الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

يوسف زيدان: لا جدوى من الجدال الديني.. وعلينا أن نهتم بتطوير العقول (حوار)

الروائى والمفكر المصرى،
الروائى والمفكر المصرى، يوسف زيدان

المفكر والروائى الكبير اعتبر أنه لا معنى لفصل الدين عن الدولة فى المجتمعات العربية

أنماط التديُّن الشوهاء رسخت خواء العقل الجمعى.. وطغيان التفاهة يُهدد بإفناء الأمم 

حرصى على عدم التكرار أثار غباء بعض النقاد.. والأدب دون فلسفة حكايات للتسلية فى جلسات السمر 

أكتب عن ابن النفيس وحصن الدين ثعلب فى روايتى القادمة «أمالى العلاء» ومناهجنا تُقدِّم لنا السفاحين كأبطال 

انشغل الروائى والمفكر المصرى، يوسف زيدان، فى أعماله بقضية العنف المقدس، ذلك العنف الذى يؤسس لذاته ويستمد مشروعيته من النصوص الدينية، كان كتابا «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» و«دوامات التدين» من أبرز الكتابات الفكريّة التى أصّلت لجذور القضية، بيد أن ذلك الهم الفكرى للكاتب تجلى بصور متعددة فى أعماله الروائيّة، ففى «عزازيل» تُقتل هيباتيا تحت ستار الدين ويبرز تحريف الخطاب الدينى بما يُلائم السُلطة، وفى ثلاثيته «محال، جوانتانامو، نور» يرصد الكاتب الإرهاب الدينى والفكرى الذى استشرى منذ التسعينيات وحتى الألفية الراهنة.

فى أعماله الروائية الأحدث، لا يُغادر «زيدان» منطقة انشغاله الأثيرة لكنه يُقدِّمها ويبحثها مجددًا بالحفر فى طيات التاريخ الإسلامى وما شهده من صراعات تحالفت فيها السياسة مع الدين لتؤسس أطماعًا تتكرر عبر التاريخ، ففى روايته «فردقان»، التى وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية ٢٠٢٠، يُسلِّط الكاتب الضوء على الصراعات المذهبيّة التى ضربت العالم الإسلامى بينما كان عالم بارز مثل ابن سينا يعمل بدأب وفى صمت ويُؤكد ضرورة تغليب العقل على النقل فيما يُعانى من التهميش والمُطاردة. وفى روايته «حاكم»، التى صدرت مطلع هذا العام، تُجرى المُقاربة ذاتها بين تاريخ مُكتظ بالصراعات السياسية والدينية ومثقفٍ يضع أسسه العقلانية فى الثقافة والعلوم، ليكون موقفه هو التشبث بعلوم المنطق والإلهيات التى هى جوهر الفلسفة فى مواجهة الاختلافات حول مسائل العقيدة والمذهب الدينى.

ولأن مشكلات الحاضر لا تتشكّل أو تتفاقم من فراغ، وإنما هى نتاج تاريخ طويل قد يُعيد نفسه إن تكررت شروطه ومُلابساته، كان هذا الحوار مع يوسف زيدان مُناقشة لمشكلات الحاضر واستقراءً لأثرها مستقبلًا فى ضوء ما كتبه من أعمال روائية وأدبية.

حنان عقيل 

■ فى روايتى «فردقان» ثم «حاكم» تعود إلى التاريخ الإسلامى ويبدو كأنك من خلال الروايتين ترغب فى الانتصار للهامش على حساب المتن، العلماء كابن سينا وابن الهيثم اللذين كان لهما دور بارز لكنه أُضمِر فى خضم التاريخ الدموى والصراعات الدينية والسياسية.. إلى أى مدى أردت التركيز على هذه الفكرة؟

- نعم كان هذا فى خاطرى قبل وفى أثناء الكتابة، أن أضع يد القارئ على هذه النقطة، فضلًا عن نقاط أخرى لا تقل أهمية كنت حريصًا على إنطاقها، ففى الرواية بالإضافة إلى السرد واللغة وبنية الأحداث وسطوع الشخصيات والمعانى، هناك أيضًا الهم المُعاصر الذى ينظر إلى الماضى والحاضر والمستقبل باعتبارهم المتصل الإنسانى فى الزمن. 

فى روايتى «فردقان» و«حاكم» نجد أن ابن سينا ثم ابن الهيثم كلاهما مات فى الربع الأول من القرن الخامس الهجرى أى منذ ألف عام تقريبًا، وعندما نتوغل فى تفاصيل الحياة وتهميش العلماء وتقليل الحُكام من مكانة الحُكماء وفراغ عقل الجمهور من المعرفة وشيوع التفاهة نلاحظ أنه خلال ألف سنة لم يتغير شىء، فما كان يعانى منه ابن سينا وابن الهيثم، عانى منه نجيب محفوظ ونصر حامد أبوزيد وغيرهما مما لا حصر له من الأمثلة الدالة على أن الواقع المزرى لهذه الأمة لم يتغير. 

■ ما السبب الرئيسى وراء هذا الثبات على التردى برأيك؟

- «التديُّن»، شيوع أنماط شوهاء من التدين تقتنص الفرصة، وهى هنا خواء العقل الجمعى. انظرى الآن لصفحات الـ«فيسبوك» لتعرفى ما الذى يشغل الناس فى بلداننا العربية. بلاد تنهار وتستعر فيها نيران الحروب والناس مشغولة بممثلة سقط فستانها أو كشف رداؤها عن فخذها وكأن جسدها هو القضية الشاغلة لأمة تضيع. ولولا الأصوات العاقلة التى كانت على مدار العصور بمثابة شموع تضىء هذه الظلمة لكان العرب قد انتهى أمرهم منذ وقت طويل، وكل مخلص فى عمله لرفع مكانة هذه الأمة له أعداء كُثر يحاولون عرقلته، فإذا قال الرئيس السيسى إنه سيجعل من مصر شأنًا حسب تعبيره «أد الدنيا» سخر منه الساخرون، وإذا اجتهد مُفكر فى طرح المفاهيم العامة، على نحو يُخالف السماجة والتفاهة الظاهرة، أشبعه أناس لم نرَ لهم أى منجز أو فعل إلا هذه المناكفة بأبشع الاتهامات.

نحن تراخينا طويلًا فى هذا الأمر، تراخينا عندما سخر الشيخ كشك من أم كلثوم، وعندما انتشر الفن الردىء، وقلنا إنها فنون شعبية، وعندما تحولت المفاهيم الاجتماعية إلى محاور ما أنزل الله بها من سلطان ولم تظهر قبل منتصف القرن العشرين، ونحن نعلم ما الذى جرى فى هذه الفترة من ولاية من لا يصلح أمره البلاد والتقافز على كراسى السلطة. 

■ كيف يمكن التحدث عن الدور الفاعل للمثقفين عبر التاريخ رغم ما تذكره عن تهميشهم؟

- لنتحدث على سبيل المثال عن ابن سينا الذى عانى من هوس محمود الغزنوى وطورِد وسُجِن وعاش حياة لا نُبالغ إذا وصفناها بأنها مأساوية، ومع هذا لم يكُف عن الكتابة. ما كتبه ابن سينا ظل منسيًا حتى جاء ابن النفيس بعده بقرابة قرنين ونصف القرن من الزمان فى القاهرة ليشرح كتاب القانون فى الطب فى أربعة عشر مُجلدًا، منها شرح كليات القانون ومفرداته وغيرهما. ما كتبه ابن سينا فى الطب والفلسفة والحكمة أُعيد بعثه بعد حين فى بلادنا، كما أعيد بعثه فى أوروبا فشارك فى نهضتها العلمية بعد الخروج من العصور الوسطى، وأنا رأيت كتاب القانون فى الطب لابن سينا فى معرض كتب فى إيطاليا لأوائل المطبوعات، فابن سينا أسبق ظهورًا فى الفجر الأوروبى من الفيلسوف اليونانى أبقراط وغيره. 

وما زال ابن سينا مُنيرًا حتى الآن ولكن فى بقعة محدودة، هذه البقعة المحدودة والمساحة الضيقة هى التى تبقى بها الأمة عبر الكتابة. أما طغيان التفاهة والتدين الشكلى والكذب الاجتماعى فهو كفيل بإفناء الأمم لولا وجود هؤلاء الذين تحملوا وما زالوا يتحملون رغم كل شىء.

■ التفاهة والتدين الشكلى والكذب الاجتماعى أمراض تستشرى فى جسد المجتمع المصرى.. ما السبيل للتعافى منها؟ 

- مصر لديها الآن فرصة لتعود إلى الصدارة فى المنطقة لكن هذا لن يتم إلا بالفكر. صحيح أن مشروعات البنية الأساسية والإعمار وتشغيل الشباب والقضاء على العشوائيات كلها مشروعات مهمة لكنها تحتاج إلى أن تكتمل بجهد فكرى. وهناك حلول لا أكُف عن طرحها منها ما يتعلق بالنظام التعليمى، فإن كنا نعانى من مشكلات فى النظام التعليمى لا بد طبعًا من التفكير فى حلول له، لكن مع ما يحتاجه ذلك من وقت يكون البديل العاجل هو التثقيف العام الذى لا يحتاج إلى مبانٍ أو مدارس أو جامعات وإنما لوسائل اتصال وهى متاحة سواء بالميديا بكل مكوناتها أو حتى وسائل التواصل الاجتماعى، هذه وسائل مناسبة لتحقيق تثقيف عام يقلل من فداحة خسارة المناهج التعليمية. 

■ نعود إلى روايتك الأحدث «حاكم.. جنون ابن الهيثم».. ما الجانب المختلف الذى أردت التركيز عليه فى شخصية الحاكم بأمر الله المثيرة دائمًا للجدل لا سيما مع اهتمام روائى عربى بالكتابة عنه مثلما نجد فى مسرحية «سر الحاكم بأمر الله» لباكثير، و«مجنون الحكم» لبنسالم حميش؟ 

- لم يكن شخص الحاكم بأمر الله هو شاغلى الوحيد فى الرواية، بل أحد الشواغل الرئيسية. لم أقرأ رواية بنسالم حميش لكن انظرى إلى عنوانها «مجنون الحكم»، كيف يمكن إصدار حُكم الجنون على الحاكم بأمر الله؟ دعنا نكون العقلاء ونحاول أن نفهم، فتى فى الحادية عشرة من عمره يتولى الحُكم فى وقت مات فيه أبوه وهو مرابط فى الثغور خوفًا من هجوم القرامطة على مصر، والشام مُهترئ واليمن مُلتهب والحالة المصرية مُزرية إذ كانت مناطق كاملة مأوى للمجرمين حول الفسطاط، ويتولى المنصور المُلقب فيما بعد بالحاكم بأمر الله الحُكم لمدة ٢٥ سنة، وحينما يموت أو يختفى يترك خلافته مستقرة من جنوب العراق إلى أطراف المغرب بما فى ذلك الحجاز، والحج ينتظم مع أنه لم يكن قبلها أو بعدها مُنتظمًا. 

صحيح أنه أسرف فى العقوبات المُغلّظة ولكنه لم يقتل مدنيين أو مُزارعين، بل عاقب بالقتل موظفين حكوميين منحرفين، وكان لا بد له من الصرامة ليحفظ البلاد وقد نجح فى ذلك. فالمعيار هنا فى الحكم عليه ليس ترديد الأحكام التى أطلقها المؤرخون فى العصر الأيوبى، التالى على الفاطمى، باستثناء المقريزى هذا المؤرخ العظيم الذى كان مُنصفًا للدولة الفاطمية. 

الآن عندما أقول هذا الكلام لأفهم تاريخى يأتى شخص مهووس ويقول إن الكاتب لديه هوى شيعى، قيل هذا وأضحكنى من سماجته، ورغم أننى أرفض فكرة المذهبية بشكل عام، فإنه يأتى أحد المُعممين أو المتحدثين باسم الإله فى الأرض وهم كُثُر فى هذه الأيام ليُصدر علىّ أحكامًا، وبالطبع أنا لا ألتفت لمثل هذه السخافات.

■ هل صارت هناك حالة هوس جماهيرى بإصدار الأحكام؟ 

- هى أحكام ساذجة لا تنقطع، منها ما يتردد عن سرقتى لرواية «عزازيل» مع أنى قلت لهم ألف مرة إن عزازيل رواية غير قابلة للخدش، وكيف تكون مسروقة من مؤلف إنجليزى وهى حاصلة على ثلاث جوائز عالمية من إنجلترا. هناك رغبة مستمرة فى اصطياد الأخطاء وإخراج الأحاديث من سياقها، والأمثلة على ذلك لا حصر لها، ومع تكرار الهجوم الساذج يظن ضعاف العقول أنه حقيقة. الجاهل جرىء ووقح ونحن كمجتمع إن لم ننتبه لهذه السخافات المؤخرة للأمة عن المضى قدمًا فى طريق الفهم والوعى والإبداع سنكون نحن الخاسرين، لأن هذه الحالة تعبير عن كسل ذهنى يتجلى فى قبول أحكام وفتاوى واجتهادات جاهزة وجُبن عن اقتحام الفكرة أو النظر من زاوية جديدة، وهو ما أدى إلى تبلُد فى العقل الجمعى. 

■ وماذا عن المثقفين، هل يخضع الكثير منهم لفتنة الشعارات المُستهلكة؟ 

- المثقفون ربما يغازلون أو يسترضون الجمهور، مثلما حدث قبل أسابيع، عندما اهتاجت الأحوال فى فلسطين، فوجدت كل الناس يصخبون ويرددون الشعارات المستهلكة، مثل «الأرض لنا» و«صراعنا صراع وجود لا صراع حدود» و«لن نسكت على ما تفعله إسرائيل»، كلام تافه وسمج، وعندما حاولت أن أتحدث إلى الناس بعقلانية هاجت بواطن المتخلفين وأصحاب المصالح. هذا قدر من يكتب؛ كان قدر الكندى والفارابى وابن سينا وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم، فأرجو بعد كل هذه الخبرات أن نتعلم شيئًا من التاريخ، وأن نكُف أفواه هؤلاء المدمرين للمجتمعات وهم يزعمون أنهم المُصلحون. 

■ رواية «حاكم» تعتمد على قصتين أو خطين؛ قصة معاصرة وأخرى تاريخية تعود إلى فترة الحاكم بأمر الله والحسن بن الهيثم، لكن الخط المعاصر الذى بدأت به الرواية بدا وكأنه بُتر فجأة.. ما السبب؟ لماذا لم تُقدِّم مقاربة وربطًا بين الزمنين؟

- لا توجد فى الواقع الفعلى نهايات، فالأمر دائرى يعود إلى ما منه بدأ دومًا، كذلك فى الأدب الذى هو صورة الحياة لا توجد نهاية، القارئ هو ختام العمل. وستجدين ذلك فى روايات «النبطى»، و«عزازيل»، و«ظل الأفعى». هى دوائر متصلة تتجدد، فلا توجد أصلًا نهايات، وبالتالى فليس المطلوب مغازلة مشاعر الجمهور غير الناضجة؛ لأن هذا يعنى أن يتخلى الكاتب عن دوره فى إحداث الاستنارة والتوعية. 

■ هل ستُكمل الحفر التاريخى فى عمل روائى مقبل؟ 

- نعم، روايتى التالية بعنوان «أمالى العلاء»، والأمالى هى الكتب التى لم يكتبها المؤلف، وإنما أملاها، والعلاء هو علاء الدين على بن الحرم القرشى، الذى نعرفه بلقب ابن النفيس، وكان رئيس أطباء مصر والشام، فالرواية توضح ما أملاه العلاء على بطل الرواية، ولكن العلاء ليس هو الشخصية الوحيدة، ولا حتى الأساسية فى أحداث الرواية، إذ يتصدر المشاهد بيبرس وقلاوون، اللذان أنهيا الزمن الأيوبى بقتلهما توران شاه الحفيد فى المنيل، وبدأ عصر جديد على أيديهما بتولى قطز لفترة بسيطة وبعده بيبرس ثم قلاوون، فى الرواية أيضًا تركيز على حصن الدين ثعلب، الذى ثار على حُكم المماليك فى مصر، فيما لا نجد له ذكرًا فى مناهجنا الدراسية، التى تُقدِّم لنا السفاحين فى التاريخ كأبطال وتُهمِل فى المقابل من أضافوا فعلًا للإنسانية.

■ تشير على لسان أمنية إحدى شخصيات رواية «حاكم» إلى معتقد «الحكمة الروحانية المتعالية» كبديل عن الصراعات الدينية والمذهبية.. هل تأمل فى أن تسود مبادئ تلك الحكمة العالم؟ وكيف يمكن أن تكون نجاة للمشكلات الناجمة عن العنف المقدس؟

- الأمر متروك للقارئ، هو الذى يحكم ويفكر أيهما أكثر جدوى فى ظل الصخب الفارغ الذى نعيش فيه، فلننظر إلى كل الجدال المُثار حول مسألة مثل الطلاق الشفوى، وصل إلى تدخُل رئيس الجمهورية وشيخ الأزهر، رغم أن الأمر لا يستدعى كل ذلك، ويقاس على ذلك كل الذي نُضيّع فيه وقتنا، فلا توجد قضية فكرية واحدة يهتم بها المجتمع وسط هذا كله، وبالتالى نحن فى خطر. 

■ أمنية فى رواية «حاكم» تتحدث عن دوافع وبدايات نشأة الأديان، حسب النظريات الأنثروبولوجية، بقولها «الديانات ظهرت بعد نشأة اللغة وبزوغ فجر الحضارات للتعبير عن وعى الإنسان بذاته وبالكون، ولدعم الحياة المجتمعية وضبطها بقدر المستطاع، وسعيًا لتخليص البشر من النوازع الغريزية والرغبات الهمجية الموروثة من أزمنة ما قبل الحضارات».. بناء على ذلك، ما الذى تمثله الديانات من أهمية فى الوقت الراهن برأيك؟

- هناك إجابتان عن هذا السؤال؛ إجابة نظرية مُسالمة تقول ببساطة إن الدين جاء لصالح الإنسان، لكن المتدينين أساءوا إليه، وهى الحجة المعتادة، وهناك الإجابة الأخرى الإحصائية، انظرى ما فعلته الأديان فى البشر خلال الألفى عام الأخيرة وأنتِ تجدين الإجابة واضحة، ومع ذلك فالبسطاء من الناس يحتاجون إلى الدين، لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوا ذواتهم أو العالم دون دعم ولو خيالى، والدين يقدم لهم ذلك. 

أظن أن السبيل الأقوم والأفضل هو النزعة الروحية أو التصوف بمعناه العام وليس الإسلامى، فالسمة الرئيسية للنزعة الروحانية هى الارتقاء والتماس مع سقف الإنسانية، وهذا هو مفهوم التصوف، وقد عرضته بالتفصيل فى كتابى «شجون فكرية». 

■ لكن النزعات الروحية لا يُقيض لها النهوض أو الاستمرار.. ما السبب؟

- لأنها لا تحقق مصالح المنتفعين بالدين، ففى كل دين ثمة كهنة أو مشايخ أو متحدثون باسم الإله، بينما تسعون بالمائة منهم على الأقل كذابون ويتحدثون باسم رغباتهم، سواء للوصول إلى السلطة، مثل جماعة الإخوان أو الوصول إلى المال والثروة، مثل أدعياء التصوف والطرق الصوفية والجماعات المسلحة التى تعبر عن حال الهمجية الأولى تحت شعارات دينية يهودية أو مسيحية أو إسلامية، وما فعله داعش فى السنوات الأخيرة هو بالضبط ما فعله القرامطة قبل أكثر من ألف سنة.

ولهذا انتهيت مؤخرًا إلى قاعدة تقول ببساطة إنه لا جدوى من الجدال الدينى، وعلينا أن نهتم بتطوير العقول وتكريس النزعة النقدية فى التفكير وإعادة النظر فى المفاهيم الكبرى والتصورات العامة وإعادة بنائها فى الأذهان والاهتمام باللغة ودلالات المفردات حتى لا تذهب جهودنا سُدى. وقد عبرت عن ذلك أيضًا فى أعمالى الأدبية، فأنا لا أرى فى الأدب شيئًا ذا قيمة إذا ابتعد عن الفلسفة. حينذاك تصبح الرواية حكايات للتسلية فى جلسات السمر.

■ تهتم باللغة والبناء الروائى بشكل واضح فى رواياتك ككل، وإن تحدثنا عن رواية «فردقان» سنجد أن أسلوب السرد مختلف تمامًا عن رواية «حاكم» التالية لها، كذلك فى «حاكم» نجد السرد فى الجزء المعاصر له بنيان مستقل عن السرد فى الجزء التاريخى.. ما الذى يقتضيه منك هذا التدقيق فى تفاصيل الكتابة؟

- أكتب أى رواية ما يقرب من عشر مرات، ولا أرضى أبدًا عن عمل صدر ولا أستطيع النظر إليه، فما دمت لم أُسلِّم الكتاب للناشر أعيد فيه كثيرًا وأهدم مناطق وأوجد غيرها، لكن بعد صدور العمل لم يعد ملكى. فضلًا عن حرصى الشديد على عدم التكرار، وهو ما أثار غباء بعض النقاد فى البداية إذ قالوا لا يمكن أن يكون من كتب «ظل الأفعى» هو من كتب «عزازيل»، لأن الثانية لغتها مختلفة عن الأولى، فجاءت كل رواية بلغة مختلفة عما سبقتها، وهكذا فى كل مرة؛ لا بد أن يحدث تجديد على مستوى لغة الرواية والبناء. 

■ المرأة فى أعمالك غالبًا ما تكون لها شخصية مميزة، هى مثقفة وقائدة ومُحرِّكة للفعل، مثل ماهتاب فى «فردقان»، ونورا فى رواية «نور»، وتمنى وأمنية فى «حاكم».. هل تريد الانتصار لفكرة «الأنثى هى الأصل»، التى ظهرت بدرجة ما فى عملك الروائى الأول «ظل الأفعى»؟ 

- لا، هذا موقف نِسوى لا يشغلنى، فأنا أبحث عن الإنسان، ولا نستطيع الوصول إلى جوهر الإنسانية سوى بتناغم الذكورة والأنوثة، كما أن المرأة فى كتاباتى الروائية ليست واحدًا، فهناك أوكتافيا فى «عزازيل» وهى متفجرة بالحياة، وسندس فى «فردقان» وهكذا. للمرأة وجوه لا حصر لها، وعلى قدر هذا التنوع وحسب مساحته تكون مساحة الإنسان، فالمرأة لا تتفاعل وحدها فى المطلق.

■ فى كتابك «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» قلت «يحلو لكثير من مفكرينا المعاصرين ترديد ما فحواه أن الدين ينبغى أن يظل بعيدًا عن السياسة وتظل السياسة بمنأى عن الدين، وتشير استنادًا إلى الوقائع التاريخية إلى استحالة حدوث ذلك.. إن كان ذلك مستحيلًا فى زمن التأسيس ودفاع كل دين عن نفسه ومع ما نجم عن ذلك من مآسٍ، فما أسباب استحالته فى الوقت الحالى؟ 

- لا يمكن تحقيق ذلك الفصل، فما يقال فى مجتمعنا العربى عن فصل الدين عن الدولة حديث لا معنى له، لأنهما لا ينفصلان فى الإسلام. العلمانية فى ثقافتنا خرافة، فقد كانت حلًا أوروبيًا استنادًا إلى أن المسيحية منطلقها «مملكة السماء هى الأساس»، فكان من الممكن الاستناد إلى هذه الفكرة، لتأسيس ما يسمى العلمانية، إنما فى ثقافتنا لا يمكن، لذلك أقول للعلمانيين ابحثوا عن طريق آخر، فمن يرفعون شعار العلمانية هنا سرعان ما تختلط المفاهيم لديهم فيدافعون عن صحيح الإسلام ويتحولون إلى مدافعين عن دين لم يدرسوه، كما أنهم يطلبون المستحيل، لأن الدولة أو الحكم مفهوم قرآنى. 

■ ولكن نحن لا نتبع المفهوم الإسلامى أو القرآنى للحكم وإنما القانون المدنى؟ 

- إذن علينا الالتزام باتباع القانون المدنى ولا نجادل فى الأمور الدينية، فكل فرد له حق الإيمان بما يريد، العلمانية هى المناداة بفصل الدين عن الدولة، والإسلام دين يمتزج فيه الاعتقاد بالحُكم، وبالتالى غير قابل للحل العلمانى، والذين يقولون إن العلمانية هى الحل ربما تكون نواياهم طيبة، ولكنهم لم يدرسوا تاريخنا ولا الفلسفة الإسلامية، وبالتالى يخيل إليهم أن هذا ممكن. 

قضية العنف الدينى تبرز فى ثلاثية «محال.. جوانتانامو.. نور».. ما الذى تغيّر من ذلك الواقع الذى رصدته الثلاثية الآن؟

- حتى الآن لم يتغير شىء، لكن يمكن أن نسأل عن إمكانيات التغيير، إما أن ينتبه الناس إلى الفراغ والسماجة المحيطة بهم فيُعملون عقولهم أو يظلون كما هم. لا يمكننى أن أتوقع ما سيحدث، لكن هناك علامات إيجابية أرصدها، مثل هذا الإقبال الكبير على ما أكتبه دون اللجوء إلى دعاية أو ترويج، فقبل أيام قليلة صدرت الطبعة ٤٣ من رواية «عزازيل» مثلًا، وهذا لم يحدث فى تاريخ الأدب العربى، فضلًا عن الدراسات التى أُجريت عنها حول العالم، لا أستطيع أن أشكو من عدم وصول أعمالى، لكن النتيجة بيد المجتمع فى النهاية.