رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حوار بين جيلين (3/2)

فتحي إمبابي: شرائع البحر المتوسط محصلة إبداعية بحثًا عن إجابات النكسة

فتحي إمبابي ومنى
فتحي إمبابي ومنى العساس ومحرر الدستور

في الحلقة الماضية تحدث الروائي فتحي إمبابي عن مشروع النيل أو ما يسميه بخماسية النهر الذي بدأه برواية  نهر السماء وتبعها بعتبات الجنة، مشيرًا إلى أهمية ودور الرواية التى وصفها بأنها ديوان الحياة المعاصرة، لافتًا إلى دور وأهمية المرأة كشريك فاعل في مجالات الحياة كافة.

"الدستور" تواصل الحوار بين جيلين، جيل الروائي  فتحي إمبابي بكل ما حققه من انتصارات وانتشار، وجيل الشباب و وتمثله الكاتبة الروائية منى العساسي والتي تطرح أسئلتها  ليجيب عليها  صاحبة "عتبات الجنة ".

هل الكتابة الإبداعية قرار اختياري من الكاتب؟

بالتأكيد في ظل توفر الموهبة يكون الإبداع قرار اختياري يتعلق بشغف المبدع بهذا الفن العظيم، ووعيه بقدراته الذاتية، وإيمانه بمفهوم الحرية، وانحيازه إلى العقيدة الإنسانية على ما عداها من معتقدات وأيدولوجيات، والرواية فن ذاتي ينتجه فرد والاشتغال بالفن يكون خلاقا مبدعا طالما كان الفنان حرا من كافة العوائق والالتزامات المادية والمعنوية، والفن إذا تحول إلى مهنة فثمة احتمال لأن يفقد قدرا من موضوعيته حال تلبيته إلى ارتباطات تجارية أو وظيفية، لكن الأمر يأخذ طابعه السلبي عندما يضطر الفنان إلى التنازل عن معاييره الفنية والقيمية لصالح مُنتج أو جمهور أو سلطة تمثل مركز قوة ما. 

لكن هل يمكن أن تكون الكتابة مهنة؟

في عالمنا اليوم أدت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية إلى جعل كتابة الرواية عبئا على المبدع، فالغالبية العظمي من الكتاب يضطرون إلى النشر على نفقتهم الخاصة دون عائد مادي يُذكر، وفي المقابل يتوقع جمهرة المثقفين الحصول على النصوص كهدايا، أما عن النقد والإعلام فتلك قضية أخري. 

من جهة أخرى، قد تدعونا هذه الفكرة القديمة إلى التساؤل عن المهن التي تجعل من الكاتب شهيرا وغنيا، وكيف يكون الأدب مهنة مجزية، ومربحة بصورة هائلة. نحن هنا بإزاء ظهور أنماط جديدة من الوظائف المتعلقة بالكتابة. ظهرت في العقود الأخيرة 

النمط الأول يتمثل عندما يلعب الإعلام الصحفي والمَرئِيّ دورا حاسما في جعل كُتاب متوسطي الموهبة نجوم شباك، توزع أعمالهم بعشرات الألاف، وقد تحول إلى أفلام، والقارئ عادة لا يملك الحساسية الخاصة بتقدير التباين بين الأعمال الهامة والعميقة من الضعيفة، وإنما يتقبل بكل سرور ما يعرض عليه ويروج له كي يلبي احتياجاته الماسة للإشباع الروحي فيما يتعلق بالآداب والفنون. 

النمط الثاني أن كوكبة من الأدباء والشعراء قد يجدون أن العمل في المؤسسة الثقافية أو الجمع بين الإبداع والعمل في الإعلام والصحافة حلا لهذه المشكلة المتعلقة بتوفير دخول مادية معقولة.

النمط الثالث هم بعض من أولئك الذين يجمعون بين ممارسة الإبداع والعمل كمندوبين لمكاتب صحافة وإعلام النفط في القاهرة، إنهم مصدر لتدفق الدولارات والدينار في الأوساط الثقافية المصرية شبة الفقيرة أو المعدمة، هذا يخلق شريحة من المنتفعين أحيانا تفتقد المصداقية، وتخنق التطور الثقافي والإبداعي الحر،

ينبغي القول إن العمل في كل هذه المؤسسات أمر طبيعي في حد ذاته، وهو حق مشروع ، وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد أن هناك عدد من المبدعين العاملين في تلك المؤسسات يعدون نماذج مشرقة بحق ونحمل لهم الإجلال والتقدير بينما البعض الأخر يأخذ أكثر بكثير جدا مما يستحق.

في النهاية، عندما يفتقد الواقع إلى العدالة والمصداقية تتحول مهنة الكتابة إلى حمل مادي ثقيل على المبدع، يدفع الفنان المستقل في بلادنا إلى امتهان عمل موازي يلبي احتياجاته المادية، ويوفي التزاماته الإنسانية والاجتماعية.

 الكتابة عن التاريخ تيمة في كتاباتك الإبداعية الروائية التي يمكن فيها الانفصال عن تاريخ وتقديم وجهة نظر تخيلية.. هل يمكن لنا أن نقول إنها دفعتك الى كتابة التاريخ شرائع البحر المتوسط؟

بالطبع كانت شرائع البحر المتوسط محصلة لعملية إبداعية وثقافية طويلة بحثا عن إجابات لأسئلة وضعتها على السطح الهزيمة القاسية في يونيو 1967، لتنبلج من خلال تلك العلاقة الجدلية بين البحث والشغف بمعرفة الحقيقة وصهر الكاتب لتلك المعرفة من خلال مخيلته وقدرته الإبداعية وثقافته وشغفه في الغوص في تاريخ جماعته البشرية وقدرته على التخيل والابتكار لبناء نص روائي، لقد وضعت رواية نهر السماء التي نشرت عام 1987 جل الأسئلة التي دفعتني إلى البحث عما عرف لاحقا بقضية الهوية، لبلوغ مجموعة من الحقائق والمفاهيم لم تكن معروفة، أو بمعني أخر كانت مختفية خلف أوهام تعظيم الذات الجمعية والتحجج بعظمة حضارة الأجداد، وعجائب الأثار التي يشهد التاريخ بعظمتها (كما كانت عليه المرحلة الناصرية). 

وكانت سنوات الشلل العام وعبادة الموتى التي سبقت ثورة يناير 2011 دافعا للانغماس في البحث في قضية الدستور، وأثناء كتابتي لكتاب جوهر الدساتير عام 2007 استقرت القواعد الأولي لكتاب شرائع البحر المتوسط، وهو ما تبلور بعد ثلاثين عاما من البحث والاستقصاء في كتاب شرائع البحر المتوسط الذي نشر عام 2018. 

 بين الإبداع الأدبي والتنظير النقدي معركة دائمة.. فكيف ترى هذا الأمر حدثنا عن المشهد النقدي المصري وإشكالياته؟

أولا على المستوي النظري: أزمة النقد المصري والعربي تتعلق بعدد من الإشكاليات، منها أن المدارس النقدية والمؤسسات الأكاديمية تميل للتبعية إلى كل ما يصدر عن الغرب من أفكار ونظريات، والتطلع نحو الغرب أمر مهما وليس عيبا، ولكن الإشكالية تتمحور حول عدم تبين الفوارق العميقة في مستويات البني الاقتصادي والاجتماعي والثقافية في مجتمعاتنا التي هي رغن كونها متخلفة إلا أنها عريقة. وهو ما ينعكس على تبابين طبيعة وتنافر أو تناغم أشكال الإبداع والفنون، ومنها أنه من العماء تجاهل التباين الشديد في الأهداف بين الغرب ومجتمعاتنا العربية.

ثانيا: على المستوي الخاص او الذاتي: يتعلق الأمر بحرية الناقد الفكرية واستقلاله المادي، حتى لا يضطر إلى أن يكون إنتاجه أسير طلبات (الآخر)، وهذا الأخر قد يكون طلبا للنفوذ أو للدولار أو الدينار، لهذا يعد تعدد وتوفر المؤسسات الإعلامية الديمقراطية والمعاهد الفنية ووسائط النشر والإعلام التي تستقبل إنتاجه مقابل عائد مادي مجزي دون النظر لانتماءاته النقدية أمر شديد الأهمية.

ثالثا: على المستوى الوطني العام: ينبغي توفر مؤسسات أكاديمية وطنية ذات كفاءة عالية، وتضع قيم الجدارة العلمية على رأس أولوياتها وتدعم بصرامة حرية الفكر والإبداع.

حدثنا عن رؤيتك لمستقبل الأدب في مصر؟

المبدع المصري مثله مثل نهر النيل، متجدد لا يتوقف عن السريان، ولهذا قيل (مصر ولادة)، وهذه حقيقة ساطعة لا مراء فيها، والحركة الثقافية لا تتوقف عن الإبداع والإنتاج، وفيما يتعلق بفن الرواية والقصة تحديدا فهناك كاتبات وكتاب يتسمون بالجدارة. نعرف البعض، وللأسف قد لا نعرف الكثير. وأنا أتمنى على السلطة الثقافية أن تكون ضمير الشعب، أن تكون ديمقراطية فيما يخص حماية الأدب الرفيع من الأدب الرديء.

كيف ترى الجيل الجديد من الكتاب والكاتبات؟ 

المبدعون المصريون مثلهم مثل نهر النيل عطاء متجدد لا يتوقف عن الإنتاج، وكثير منهم يقدم مستويات أدبية غير مسبوقة، ولا يتم معاملتهم بالتقدير المناسب.