الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

إثيوبيا تنتخب.. وتنتحب

بعض الإثيوبيين يتوجهون اليوم، الإثنين، إلى صناديق الاقتراع، للإدلاء بأصواتهم فى انتخابات شكلية، تم تأجيلها ثلاث مرات، وكان من المتوقع أن تؤدى إلى تشكيل مشهد سياسى جديد، لكن الحكومة الحالية، اتخذت كل التدابير لضمان عدم حدوث ذلك.

تنقسم إثيوبيا إلى عشرة أقاليم، على أساس عرقى: أوروميا، أمهرة، تيجراى، عفر، الصومال الإثيوبى، بنى شنقول جومز، جامبيلا، هرر، سيداما، وإقليم شعوب جنوب إثيوبيا. ولأسباب مختلفة، لن يشارك فى الانتخابات إقليمان وأكثر من خُمس الدوائر الانتخابية فى ٦ أقاليم أخرى.

إلى جانب إقليم تيجراى، الذى لا تزال المعارك فيه مستمرة، منذ ٤ نوفمبر الماضى، جرى استبعاد إقليم الصومال الإثيوبى، ودوائر الأقاليم الستة، بزعم وجود تحديات ومشاكل أمنية وخلل فى عملية تسجيل الناخبين. وما يجعل النسبة تقترب من النصف هو أن بعض الأحزاب فى المناطق، التى تجرى فيها الانتخابات، أعلن مقاطعته اعتراضًا على سجن قادته.

الانتخابات هى السادسة، منذ إقرار البلاد الدستور الوطنى، سنة ١٩٩٤، وأول اختبار لـ«حزب الازدهار»، الذى أسسه أبى أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبى، فى ديسمبر ٢٠١٩، على أنقاض الائتلاف الحاكم السابق: الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية. وينافسه، على الورق، ٤٦ حزبًا، لا وجود على الأرض إلا لأربعة أو خمسة منها، أحدها حزب «بلدراس من أجل ديمقراطية حقيقية» المتحالف مع الحركة الوطنية لشعب أمهرة «أبن»، والذى يتزعمه الصحفى إسكندر نجا، المسجون منذ العام الماضى، عقب مقتل المطرب هتشالو هونديسا، واستطاع بعد معركة قضائية أن ينتزع، من محبسه، قرارًا من المحكمة العليا بحقه فى الترشح.

بدأت الحكومة الإثيوبية استعداداتها لتلك الانتخابات فى منتصف ٢٠١٩، باعتقال المعارضين فى أعقاب محاولة انقلاب مزعومة بإقليم أمهرة. ومع بداية سنة ٢٠٢٠، زادت الاعتقالات بشكل ملحوظ وطالت إلى جانب المعارضين، أنصارهم وأفرادًا من أسرهم، إضافة إلى صحفيين وفنانين. ثم كانت الحرب فى تيجراى والعنف فى أقاليم أوروميا وبنى شنقول جومز، التى تسببت فى موجات نزوح وحالة من عدم الاستقرار. ومؤخرًا، جرى تهديد بعض المرشحين ومنعهم من إقامة مؤتمرات انتخابية وتمزيق ملصقاتهم الدعائية، مع مضايقات أخرى ذات صلة.

العنف المحتمل، الذى حذر منه أمين عام الأمم المتحدة، فى بيان أصدره أمس الأول السبت، يحدث بالفعل. ولا نعتقد أن من وصفهم البيان بـ«أصحاب المصلحة» قد يستجيبون إلى دعوته ويمتنعون عن أعمال العنف والتحريض، كما لا نرى جدوى من تشجيعه «القادة والمشاركين فى الانتخابات» على تعزيز التماسك الاجتماعى ورفض خطاب الكراهية. وأساسًا، ليس معقولًا أن تجرى انتخابات آمنة ونزيهة، أو أى انتخابات، فى تلك البيئة السياسية والأمنية الصعبة، أو فى ظل حالات العنف الطائفى والحروب المستمرة فى العديد من الأقاليم.

هذه الانتخابات الشكلية، كان من المقرر إجراؤها فى مايو ٢٠٢٠، لكن قبل ذلك الموعد بشهرين، تم الإعلان عن تأجيلها إلى أغسطس التالى، بزعم وجود عقبات أمنية ولوجستية. ومع اقتراب الموعد الثانى تذرعت الحكومة الإثيوبية بانتشار فيروس «كورونا المستجد»، لتعلن عن تأجيل التأجيل الثانى. وبلا أى سند دستورى، أصدر المجلس الفيدرالى، الغرفة الأعلى للبرلمان، قرارًا بتمديد ولاية المؤسسات التشريعية والتنفيذية على المستويين المركزى والإقليمى. 

قرار التمديد، غير الدستورى، قوبل برفض واسع، ودفع حكومة إقليم تيجراى إلى إجراء انتخابات الإقليم، فى ٩ سبتمبر الماضى، فكان أن ردت الحكومة الفيدرالية بعدوان عسكرى، استهدف الإطاحة بالجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، الحزب الحاكم فى الإقليم، والذى ظل يحكم إثيوبيا لنحو ثلاثين عامًا. ولاحقًا، تم الإعلان عن إجراء الانتخابات فى ٥ يونيو الجارى، ثم تأجلت إلى اليوم. وخلال كل تلك التأجيلات، كان المجتمع الدولى يدرك أن سببها الرئيسى هو ضمان استمرار الحكومة الحالية، ما دفع الاتحاد الأوروبى للامتناع عن إرسال مراقبين.

الانقسامات الإقليمية والعرقية فى أجزاء متعددة من إثيوبيا «تهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها»، حسب بيان أصدرته الخارجية الأمريكية، فى ١٣ يونيو الجارى، أعربت فيه عن «قلقها البالغ بشأن البيئة التى ستجرى فى ظلها الانتخابات». وأشارت إلى أن ما يثير القلق بشكل خاص هو استبعاد قطاعات كبيرة من الناخبين. كما توقف البيان، أيضًا، عند العقبات التى تحول دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة: اعتقال المعارضين، مضايقة وسائل الإعلام المستقلة، و... و... واستمرار النزاعات العرقية والطائفية فى جميع أنحاء إثيوبيا. 

نصف الإثيوبيين، إذن، ينتخب، ونصفهم الآخر ينتحب، بينما الحكومة الإثيوبية تحاول بيع الوهم للطرفين، وتواصل تصريحاتها العدائية ضد مصر والسودان، وترد على الإدانات الدولية والأممية لجرائمها ضد شعبها، بأنها لا يعنيها الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب، كما قالت بيلين سيوم، المتحدثة باسم رئيس الوزراء الإثيوبى!.