رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شخصيات فى حياتى.. بورتريه للست أم نعناعة

أذكر أننى فى طفولتى كنتُ أُكثر من الأسئلة، ولكن السؤال الأكثر إلحاحًا كان: أين أمى؟ ولم أكن أتلقى إلا إجابة واحدة: «أمك فى المستشفى»، بينما كانت الإجابة الحقيقية من الأطفال الأكبر منى: «أمك ماتت»، وكانت هذه الإجابة أول لقاء لى مع الموت. 

وُلدتُ بعد سنوات قليلة من اشتعال الحرب العالمية الثانية، كانت جدتى لأبى حكّاءة تـُجيد فن الحدوتة، شغلنى سؤال عن عمرى وقت وفاة أمى، قالت جدتى إنها لا تذكر، ولكنها تذكر أن مَن أكملتْ رضاعتى هى «أم نعناعة».. وكانت هذه هى المرة الأولى التى أسمع فيها هذا الاسم.. طلبتُ من جدتى المزيد من التفاصيل، قالت إن أم نعناعة وضعتْ ابنتها «وردة» بعد أيام من ولادتى، وعندما علمتْ أن أمى دخلتْ مستشفى الحميات أخذتنى إلى شقتها، ثم حكتْ عن ذلك المشهد الذى أثار دهشتى، قالت إنها رأتها تضعنى على فخذها وتضع وردة على الفخذ الأخرى، وتضع حلمة ثديها فى فمى والحلمة الثانية فى فم وردة.. وعندما أبديتُ دهشتى قالت إن أم نعناعة كانت تأكل الكثير من الفجل والحلاوة الطحينية. 

فى بداية الستينيات من القرن العشرين تعديتُ سن العشرين، وتعاظم شغفى بالقراءة، وتعمدتُ أن أستفز جدتى، قلت لها إنك تخلطين بين حواديت الخيال والواقع، خبطتنى على فخذى وقالت: «إنت بتسدّق الكتب وتكدّب ستك».. (يقول شعبنا للجدة «ستى» وللجد «سيدى»).. يبدو أن استفزازى لها جعلها تُسهب فى التفاصيل، قالت إن أم نعناعة كانت تعمل فى مصنع للصابون، وهى التى تنفق على أولادها بعد وفاة زوجها الفران، ولذلك تركتنى أنا ووردة مع جدتى بعد ولادتها بأسبوع.. كانت تخرج فى السابعة صباحًا، وقبل أن تُغادر البيت كانت تعصر ثدييها فى زجاجة كبيرة، وكانت الزجاجة تمتلئ بلبنها، هذا اللبن كان غذائى أنا ووردة حتى تعود من عملها.. وعندما أبديتُ دهشتى للمرة الثانية، زغدتنى فى فخذى وقالت: «دا اللى أنا شفته بعينىّ، ولا عايز تقاوحنى وخلاص؟! والبركة فى الفجل والحلاوة الطحينية». 

مع مرور الأيام تتمحور أشجانى حول أمى التى حكتْ لى جدتى «وخالتى» الأساطير عن طيبتها وجمالها، وحول «أم نعناعة» التى سرّبتْ لبنها إلى وجدانى، أستحلب العزاء من حكايات جدتى وخالتى، أضع رأسى على حجريهما وأطلب منهما البوح بكل ما تعرفان. قالت خالتى إن أمك وأم نعناعة كانتا صديقتين، وإن أمك عندما كانت تزور السيدة زينب كانت أم نعناعة تأخذ أولادها جرجس وإبراهيم وإيزيس ونعناعة لتزور الست الطاهرة «أم هاشم» مع أمك، وإنْ أمك كانت تذهب مع أم نعناعة لحضور مولد الست العدرا «السيدة العذراء» فى حى الزيتون، وإن أم نعناعة كانت تصوم معنا معظم أيام شهر رمضان، وعندما حملتْ فى ابنتها وردة قالت إنها ستوزع العيش والفول النابت أمام ضريح السيدة زينب بعد ولادتها.. ولما سألتُ جدتى وسألتُ خالتى: «وهل أوفتْ بالنذر؟»، قالتا: «طبعًا يا حبيبى».

وعندما امتلكتُ وعيى وأيقنتُ أن أم نعناعة شخصية محورية فى حياتى، سألتُ جدتى وسألتُ خالتى: أين ذهبتْ أم نعناعة وأولادها؟ فقالتا إنها تركت الحارة والعباسية بعد ولادتى بحوالى ثلاث أو أربع سنوات. 

كـلما تقدّم بى العمر أربط بين أمى وأم نعناعة، ينجدل حزنٌ يجمع بينهما، حزن الحرمان من أسطورتين فى حياتى، أمى التى ماتت ولم أرها، وأم نعناعة المتعملقة داخلى وأفتقد حضنها، وإذا كان لا حيلة لى فى فقدان أمى، فإن شعورًا بالذنب يقتلنى لأننى لم أهتم الاهتمام الواجب فى السعى لمعرفة أخبار أم نعناعة وأولادها، ويقتلنى الحنين لرؤية أختى فى الرضاعة «وردة»، صحيح أننى ذهبتُ كثيرًا إلى الحارة التى وُلدتُ فيها، ولكن كان الوقتُ متأخرًا.. جيل الحرب العالمية الثانية إما رحلوا عن دنيانا، أو انتقلوا إلى أحياء أخرى، وفى كل مرة أذهب فيها إلى الحارة التى شكّلتْ وجدانى، أجد الأجيال الجديدة.. لا أحد يعرف أم نعناعة ولا أحد يعرفنى.