رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

قصة أُبوة رائعة

الأبوة فى الكنيسة القبطية- تختلف كلية عن بقية الكنائس- شىء رائع جدًا ولا يمكن وصفه أو التعبير الحقيقى عن عمق وغنى الأبوة المُذخّرة فى آباء الكنيسة القبطية. لكن للأسف الشديد ظهرت فى الآونة الأخيرة مصطلحات غريبة جدًا، منها مصطلح «القيادة الكنسية»!! فالكنيسة ليست بها قيادة ولكن بها خدام، والخادم الحقيقى مكانه تحت أرجل الشعب، يستمع لهم بصدر رحب، ويعالج مشاكلهم بأبوة صادقة، ويتفحص طرقهم بكل الحب ويرشدهم إلى ما فيه الخير لهم. يرفض أن يحيا فى قصور وبداخل حصون ومنتجعات سياحية، بينما أولاده لا يجدون مأوى لهم، يرفض أن يصعد على سرير فراشه ويعطى لعينه نومًا أو لجفنه نعاسًا حتى يجد موضعًا للسلام الحقيقى بداخل نفس كل ابن من أبنائه.

ما أحزننى بحق- وهو الدافع لكتابة هذا المقال- أنى وجدت اتصالًا تليفونيًا من شخص لم يسبق لى معرفته وأخبرنى بأنه أحد رهبان منطقة وادى النطرون، وقال لى: «إن سبب حديثى معك هو للفضفضة فقط لما بداخلى من آلام شديدة، وهذه الآلام تكمن فى شىء واحد: (إنى لا أجد أبوة من أحد)». حزنت أكثر لما آلت إليه أحوال كنيستنا العريقة التى كانت معروفة فى فترة من الفترات بأنها «كنيسة آباء». ليت هذه الأيام تعود.

أكتب هذا المقال للأب الراهب الذى لا يجد أبوة من أحد، ونثق أن الله ليس بعاجز حتى يدبر لنا الآباء الحقيقيين. 

كان هناك أب راهب- فى أحد الأديرة المصرية- قضى أكثر من نصف عمره فى الحياة الرهبانية بعد أن أنهى دراسته فى كلية الطب وكان لا يحتمل أن ينزل إلى العالم مرة أخرى أبدًا.

مرت الأيام ومرض هذا الأب وكان علاجه يستلزم أن يتوجه الى المستشفى فى العالم ليتلقى علاجه هناك لأن الدير لا يستطيع علاج حالته.

نزل هذا الأب مضطرًا لمتابعة حالته الصحية وفى المستشفى قابل طبيبًا جراحًا كبيرًا وتعرف عليه وكان زميله فى كليه الطب منذ عشرين سنة.

اعتنى به الطبيب عناية فائقة وطلب منه متابعة لحالته كل شهر، فاعتذر الأب الراهب عن المجىء الشهر المقبل لأنه سوف يكون ذلك فى احتفالات الكنيسة بأسبوع الآلام المقدسة لهذه السنة، وهو لا يستطيع أن يترك صلوات هذا الأسبوع العظيم بكل طقوسه الرائعة وألحانه المؤثرة وتعاليمه الروحية النافعة.

فقال له الطبيب: هل نحن فى الصوم الكبير حاليًا؟

قال الأب الراهب: نعم. ولم يرد الراهب بأى كلمة لوم أو سؤال للطبيب، لماذا هو غير صائم أو عتاب على عدم معرفته حتى بالصوم!! وهذه أبوة فائقة من الأب الراهب الذى تقبل كلام صديقه بكل الحب والبساطة والأبوة الصادقة.

على باب المستشفى قال له الأب الراهب: إيه رأيك تيجى تقعد معانا فى الدير يومين؟؟ الدير حلو وهادئ وسوف يعجبك وتستريح قليلًا من الشغل؟!

الطبيب قال له: «أنا هنا أحضر فى السادسة صباحًا للمستشفى وأقوم بإجراء عمليات حتى السادسة مساءً، وبعد ذلك عندى عيادتان، ثم أعود إلى المنزل فى الثانية صباحًا، لذلك أنام أربع ساعات فى اليوم فقط!! لا يوجد لدى وقت».

الراهب رد عليه بكل وداعة وابتسامة وقال له: اعتبر إنك جاى تكشف علىّ مش أنا صاحبك برضو؟؟

وشدد الراهب جدًا على الطبيب وكررها له كثيرًا جدًا إنه لازم يحضر الأسبوع ده ولا يتأخر عن يوم الجمعة!!

تعجب الطبيب جدًا من تشديد الراهب عليه وتحديد موعد الزيارة «لا بد قبل الجمعة»!!! ولكنه وعده بأنه سوف يحضر.

عاد الراهب إلى الدير وقبل أن يتوجه إلى قلايته ليستريح، توجه إلى قلاية رئيس الدير بلهفة وأخبره بأن يعلن فى كل الدير لكل الرهبان عن صلاة إلى يوم الجمعة من أجل هذا الطبيب!!! ولم يعلم أحدًا لماذا هو مهتم بهذه الجدية ولماذا الصلاة إلى يوم الجمعة فقط!!

ذهب الطبيب إلى الدير مغصوبًا لتلبية دعوة صديقه القديم الراهب فقط، استقبله الأب الراهب فى مضيفة الدير وقال له: استرح وسوف آتى فى الصباح لآخذك معى لصلاة القداس!!

وفى الصباح دخل الراهب ووجد الطبيب قد تناول طعام الإفطار، وهو بيض وجبنة ولبن أحضرها معه، ودخن كمية كبيرة من السجائر!! لم يَلُمه ولا عاتبه الراهب بل طلب منه أن ينزل معه لحضور صلوات القداس.

قال الطبيب: إنت عايزنى أنزل ليه؟

قال الراهب: عشان تتناول من الأسرار المقدسة.

قال الطبيب: أنا فاطر الصوم الكبير!!

قال الراهب: ربنا بيسامح.

ثم أضاف الطبيب: وكمان لسه واكل ومدخن سجاير!!

قال الراهب: ربنا بيغفر.

قال الطبيب: أنا صار لى عشرون عامًا لا صمت ولا صليت ولا تناولت من الأسرار المقدسة!!

قال الأب الراهب: الرب يحب الخطاة.

أضاف الطبيب وهو فى خجل شديد: ماليش وش أقف قدام ربنا!!

قال الأب الراهب بأبوة معهودة: انظر إلى الصليب ستجد السيد المسيح فاتحًا لك يديه.

نزل الطبيب، حضر القداس وكان يوم الجمعة، تناول من الأسرار المقدسة. انتهى القداس فى العاشرة صباحًا وكل الرهبان عادوا للقليات من أجل أن يصلوا من أجل الطبيب.

فى السادسة مساءً طرق باب قلاية الراهب، وجد الأب المسئول عن الكنيسة بيقول: «يا أبى الراجل الضيف من وقت ما القداس انتهى الصبح وهو واقف يبكى ويصرخ ويصلى قدام باب الهيكل وأنا عايز أقفل الكنيسة»!

رد عليه الراهب- وهو يبكى- سيبه لا تزعجه مفيش وقت، مفيش وقت!!

دخل الرهبان الكنيسة فى السابعة مساء الجمعة ليجدوا هذا الطبيب قد انتقل من هذا العالم ووجهه ينير بعد أن قدم توبة حقيقية من قلبه بفضل محبة ووداعة وصلاة هذا الراهب من أجله.

فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا «من رسالة القديس يعقوب الرسول ٥: ٢٠».

نموذج رائع من الأبوة الصادقة التى تقود إلى حياة التوبة. رأينا هذا النموذج فى خدمة الأب بيشوى كامل إسحق الذى خدم بالإسكندرية بحب حقيقى وإنكار ذات. لم يهمل أحدًا بل احتضن الجميع واحتمل الجميع. ليت هذه الأيام تعود.