الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

على هامش شقة الزمالك

فى قضية مغارة الزمالك، أو «كنز على بابا» الذى تم اكتشافه فى إحدى الشقق السكنية بذلك الحى الهادئ، استوقفتنا ورقة، أو «شهادة»، وقع عليها ١٤ قاضيًا مصريًا بدولة الكويت، يعلنون فيها تضامنهم مع زميلهم، صاحب الكنز أو المغارة، ويشيدون بحسبه ونسبه وأصله وفضله، ويقطعون بنزاهته وصدق مواقفه، بالتزامن مع، أو ردًا على، ما أعلنته إدارة التنفيذ بمحكمة جنوب القاهرة الابتدائية، فى بيان، وخلال مؤتمر صحفى عقدته بإحدى قاعات المحكمة.

القضية أحيلت للنيابة العامة، وتتلخص فى عثور إدارة تنفيذ الأحكام، لدى قيامها بتنفيذ حكم قضائى، على سلاح نارى، وآلاف القطع الأثرية، التى ترجع للحضارة المصرية القديمة والعصر الإسلامى، وكذا من مقتنيات أسرة محمد على. وقطعًا للشك باليقين، نفت المحكمة، فى المؤتمر وفى البيان، وجود سندات ملكية للمضبوطات. وأكدت أن إفادات وردت من الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بأن المنفذ ضده ووالده ليست لهما حيازة أثرية. كما نفت إدارة الأموال المستردة وجود حيازة قانونية لمقتنيات أسرة محمد على، سواء للمنفذ ضده أو والده. وأكد قسم شرطة قصر النيل عدم وجود رخصة حيازة أو إحراز سلاح نارى، سواءً للمنفذ ضده أو والده.

الاحتفاظ بأثر، أى أثر، دون إبلاغ السلطات جريمة، وفقًا لمواد قانون حماية الآثار: القانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٨٣، الذى تعتبر مادته السادسة جميع الآثار من الأموال العامة، عدا ما كان وقفًا، ولا تجيز تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها إلا فى أحوال بعينها، وبشروط محددة. ومع ذلك لا يمكننا إدانة القاضى الفاضل أو نجله، أو غيرهما، لأن «المتهم برىء حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه»، طبقًا لنص المادة ٩٦ من الدستور، التى تُلزم الدولة، أيضًا، بتوفير الحماية للشهود والمبلغين والمتهمين.

القاضى الجليل، صاحب الشقة، المغارة أو الكنز، عمل بإدارة الفتوى لوزارة الثقافة، حين كانت تتبعها «هيئة الآثار المصرية»، التى تغير اسمها إلى «المجلس الأعلى للآثار». ولا يعنى ذلك بالضرورة أنه استغل موقعه، آنذاك، فى جمع محتويات المغارة، لكنه يقطع بأنه على دراية بمواد قوانين حماية الآثار، لو افترضنا عدم درايته بمواد القانون والدستور، عمومًا، بحكم مهنته.

المهم، هو أن الورقة، أو «الشهادة»، التى وقعها القضاة، لم تتضمن أى شىء له صلة بالموضوع: «نشهد بالحق، ونحن من نحكم به».. «المستشار الفاضل الجليل أحمد عبدالفتاح حسن، هو قامة قانونية ودستورية كبيرة، لا بد أن تفخر بلاده به».. «عائلات ونسب المستشار أحمد عبدالفتاح حسن، وحرمه، هى عائلات منذ نشأتها وقبل أن تتولى حقائب وزارية فى العصور الملكية هى عائلات ذات أصول تاريخية عريقة ثرية منذ أمد نشأتها».. «إننا لواثقون من رد غيبته فيما نشر من ادعاءات مغرضة». «الرجل سيظل مرفوع الرأس والهامة».. «هذه الأسرة الراقية، يشهد لتاريخها القاصى والدانى داخل مصر وخارجها». 

لا نعرف ما علاقة الموضوع بالعائلات والنسب والأصول التاريخية «العريقة». كما لا نجد مبررًا لإقحام «حرم» القاضى الجليل فيه. لكن ما نعرفه وما وجدناه هو أن القضاة الأفاضل، ضربوا عرض الحائط بالمادة ٥٣ من الدستور: «المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر». وأضف إلى ذلك أن «التمييز»، طبقًا لنص المادة نفسها، جريمة، يعاقب عليها القانون، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكاله.

وصفهم الادعاءات، محل التحقيق، بأنها «مغرضة»، يُعد تدخلًا سافرًا فى شئون القضاء. وزعمهم بأنهم يشهدون بالحق وأنهم مَن يحكمون به، يعنى أنهم لم يستجيبوا لقوله تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى». والشهادة، برمتها، بضم الراء أو كسرها، تخالف المادة ٩٤ من الدستور، التى أكدت أن استقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات. كما تنتهك المادة ١٨٧ من قانون العقوبات، التى تعاقب كل من نشر أمورًا من شأنها التأثير فى القضاة الذين يناط بهم الفصل فى دعوى مطروحة أمام أى جهة من جهات القضاء أو... أو... أو التأثير فى الرأى العام لمصلحة طرف فى الدعوى أو التحقيق أو ضده.

.. وأخيرًا، نرى أن الورقة أو «الشهادة»، تستوجب مساءلة الموقعين عليها، عاجلًا أو آجلًا، هنا أو فى دولة الكويت الشقيقة، لأن «التدخل فى شئون العدالة والقضايا جريمة لا تسقط بالتقادم»، بموجب المادة ١٨٤ من الدستور المصرى، والمادة ١٦٣ من الدستور الكويتى.