض ممثلى عدة أحزاب للاعتداء الجسدى، وأكدت لوكالة «رويترز» أنها طالبت السلطات بعدم التسامح مع هذه «الأنشطة غير القانونية». كما تقدم حزب «المواطنون الإثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية»، مثلًا، بأكثر من ٢٠٠ شكوى، اتهم فيها ميليشيات مسلحة ومسئولين محليين بمنع مراقبى الحزب من دخول لجان الانتخاب. وأكدت ميريرا جودينا، زعيمة حزب «مؤتمر الأورومو الفيدرالى» المقاطع للانتخابات، أنه فى ظل الأوضاع القائمة لا يمكن تحقيق السلام أو الاستقرار أو التنمية الاقتصادية أو الديمقراطية ولو بعد ثلاثة آلاف عام!.

حزب «مؤتمر الأورومو الفيدرالى» ينتمى إليه جوهر محمد، المعتقل الآن على خلفية اتهامه بالتحريض على العنف، ويعد الأب الروحى لشباب هذه العرقية. وكان يملك شبكة إعلام محلية، تم اقتحامها واعتقال كل العاملين فيها. مع أنه لعب، مع المطرب هاتشالو هونديسا، الذى تم اغتياله، دورًا كبيرًا فى الاحتجاجات، التى أوصلت «أبى أحمد»، المنتمى إلى العرقية ذاتها، إلى الحكم. غير أن الأخير تخلى عن عرقيته، فتخلت عنه، وتحول مؤيدوه إلى معارضين، وقاموا أكثر من مرة بإحراق صوره والكتاب الذى أصدره بعد فوزه بجائزة نوبل للسلام!.

نسبة التضخم السنوى تبلغ الآن نحو ٢٠٪. ومن المتوقع أن يقل معدل النمو عن ٢٪، هذا العام، بعد أن تجاوز الـ١٠٪ فى أعوام سابقة. وبات اهتمام نحو ٨٠٪ من مواطنى هذه الدولة بالحصول على ما يأكلونه وتجنب رصاص الاشتباكات المسلحة، أكبر بكثير من اهتمامهم بمستقبل النظام الفيدرالى. وطبيعى أن يؤدى ذلك كله، إلى تقليص فرص «أبى أحمد» فى الفوز فى الانتخابات، خاصة بعد هبوط شعبيته فى موطنه الأصلى، أوروميا، الذى يسكنه نحو ٤٠٪ من تعداد إثيوبيا. لكن غير الطبيعى هو ما سيحدث، وسيحصد الحزب الجديد، الذى أسسه ويتزعمه المذكور، غالبية مقاعد البرلمان الفيدرالى، الذى ينتخب رئيس الوزراء.

شكليًا، تنافس أكثر من ٤٠ حزبًا، يمثلها ٩٥٠٠ مرشح، فى هذه الانتخابات. لكن ما حدث فعلًا هو أن المعارضين الرئيسيين إما خلف القضبان أو اضطروا إلى مقاطعة الانتخابات بعد تلقيهم تهديدات. إضافة إلى عدم إجراء الانتخابات، من الأساس، فى أربعة من أقاليم إثيوبيا العشرة، وتأجيلها فى بعض المناطق إلى ٦ سبتمبر المقبل، واستبعاد خمس الدوائر الانتخابية، بزعم وجود تحديات ومشاكل أمنية وخلل فى عملية تسجيل الناخبين. وفوق ذلك، لا تزال المعارك مستمرة فى إقليم تيجراى، المستبعد من الانتخابات، وذكرت تقارير أن قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» استعادت مدينة أديجرات، صباح الثلاثاء، وأن سكان المدينة خرجوا للاحتفال.

ما يوصف بـ«المجتمع الدولى»، والتكتلات والدول، التى تعتمد على إثيوبيا فى تحقيق أجندتها فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر والصومال، تابعت تلك الانتخابات بحذر شديد، واكتفت الولايات المتحدة بالإعراب عن قلقها إزاء اعتقال المعارضين واستبعاد عدد كبير من الناخبين. وجاء رد الفعل الأغرب من بيكا هافيستو، مبعوث الاتحاد الأوروبى إلى إثيوبيا، وزير الخارجية الفنلندى، الذى أعرب، يوم الإثنين، عن أمله فى أن تساعد تلك الانتخابات على تسهيل الحوار بشأن وضع «حقوق الإنسان السيئ» فى تيجراى، مع أنه قال، منذ أسبوع، أمام البرلمان الأوروبى، إن قادة إثيوبيا أكدوا له، فى جلسة مغلقة، أنهم يعتزمون إبادة سكان ذلك الإقليم!.

اتساع رقعة الاحتجاجات، سيكون هو الرد الطبيعى على نتائج تلك الانتخابات الشكلية أو الوهمية. وهو ما سيضع الحكومة الإثيوبية أمام خيارين أحلاهما مر، لأن قمع تلك الاحتجاجات بالقوة، سيؤدى إلى تمرد مسلح، والسماح بها يعنى فقدانها السيطرة. وتأسيسًا على ذلك، ولأسباب أخرى عديدة، ستواصل قواتها التحرش بالسودان على الشريط الحدودى، وستجهض أى محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن «سد النهضة»، وستحرص على أن تظل كل صراعاتها الخارجية مفتوحة، إلى أن تسقط، بثورة أو انقلاب، أو ينهار النظام الفيدرالى وتتفكك تلك الدولة.

الصناديق لا دخل لها، إذن، فى استمرار أبى أحمد رئيسًا لوزراء إثيوبيا أو إبعاده. وتفسيرًا لذلك، قال الموظف المتقاعد، يوهانس أسرات، لوكالة «رويترز»، وهو يحتسى «الجعة» فى العاصمة أديس أبابا: «نحن دولة شبه ديمقراطية». والجعة، لو لم تكن تعرف، هى أقدم المشروبات الكحولية فى العالم، وتتراوح نسبة الكحول فيها بين ٣ و٣٠٪، واسمها الأكثر شيوعًا هو البيرة!.