رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الممتنعون

فى عالم القانون هناك شىء اسمه القرار السلبى، دعك من أن صفة السلبية ذات مدلول سيئ.. لكن القرار السلبى أحيانًا يكون له أثر إيجابى عظيم.. لو كنت من هواة قراءة أخبار الدعاوى القضائية ستجد أن محاميًا ما يرفع دعوى قضائية ضد وزير مثلًا، لإلغاء القرار السلبى بكذا.. كأن يقول مثلًا: إلغاء القرار السلبى للوزير بالامتناع عن تمليك قطعة الأرض لفلان.. إن امتناع الوزير هنا عن إصدار قرار هو فى حد ذاته قرار.. يغيّر الواقع ويؤسس واقعًا جديدًا.. وهكذا فإن امتناع أفراد النخبة السياسية الجديدة عن ممارسات النخبة القديمة هو فى حد ذاته تغيير للواقع.. تأسيس لوضع جديد.. عمل إيجابى حتى ولو لم يكن صاخبًا.. منذ سنوات طويلة للغاية وأنا أرى تقصير دولة مبارك فى حق الشباب.. إهمالها لهم.. زادت دراستى لملف الدعاة الجدد من إيمانى بهذا التقصير.. التفاف الشباب بالآلاف حول بعضهم كان نتيجة فراغ.. هذا الفراغ ناتج عن تقصير الدولة.. كل فراغ يجد من يملأه.. تابعت تحول بعضهم من داعية دينى لمحرك شبابى.. تابعت سلاسل الجمعيات الممولة من الخارج، ومن الخارجية البريطانية تحديدًا.. هذا الفراغ ملأته منظمات أخرى أيضًا على علاقة بالخارج.. اجتذبت كثيرين.. بعضهم لا يخلو من إخلاص وحب للبلد.. ولكن ماذا يفعل والدولة غائبة؟.. قرأت تاريخ منظمة الشباب فى الستينيات.. أدركت أن التاريخ لا يعود إلى الوراء.. لكننى أدركت أيضًا أن المنظمة منحت مصر أهم كوادرها السياسية فى الحكم والمعارضة على حد سواء.. وأنه بعد انتهاء هذا الجيل لم يكن هناك سوى الفراغ ونواتج التمويل الأجنبى والتجنيد الإخوانى.. أقول هذا الكلام بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثالثة لتأسيس تنسيقية شباب الأحزاب.. لم أدرس التنسيقية دراسة تفصيلية.. لكنها حين تأسست كانت تعبيرًا عن فكرتين أساسيتين.. أولاهما، اللعب بالمحترفين.. بمعنى أن التنسيقية ضمت قيادات شبابية من أحزاب موجودة بالفعل سبق لهم ممارسة السياسة فى مواقع مختلفة ويؤمنون بأفكار مختلفة.. وهذه خطوة أكثر تقدمًا من فكرة فتح الباب لشباب نقى وصغير وتأهيله من البداية.. وهى فكرة موجودة أيضًا وتم تنفيذها فى البرنامج القومى لتأهيل الشباب.. الفكرة الثانية التى عبّرت عنها التأسيسية كانت خلق نخبة سياسية جديدة.. وهو ما يقودنى إلى الفكرة التى بدأتُ بها المقال، فكرة «الامتناع».. إن مجرد امتناع أفراد النخبة الجديدة عن ممارسات النخبة القديمة هو فى حد ذاته إنجاز.. الامتناع عن التمول والارتزاق واستغلال النفوذ واللعب على الحبال إنجاز.. قياس المواقف على مصلحة الوطن وليس على المصلحة الشخصية إنجاز.. التعلم وبذل الجهد إنجاز.. الامتناع عن طلب ودّ السفارات والبيع لمن يدفع إنجاز.. أشياء كثيرة جدًا لا يفعلها أفراد التنسيقية وكان يفعلها غيرهم أعتبرها إنجازًا.. لا أقول إن هؤلاء الشباب عباقرة- وقد يكون بعضهم كذلك- ولكن أنا متأكد أنهم استثمار فى المستقبل، وأنهم يتعلمون بجد، وأنهم علامة صحة وعلامة رؤية.. وقبل هذا وذاك يكفى أنهم «ممتنعون».