الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بوتين - بايدن.. صفر - صفر

قبل وصوله إلى جنيف، قال الرئيس الأمريكى جو بايدن: «بوتين هو بوتين، ولا أتوقّع منه أن يتغيّر». وبعد مغادرته المدينة السويسرية، التى استضافت أمس الأول، الأربعاء، القمة الأمريكية الروسية الأولى فى عهده، يمكننا أن نقول إن بايدن لم يكن هو بايدن النائم، أو عديم التركيز، بل استطاع تفادى لكمات نظيره الروسى وتمكّن من إنهاء المباراة بالتعادل السلبى: صفر - صفر.

قضية النكسات، الهزائم أو الهجمات السيبرانية أو الإلكترونية، التى شهدتها الولايات المتحدة، كانت أبرز الموضوعات على جدول نقاشات الرئيسين. وكما توقعنا، فى مقال سابق، فاجأ بوتين نظيره الأمريكى بردود قوية وبأمثلة عديدة على تعرض روسيا لهجمات إلكترونية أمريكية. وأشار إلى أن بلاده تحاول منذ ١٥ سنة التوصل إلى اتفاق دولى للحد من استخدام سلاح المعلومات، لكن الولايات المتحدة نسفت هذه المحاولات. وبعد القمة، قال بايدن إنهما اتفقا على تكليف خبراء البلدين باستكشاف ما إذا كان بالإمكان وضع ترتيب بشأن أمن الإنترنت، والتوصل لتفاهمات محددة بخصوص القطاعات التى ستكون بمنأى عن الهجمات الإلكترونية. 

ذهب بوتين إلى القمة متسلحًا بأسلوبه التكتيكى العملى. واستبق اللقاء بأن أعلن عن استعداد موسكو لتبادل قراصنة الإنترنت مع الولايات المتحدة، لكن مع الالتزام بعدد من الشروط. بينما غادر بايدن بروكسل بتفويض واسع من حلفائه الأوروبيين، مع نصائح بعدم إغلاق قنوات التعاون والحوار مع موسكو. وبأن يضع نصب عينيه ذلك التحالف الذى يتشكّل ببطء بين روسيا والصين، إلى جانب الملفات الحساسة التى حملها، أو تم تحميلها له، من النكسات أو الاعتداءات الإلكترونية، إلى استخدام القوة لبسط النفوذ الإقليمى، إضافة إلى قضية أفراد مشاة البحرية الأمريكية السابقين، المحتجزين حاليًا فى سجون موسكو، الذين قال بوتين إن بلاده قد تكون على استعداد للنظر فى مبادلتهم برعاياها المحتجزين فى السجون الأمريكية.

المرة الأولى التى استضافت فيها جنيف قمة أمريكية روسية، كانت سنة ١٩٥٥، وفيها التقى دوايت آيزنهاور نظيره السوفيتى نيكيتا خروتشوف، على هامش اجتماع «الأربع الكبار»: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى وبريطانيا وفرنسا، الدول المنتصرة فى الحرب العالمية الثانية. وبعد ٣٠ عامًا من ذلك اللقاء، استضافت جنيف، أيضًا، قمة رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف، التى استمرت ٣ أيام، وأدت لاحقًا إلى إنهاء الحرب الباردة. 

القمة الأحدث تناولت، كما أشرنا، عددًا من الموضوعات الحساسة، إضافة إلى اتهامات وتحذيرات من تجاوز «خطوط حمر»، بات الحديث عنها مكررًا، وطبيعيًا، وبلغت بسببها العلاقات بين واشنطن وموسكو، مستوى من التوتر لم تعرفه منذ عقود. غير أن الرئيسين اعتمدا إعلانًا مشتركًا يهدف إلى منع نشوب حرب نووية. واتفقا على بدء مناقشات حول تعديلات محتملة فى معاهدة «نيو ستارت» للحد من انتشار الأسلحة النووية. كما اتفقا على استئناف محادثات الحد من التسلح وعودة سفيرى البلدين بعد سحبهما فى وقت سابق هذا العام. وأكدا أنهما يعتزمان تهدئة التوتر، خلال مؤتمرين صحفيين منفصلين عقب القمة، أرادت واشنطن بفصلهما تحاشى أى فخ قد ينصبه بوتين كما فعل سابقًا مع دونالد ترامب وباراك أوباما.

بهدوء، أو ببرود، أعرب بايدن عن ثقته بأن نظيره الروسى لا يريد حربًا باردة جديدة. ووصف النقاشات بأنها «كانت جيدة.. وإيجابية»، وقال إنه أبلغ بوتين بضرورة أن تكون البنى التحتية الحيوية بمنأى عن «الهجمات الإلكترونية». وأضاف: «أوضحت أننا لن نتسامح مع محاولات انتهاك سيادتنا الديمقراطية أو زعزعة انتخاباتنا الديمقراطية وسنرد» حال حدوث ذلك. أما الرئيس الروسى فوصف المحادثات بأنها كانت بنّاءة وفتحت قناة مهمة للحوار المباشر، وإن أشار إلى وجود موضوعات لم تكن تستدعى النقاش بشأنها!

بسؤاله عن أليكسى نافالنى، المسجون حاليًا، والذى تطالب الولايات المتحدة بالإفراج عنه، أجاب بوتين بأن المذكور تعمّد انتهاك القانون أكثر من مرة، وأنه لا مجال لبحث هذه القضية مع روسيا التى «لا تقبل دروسًا من أحد فى موضوع حقوق الإنسان». وردًا على سؤال بشأن حرية التعبير، أشار الزعيم الروسى إلى ما يتعرَّض له السود والأقليات الأخرى فى الولايات المتحدة، وإلى ما حدث خلال الهجوم على مبنى الكونجرس، وقال: «نتعاطف مع ما يحدث هناك، لكننا لا نتدخّل فى شئون الآخرين». ثم أنهى كلامه بأن بايدن لم يوجه إليه دعوة لزيارة البيت الأبيض، مشددًا على ضرورة توفر الظروف المناسبة لمثل هذه الزيارة.

التعادل السلبى، يعنى بقاء العلاقات، شديدة التوتر بين البلدين، على ما هى عليه، لكنه لن يمنع استمرار الحوار بين الرئيسين. ولعلك تعرف أن الدولتين كانتا تتواصلان فى أكثر فترات الحرب الباردة سخونة وتوترًا، وأن حرارة «التليفون الأحمر» لم تنقطع بين البيت الأبيض والكرملين.