رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بعض من الضجيج

هناك مقولة لـ«مالكوم ماكس» تقول: «لقد تعلمت باكرًا أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأنه على المرء أن يُحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يُريده، ورغم كل الأقوال التى تتحدث عن قيمة الصمت، وعن الحكمة البالغة التى يتوصل إليها الإنسان عندما يصمت ويدع الكلام، تحت راية (الصمت) أحيانًا يكون أبْلغ من الكلام، فإن الواقع العملى أثبت أن الحقوق لا تتأتى ولا تصل إلى أصحابها إلا بالكلام، وأحيانًا بالضجيج حتى تنفذ إرادته إلى الطرف الآخر».

فالعقلاء والحكماء والفلاسفة فقط هم من يفهمون لغة الصمت، أما مَنْ لا يشعر ولا يهتم إلا بالضجيج، فهؤلاء لابد من توصيل المعلومة إليهم بالصورة والطريقة التى تُناسبهم، فالإنسان عندما يدخل فى حلبة النقاش والجدل، لا بد أن يختار اللغة المشتركة بينه وبين نده، حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، وللأسف، هناك أطراف لا تعى إلا الكلمات الرنانة، ولا تسمع إلا صوت الضجيج، وهؤلاء لا بد من استخدام اللغة التى تُناسبهم حتى يكون اللحن مُتناسقًا، والنغمات مُتلاحمة، وإلا أصبحت كالنشاز.

ولو عُدنا إلى المواثيق الدولية وتاريخ الشعوب والحضارات على مر العصور، سيتكشف لنا وبجلاء أن كثيرًَا من الدول اضطرت إلى استعمال لغة الحرب، لكى تستعيد حُقوقها المسلوبة، فى حين أننا لو نقبنا فى تاريخ تلك الدول سنكتشف أن أغلبها كان يميل إلى السلام والهُدوء، ولكن الطرف الآخر هو الذى أجبْره على استعمال تلك الأساليب لكى يسترد حُقوقه المُغتصبة.

فأسلوب الضجيج غير مُستحب أو مُستحسن فى الإطلاق، ولكنه أحيانًا يكون الوسيلة الوحيدة والأخيرة فى يد الشخص المظلوم أو المسلوب حقه، فهنا يلجأ إليه مُكرهًا؛ لأنه يكون قد أعيته الحِيل، واستنفد كل الطرق والأساليب الودية لحل النزاع، وتقريب وجهات النظر، ولذا علينا أن نعترف بأن المقولة الشهيرة: «عُلو صوتك يدل على ضعف موقفك»، لا يمكن أن تعم أو تصبح قاعدة، فأحيانًا يكون عُلو الصوت أقرب إلى الأنين بسبب رفض الآخرين أن يتفهموا الوسائل الأخرى، أو لظنهم أن الصامت ضعيف، ولا يملك الحُجج للكلام، أو غيرها من الأفكار الأخرى التى فى الغالب لا تمت للحقيقة أو الواقع بصلة.

فالقضايا والدعاوى التى تكتظ بها ساحات المحاكم أغلب أصحابها حاولوا أن يحلوا النزاع بالطرق السلمية، ولكن الطرف الآخر أجبْرهم على طرْق أبواب المحاكم، بسبب رفضهم السلام والهدوء، وعدم احترامهم إلا لصوت الضجيج.

وللأسف الشديد، الإنسان فى العُموم فى حاجة ماسة لمعرفة قيمة الصمت واحترامه، فالصمت ليس دائمًا دليلًا على السلبية أو اللامبالاة أو الضعف، ولكن فى أحيان كثيرة يكون تعبيرًا عن الرفض والاستياء والاستهجان، ولكن أين لنا بالفلاسفة الذين يُجيدون لغة الصمت التى تُترجمها نظرات العيون والأفعال فقط، ومن هنا يضطر الإنسان فى بعض الأحيان إلى أن يلجأ إلى أساليب قد تبدو عنيفة بعض الشىء، لكى يُعبر عن وجهة نظره لمن لا يستمعون إليه، بسبب صوت ضجيجهم، فهنا يُجْبَر على أن يعلو رنين صوته لكى يُحدث ضجيجًا أعلى من ضجيجهم لكى يلتفتوا إليه، ويستمعوا إلى طلباته التى هى فى الأساس أبسط حُقوقه.

ومن هنا، فلا بأس من استخدام بعض من الضجيج فى بعض الأحيان، ومع بعض الأشخاص، وبشكل مُؤقت إذا كان هذا هو الأسلوب الوحيد الذى يأتى بثماره من أجل استرداد الحُقوق، وإجلاء الحق، ولكن هذا الضجيج يُشترط فيه أن يكون بضوابط مُقننة، حتى لا يتحول إلى فوضى. فمن حق الإنسان أن يرفع صوته، ولكن تحت مظلة القانون، ولا بد أن يكون ذلك العُلو لنُصرة الحق والمظلومين فقط.