الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شوقى حجاب لـ«الدستور»: أخذت نصيبى من الحياة وراضٍ بشكل كبير (حوار)

الشاعر الكبير شوقى
الشاعر الكبير شوقى حجاب

يمثل الشاعر الكبير شوقى حجاب نقطة مفصلية فى تاريخ الإبداع المصرى، بما حققه من نجاحات غير مسبوقة فى عالم الكتابة للأطفال، حتى أصبح أحد أكبر رواد هذا المجال الفنى الذى يحتاج الولوج إليه إلى إمكانات وقدرات إبداعية ورؤى خاصة لا تتحقق لأى شاعر أو فنان.

وعلى مدار مشواره الإبداعى، حقق شوقى حجاب تجربة إبداعية وإنسانية غاية فى الفرادة والخصوصية، بدأت بمجيئه إلى القاهرة وعمله «ملاحظ عمال» لكسب الرزق، وتركيزه فى العمل الإبداعى أيضًا، حتى صار شاعرًا يشار إليه بالبنان، مرورًا بمعايشته كبار المبدعين والأدباء المصريين الذين أفاد واستفاد من تجاربهم، انتهاءً بمعاناته الأخيرة مع مرض السرطان.

وفى حواره مع «الدستور»، يفتح شوقى حجاب قلبه وعقله، متحدثًا عن أبرز المحطات فى حياته الإبداعية والإنسانية، كاشفًا عن العديد من أسرار عائلته الفنية الكبيرة، وكيف استفاد من تجربة شقيقه الشاعر الكبير سيد حجاب وشقيقه المعمارى الكبير صلاح حجاب، وغيرها من التفاصيل الخاصة.

■ كمبدع ورائد فى الكتابة للأطفال.. هل تعرضت لأى تجاهل من الجهات الرسمية فى الدولة؟

- لم يحدث على الإطلاق، وعلى سبيل المثال رشحنى اتحاد الكتّاب هذا العام لنيل «جائزة الدولة التقديرية فى الآداب»، وهى المرة الأولى التى تقوم جهة بترشيحى لجائزة، ومع ذلك حُزت تكريمات عديدة من جهات كثيرة، كما عُرض علىّ الكثير من المناصب، منها مثلًا منصب وزير الإسكان، ومرة أخرى وزير لحقيبة جديدة كانت الدولة، وقت صفوت الشريف، ترغب فى تدشينها باسم «وزارة الطفولة» لكنى رفضت، لأنى رأيت وقتها أن دور الوزراء تقلص حتى أصبحوا يتناوبون على المنصب بشكل روتينى فقط.

وأنا أخذت نصيبى من الحياة وراضٍ بشكل كبير، وأعيش على معاشى كوكيل وزارة الثقافة، وأرى أن متعتى فى الحياة تحققت بأدائى الواجب الذى كُلفت به وأنا أقرأ باستمرار ما أحبه وما زلت أتنفس.

■ ننتقل معك إلى عالم الأطفال الذى أخلصت له منذ أن كتبت حلقات برنامج «عصافير الجنة» مع الإعلامية سلوى حجازى فى ستينيات القرن الماضى.. لماذا اخترت هذا المجال؟

- الولوج إلى عالم الأطفال والكتابة لهم أمر لم أخطط له بالمرة، وما دفعنى إليه هو أننى عندما جئت إلى القاهرة فى ستينيات القرن الماضى كان شقيقى الأكبر سيد حجاب قد ذاع صيته شاعرًا مبدعًا بين الأصوات الثقافية والإعلامية، وهو ما جعلنى أفكر فى مجال إبداعى غير الشعر أتجه إليه وأحقق التفرد فيه، حتى لا أُحسب على شهرة شقيقى الذى أحبه وأقدره، وكل ما أود أن أشير إليه هو أن القدر وراء فكرة الكتابة للأطفال، كانت البداية مع حلقات برنامج «عصافير الجنة» الذى كتبته للإذاعية الكبيرة سلوى حجازى، وكانت الانطلاقة التى وضعتنى فى مصاف المبدعين عند المستمع المصرى وتلت ذلك أعمال كثيرة.

■ أى العرائس والشخصيات التى كتبتها للأطفال أقرب إليك؟

- أقربها «كوكى كاك» و«بقلظ»، و«عم شكشك» الذى قُدّم فى حلقات «بوجى وطمطم» والأخيرة استوحيتها من عمى عدلى فهيم، السكرتير الأدبى والفنى لجريدة روزاليوسف، لدرجة أنه عندما نُقلت المجلة من شقة فى شارع ضريح سعد زغلول إلى شارع قصر العينى ترك إحسان عبدالقدوس الشقة لعدلى فهيم، وظل هذا الرجل يعيش فيها حتى سن ٦٥ سنة.

■ التقيت مبدعين كبارًا فى رحلتك الإبداعية مثل أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالرحمن الأبنودى.. كيف أثروا فيك؟

- ما تعلمته من أصدقائى أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالرحمن الأبنودى منذ مجيئى للقاهرة من الدقهلية يفوق ما تعلمته فى المدارس ومعهد السينما.

هؤلاء جاءوا إلى القاهرة حاملين كمًا هائلًا من التراث الشعبى والأحلام، وجزء من أحلامهم كان غزو المدينة والتأثير فيها، لأن المدينة هى مركز الإبداع والثقافة والإعلام، لذا سكنوا فى وسط القاهرة وعملوا على «خربشة الحياة»، أى أنهم احتكوا بمصاعب الحياة بشكل كبير، وهو ما تجده فى شعرهم الذى يعتبر نتاج خبرة إنسانية تلخص روح مصر وخفة دمها.. وما لا يعلمه كثيرون عن الأبنودى مثلًا أنه عمل لفترة «راعى غنم» فى بلده قبل مجيئه القاهرة، هؤلاء مثقفون بالسليقة وظهرت ثقافاتهم فى أعمالهم؛ مثلًا يحيى الطاهر عبدالله الذى كان يحفظ، عن ظهر قلب، قصصه التى تشبه قصائد شعرية وتتضمن خبرة إنسانية مكثفة، لذا أصبح ظاهرة أدبية مصرية كبيرة.

ومن نوادرى مع الأبنودى أنه دخل إلى غرفتى ذات مرة وكان نصف جسدى العلوى عاريًا، وكنت وقتها نحيفًا جدًا فنظر إلىّ الأبنودى وقال: «إيه ده بقى؟ ده جسم شاعر؟»، وهو ما دفعنى للبحث عن مواصفات جسد الشعراء خاصة أن كثيرًا من أباطرة الشعر فى مصر كانوا من أصحاب الأجساد الممتلئة، مثل صلاح جاهين وسيد حجاب مثلًا، وبعدها التقيته وسألته عن مغزى ما قاله، فضحك ولم يجبنى.

وفى مرة أخرى، كنت قد بدأت فى كتابة البرامج للتليفزيون المصرى، وكنت أعمل وقتها «ملاحظ عمال»، وكنت أشرف على تنفيذ حمام السباحة بنادى الشمس وكان النادى وقتها مكانًا للطبقة البرجوازية، وهو ما دفع الأصدقاء من معتنقى الفكر الماركسى، ومنهم يحيى الطاهر عبدالله، لعقد محاكمة لى فى بيتى، واتهمونى بأننى أصبحت برجوازيًا وأننى عملت فى تليفزيون الدولة، رغم أنهم كانوا عاطلين وقتها، وكنت الوحيد الذى أعمل من أجل كسب لقمة العيش، وقتها دخل علينا عبدالرحمن الأبنودى وقال لى جملة لم أنسها إلى يومنا: «روح مطرح ما تروح بس إياك توسخ توبك».

أما بالنسبة لأمل دنقل، فقد احترمته جدًا شاعرًا، وهذا لم يمنع أننا اختلفنا كثيرًا، أما يحيى الطاهر فكان إنسانًا راقيًا و«ابن نكتة وسايق الهبل على الشيطنة».

■ علاقة الأخوة مع سيد حجاب.. هل منحتك ميزة أو سهلت عليك الولوج إلى الوسط الإبداعى؟

- سيد حجاب الأخ الأكبر الذى يسبقنى بـ٦ سنوات فى الميلاد، سبقنى إلى القاهرة أيضًا بـ٦ سنوات، ولجأت إليه عندما جئت إلى القاهرة، واستفدت كثيرًا من علاقاته ووقوفه إلى جوارى، وأغلب أصدقائه أصبحوا أصدقائى بشكل أكبر، منهم مثلًا الشاعر الكبير صلاح جاهين الذى امتدت صداقتى به لـ٢٠ عامًا.

وصلاح جاهين بالنسبة لى هو مؤسسات كثيرة وتعلمت منه التنوع، تعلمت أن أكتب للأطفال والكبار وأصمم العرائس وأكتب للمسرح، وآخر قصيدة كتبها صلاح جاهين «إلى الله»، كانت ليلة وفاته ومكتوبة بقلم رصاص، وقد أرسلها لى مع الفنانة سعاد حسنى وطلب منى إخراجها عملًا فنيًا.

■ ماذا عن الأخ الأكبر صلاح حجاب شيخ المعماريين المصريين وكيف أثرت العمارة فى تكوينك الثقافى؟

- صلاح حجاب من الجيل الذى يعطى دون أن يناقش، حتى إن عددًا كبيرًا من الجهات والأصدقاء رشحوه لـ«جائزة النيل للإبداع»، ورفض ذلك حتى وفاته فى العام الماضى رغم أنه من بنى المحكمة الدستورية العليا ومدينة السادات وسميراميس ومبنى جريدة الأهرام، لكنه لم يأخذ شيئًا، وهى طبيعته منذ أن خرج إلى الدنيا وحتى وفاته، لم يقبل أن يأخذ شيئًا من أحد، وقد كبرت أنا وسيد على وعى أن صلاح حجاب نائب للأب، خاصة بعد أن تخرج فى كلية الهندسة جامعة عين شمس واستطاع أن ينفق على تربيتنا وتعليمنا مع أبينا، وكان صلاح يتمتع بشخصية قوية ويتميز بحبه للرياضة، كما أنه رسام رائع، ومثلما كان سيد حجاب المثل الأعلى لى، كان صلاح المثل الأعلى لى ولسيد، وهو من علمنى كيف أكون مبدعًا أعمل على بناء الإنسان من خلال أعمالى، فهو شكّل هويتى الثقافية والشعرية ونفخ فىّ من روحه المُحبة للجمال والأدب.

■ المبدعون أكثر البشر تعرضًا للضغط النفسى لما يحملونه من هموم وأفكار.. لكن بماذا تفسر محاولة بعضهم الانتحار؟

- بسبب تباين الوعى والثقافة والنظرة إلى الحياة والقدرة على التماسك بالنسبة إليهم، ودعنى أُشِرْ إلى أشهر حالات الانتحار التى عايشتها عام ١٩٦٦ وكانت لأحد الأصدقاء «سامح سيد أحمد عطا المنفلوطى»، الذى تم اعتقاله فى سجن الواحات وهو طالب فى معهد الفنون المسرحية، وبعد خروجه حاول العودة إلى المعهد، لكن لم يتم قبوله، كما حاول أن يجد أى وسيلة يرتزق منها ولم يجد أيضًا، كما تم لفظه من الوسط الفنى، وهو ما دفعه للانتحار، حيث ابتلع عددًا كبيرًا من الأقراص المخدرة ومات على إثرها.

■ مع تداعيات ثورة ٢٥ يناير.. أعلنت عن كتابة ما يسمى «المسدسات الشعرية» بدلًا من الرباعيات.. ما الذى دفعك لذلك؟

- هذا النمط لجأت إليه بعد انتفاضة ٢٥ يناير ٢٠١١ التى اختطفتها جماعة الإخوان، وقتها زوجتى أهدتنى «آى باد» وتعلمت أن أكتب عليه، وفكرت فى قالب جديد لنفسى، مغاير لدرب ابن عروس وصلاح جاهين والأبنودى والخيام، وتوصلت إلى الشكل السداسى، وقتها اقترح علىّ سيد حجاب أن أسميها «مسدسات» تماشيًا مع أحداث يناير وكأنها طلقة فى قلب ما نعيشه من زخم سياسى، وكتبت آلافًا من المسدسات منذ يناير ٢٠١١ حتى اليوم تم تجميعها فى ٦ أجزاء.