رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

سعدى

كنا فى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى، وكانت القاهرة تستعيد حيويتها بعد سنوات من القطيعة العربية لها بسبب اتفاقية كامب ديفيد، وجاء سعدى يوسف للمشاركة فى أسبوع دعم القضية الفلسطينية.

كنت قد قرأت له ديوانيه الشهيرين: الأخضر بن يوسف ومشاغله، وتحت جدارية فايق حسن، وكنت معجبًا بنبرته الخافتة وإيقاعه الرهيف، وأعرف أنه يعيش فى المنفى منذ عام ١٩٧٩ متنقلًا بين العواصم، وكنت قد أصدرت ديوانًا واحدًا قال بعض النقاد إننى متأثر فيه بشعر سعدى، لم يزعجنى هذا، رغم أننى فى تلك الفترة كنت متأثرًا أكثر بشعر محمود حسن إسماعيل وأحمد عبدالمعطى حجازى وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل ومحمود درويش ونزار قبانى.

كان يسكن مع الوفود المشاركة فى فندق شبرد، قيل لى إنه يبحث عنى، فذهبت إليه، لم تكن هناك معرفة مسبقة، كان قادمًا من دمشق، وطلب منه سعدالله ونوس أن يتعرف علىّ، وكان المسرحى السورى العظيم فى القاهرة قبلها بوقت قصير مدعوًا ومكرمًا فى مهرجان المسرح التجريبى الأول وتصادقنا وأمضينا معًا أوقاتًا جميلة فى أحياء القاهرة القديمة بعيدًا عن صخب الفلاشات، الحميمية والصوت الخفيض والابتسامة الصادقة والبساطة، صفات اجتمعت فى شخصه كما هى فى شعره.

بعد يومين استقبلنى غاضبًا، وقال إنه يريد أن يترك الفندق الآن، بعد خلاف مع أحد السياسيين الفلسطينيين الذين وجهوا له الدعوة، كنت أعيش فى مكان متواضع لا يليق بضيف عزيز، اتصلت بصديقنا الطبيب النفسى أشرف سلامة الذى يعيش بمفرده فى شقة واسعة فى المنيل، والذى وافق على استضافته، كانت حقيبته تشبه أنبوبًا طويلًا مغلقة فوهتاه، صعدنا الطوابق الخمسة أنا وهو وصديقى إبراهيم عبدالفتاح فى وقت طويل، استقبلنا الدكتور بملابسه الداخلية يسبقه الدخان وفى يده الجوزة، استقبلنا حانقًا ودون توقف عن السباب، وتعامل مع سعدى على أنه أحد أصدقائه فى الغورية، لم يتوقف الشاعر عن الضحك، الضحك الذى تصاحبه دموع، بسبب المشهد السريالى الذى وجد نفسه فيه.

طبيب نفسى يدخن بشراهة، غاضب، يشتم جهاز التليفزيون ويضربه لأن «الزمالك دخل فيه جون»، أحبه سعدى، ولكنه قال إنه لن يسكن معه، وقرر أن يذهب عند الدكتور سيد البحراوى، توالت زياراته للقاهرة وكان لا يأنس إلا لعدد قليل من الأصدقاء على رأسهم الأستاذ علاء الديب، يتحرك فى القاهرة الخديوية كأنه فى ملاعب طفولته.

فى ٢٠٠٧ كانت الدورة الأولى لملتقى الشعر العربى، وتم الاتفاق على منح الجائزة إلى محمود درويش، اتصل أمين المجلس الأعلى للثقافة بالشاعر الفلسطينى الكبير، الذى اعتذر، فاتجهت الدعوة إلى سعدى، ولكن درويش غيّر رأيه وقبل الدعوة، وفاز بالجائزة، وسافر إلى المغرب، ولكنه قرر العودة إلى القاهرة للاعتذار لسعدى بعد معرفته بما حدث.

كان اللقاء فى منزل الأستاذة منى أنيس، قال لى إن درويش يريد أن تكون موجودًا، وكانت ليلة فى المحبة بين كبيرين، فى حضور مريد البرغوثى ومحمد شعير ومهدى مصطفى، حكى فيها سعدى عما فعله معه درويش فى المنافى، وكانت هذه آخر ليلة لدرويش فى مصر.

سعدى يوسف الذى رحل الأحد الماضى وحيدًا فى لندن عاش حياته كما أراد، عاش حرًا يخطئ ويصيب، لم يتوقف عن كتابة الشعر والمغامرة ومحبة الحياة، هو شاعر التفعيلة الذى لم تكن له خصومة مع قصيدة النثر، بل كان مؤثرًا فيها، معظم قصائده الأخيرة كان يرسلها لى لنشرها فى مجلة «إبداع» التى لا تدفع للكتّاب العرب الكبار بالدولار ولا بالجنيه، بارك ثورتى يناير ويونيو، وكانت محبته لمصر عظيمة، لدرجة أنه سعى للعيش فيها، ولكنه فشل لأسباب لا داعى لذكرها.

لم يبارك الاحتلال الأمريكى لبلاده، لم يدافع عن مستبد، رحل سعدى يوسف الشاعر والصديق، وبقيت قصيدته وسيرته، وستظل ابتسامته معلقة فى مكان ما.