الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الموسيقى وقوة ونهضة البشر والدول

21 يونيو هو اليوم العالمى للموسيقى، وهو أيضًا بدء موسم الصيف 21 يونيو- 21 سبتمبر، عند اختيار هذا اليوم ليكون يومًا عالميًا للموسيقى، هل كان متعمدًا أن يكون هو اليوم نفسه لبداية الصيف؟؟.

هل لأن غالبية الناس يعتقدون أن الصيف هو موسم الانطلاق والسفر إلى البحر، ومثلما يتخففون ويتحررون من الملابس الثقيلة، يتخففون ويتحررون من الهموم الثقيلة وليس هناك أجمل من الموسيقى لتصاحب هذا الانطلاق؟ ربما.

أنا شخصيًا أعتقد بل أؤمن بأن الموسيقى ضرورية لكل الأوقات والمواسم والمناسبات والذكريات والأوقات، صلاحيتها ممتدة، سخية، تمنح عطاءها للجميع، لا تفرق بين أحد، فى منتهى الديمقراطية والعدل، كل الذى تطلبه أن يكون للشخص أذن نظيفة، حساسة، تلتقط التناغم وتلفظ النشاز.

إن علاقة مجتمعاتنا بالموسيقى العربية أو الشرقية أو الغربية، بصفة عامة، علاقة لا تدخل فى صميم وجودنا الفعلى الثقافى الحضارى اليومى، لا بد أن نفكر فى قضية الموسيقى بجدية، فهى فى أهمية الإصلاح الاقتصادى والتنوير الثقافى وفصل الدين عن المجتمع وتحقيق العدالة الإجتماعية وحماية البيئة ونسف الذكورية ومكافحة الإرهاب والتطرف والتعصب والتجارة بالأديان.

ولا يمكن أن نغفل أنه ليس هناك ما يمكن أن يوحد الناس ويشعرهم بالألفة وبالطاقات الإنسانية المشتركة والبهجة المتبادلة مثل الفن، على الأخص فن الموسيقى، فالموسيقى لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة أو شرح أو تفسير، ليس عندى أى شك فى أن التدهور الثقافى والفنى والحضارى والإنسانى الذى يصيب شخص أو جماعة أو مجتمع هو نتيجة مباشرة لاختفاء الموسيقى من الحياة أو أنها على هامش الحياة.

المتأمل لحياتنا الموسيقية على مدى نصف القرن الماضى، يتأمل كيف أصبحت الموسيقى بشكل عام مجرد احتفالات ومهرجانات وأغنيات مستهلكة الكلمات ضحلة المعانى، مكررة العواطف، وبعض من كثير يحتوى على كلمات تقع فى قائمة الألفاظ قليلة الحياء، حتى الموسيقى التصويرية للأفلام عبارة عن جمل موسيقية مرصوصة بشكل آلى تشبه بعضها البعض وفى أغلب الأحيان لا تعبر عن الدراما فى الفيلم، لكنها تعبر عن عمل يتعجل الفلوس والأضواء.. الموسيقى المصاحبة للأغنيات، أى الألحان، أغلبها لا يحقق المتعة والإلهام والنشوة الروحية المميزة لصنع النغمات المعبرة عن الكلمات التى هى أصلاً مكتوبة كحرفة وليس كهواية لإسعاد الذات وإسعاد الناس.

لا عجب أننى أعيش على الأغنيات التى أنتجت فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى لمطربات ومطربين، كل واحدة منهن، وكل واحد منهم، له بصمة مميزة، وكل ملحن له مذاقه البديع الخاص، أما الموسيقى البحتة فالحديث عنها ذو شجون، فهى انعدمت أو انقرضت، إلا مما يذيعه البرنامج الموسيقى فى الإذاعة المصرية من إبداعات كلاسيكية غربية من قرون مضى وما زالت حية مضيئة وملهمة.

ولا ننسى أن هناك بعض الفنانين القلائل من مصر الذين أبدعوا فى الموسيقى البحتة أو التأليف الموسيقى مثل "عبدالوهاب، فريد، محمد القصبجى، رياض السنباطى، أبوبكر خيرت، عزيز الشوان، يوسف جريس، عواطف عبدالكريم، طارق على حسن، سليمان جميل، سمحة الخولى، عطية شرارة، رفعت جرانة، فؤاد الظاهرى، عادل كامل، على إسماعيل، محمود كامل، بليغ حمدى، حسين جنيد، عبدالحليم نويرة، منى غنيم، هانى شنودة، هشام نزيه، راجح داود"، وأعتذر لو كنت قد نسيت أحدا من عظماء الموسيقيين فى مصر غير مَنْ ذكرتهم، لكنهم بالتأكيد باقون مخلدون فى ذاكرة التأليف الموسيقى المصرى.

إن التأليف الموسيقى البحت أصعب بكثير من التلحين، فوضع موسيقى على مقاس كلمات جاهزة ومضمون ملموس لا يشكل تحديًا للفكر والخيال والإبداع مثلما هو الحال مع موسيقى خالصة ليس لها مضمون تعبر عنه.

إن الموسيقى سواء كانت بحتة أو لحنًا لأغنية هى من المقومات العقلية والوجدانية والشعورية والعاطفية الرفيعة لكل إنسان مهما كانت درجة تعليمه أو ثقافته أو تجاربه أو نوع طبقته وإلى أى شريحة وفئة وأيديولوجية ينتمى، هذا بفرض أنها "محبوكة" فنيًا وجماليًا ومصنوعة بشغف وحب وفلسفة راقية وليس دافعها الفلوس والشهرة والمديح.

كتب "ابن خلدون"، 27 مايو 1332- 17 مارس 1406، فى مقدمته المؤلفة سنة 1377: "لا أبالى بمَنْ يحكم بلادى طالما أنا أكتب أغنياته"، فالأغنية لديه هى عنوان قوة الدولة ونهضتها وصواب سياساتها، ومَنْ يتحكم فى صناعة الغِناء والموسيقى فى أى بلد إنما يتحكم فى حاضره ومستقبله.

ولا يوجد فيلسوف على كوكب الأرض قديمًا وحديثًا له قيمة مرموقة إلا وتكلم عن أهمية الموسيقى ودورها وسحرها وتأثيرها على حسن الأخلاق وتدعيم طاقات الخير داخل النفس، وتبديد الحزن واستلهام نشوة التوحد مع أسرار الكون، والسفر إلى آفاق وخيال وعواطف تثرى القلوب وتقتل الكراهية والتعصب والاستعلاء المغرور وكل حماقات البشرية.

وهذا يفسر لماذا أصحاب الأفكار الدينية المتعصبة المتطرفة وأنصار الدول الدينية يكرهون الفن والموسيقى والغِناء مثل كراهيتهم للدولة المدنية وحرية النساء.

من بستان قصائدى
حينما ينهمر "المطر"
فى موسم الصيف
سوف حتمًا تتغير
خطط وملامح القدر