رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هل نتعبد لله بالقرآن و«مِثْل القرآن»؟

هذه جولة أفكر فيها معكم، أحاول أن أنتقى الألفاظ، وأبحث عن أرق الكلمات لتنقل لكم مقصدى، فالذين يكفّرون الناس لا يبحثون عن المقاصد ولكن يصطادون الناس من خلال كلمة من هنا أو كلمة من هناك، لذلك أدعو الله أن يُبعد عيون المكفرين عنا، ويجعل عقول المفكرين معنا، تشاركنا فى البحث والتقصى، فنحن نبحث فى الدين، ونتمنى أن نصل إلى الأصوب أو الأقرب إلى الأصوب، وقد قضيت أزمانًا وما زلت أبحث عن «الحقيقة»، أقرأ الكتب قراءة المتأنى المتمهل، أغوص فى المعانى، أقفز فوق الكلمات، أعيش مع آيات القرآن الكريم، أحاول أن أسبر غورها، أجرى وراء الحديث الشريف، أبحث عن حقيقته، فأجد من يرفضه كله، ومن يعظمه كله وكأنه فى مرتبة القرآن الكريم أو أعلى، وحين يشتد الجدل داخلى تباغتنى آية قرآنية فى سورة الزمر يقول الله تعالى فيها «الله نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» (الآية ٢٣) يا ربى! ما هذا؟ كتابك يا رب هو أحسن «الحديث» كيف لم أنتبه إلى هذه الآية من قبل؟!.

الله وصف كتابه بأحسن الحديث، خذ بالك معى، فأنا وأنت قد نظن أن هذا الأمر عادى، ولكن لأن القرآن يفسر نفسه اقرأ الآية الأخرى الواردة فى سورة المرسلات والتى يقول الله فيها «فبأى حديث بعده يؤمنون» القرآن يا سادة هو أحسن الحديث، هل سمعتم؟! ورب العزة يقول فى آية فيها تعجب «فبأى حديث بعده يؤمنون»! المعنى شديد الوضوح، ولفظ الحديث المستخدم فى القرآن هو موضع التفكر والتدبر، حديث الله هو الحديث وليس أى حديث من أى شخص آخر مهما كان هذا الشخص ومهما كانت قداسته.

ندخل إلى نقطة أخرى جديرة بالتفكر والتدبر، إذ لك يا صديقى أن تضع تعريفًا جامعًا مانعًا للقرآن الكريم، فتقول إن اسمه ليست له سابقة فى لسان العرب، وليس له تالٍ، هو الاسم الوحيد الدال على كتاب الله الذى أنزله على سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، يحتوى على مائة وأربع عشرة سورة، ويحتوى على ثلاثين جزءًا، وعدد كلماته كذا، وعدد حروفه كذا، وفيه سور وآيات مكية نزلت فى مكة هى كذا وكذا، وسور وآيات مدنية نزلت فى المدينة هى كذا وكذا، أول آية فيه كانت كذا، وآخر آية فيه كانت كذا.

ولكن هل تستطيع أن تضع تعريفًا مماثلًا للحديث الشريف، فتقول إن عدد الأحاديث كذا، أوله حديث كذا وآخره حديث كذا، أحاديثه المكية هى كذا وأحاديثه المدنية هى كذا؟ والأسباب التى قال النبى فيها هذه الأحاديث هى كذا وكذا، دون هذا يا صديقى المستحيل، لأننا سنبدأ أولًا فى تصنيف الأحاديث بشكل مختلف، فنقول إن هذا حديث متواتر وهذا حديث آحاد، وهذا حديث مقبول وآخر مردود، وذاك صحيح وهذا حسن، وهذا ضعيف لكن صححه فلان، وهذا صحيح ضعفه فلان، وهذه ما بين مرفوع ومقطوع وموقوف، هذا النوع من الأحاديث نأخذ به، والآخر لا يعمل به إلا فى محاسن الأخلاق، وهذا نتركه، وذاك نرفضه، والآخر موضوع عند فلان وصحيح عند علان، وضعيف عند آخر وهكذا إلى ما لا نهاية.

الآن هل تعلم لماذا لا تستطيع أن تضع كيانًا محددًا للحديث الشريف؟ لأنه تابع للقرآن الكريم وليس شيئًا مستقلًا بذاته، ولأنه فى بعضه كان عبارة عن تربية وتعليم للجيل الأول المعاصر للنبى، كيف هذا؟ اسمع معى يا رفيق الدرب يا من تبحث معى عن الحقيقة لتعرف أن الحديث دون القرآن، وأن الرسول لم يضع فى الأحاديث تشريعًا، ولم يحرم أو يحل.

هل تظن يا صاح أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم على رسوله وفيه نقص أو غموض.. أو أحاجى تحتاج إلى من يفك طلاسمها؟! لو كان ذلك ما قال الله سبحانه عن القرآن «تلك آيات القرآن وكتاب مبين» وما قال «ألم تلك آيات الكتاب المبين» وما قال «‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء‏» ولو كان فى القرآن شبهة نقص يحتاج إلى إكماله من خارجه لما قال الله تعالى «وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون»، ومثل ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن وصل إلى الكمال والتمام.

أما السنة النبوية فلها مرتبتها العملية لا شك فى ذلك، ولكنها دون القرآن، إذ هى بمنزلة الشرح والتفسير لبعض ما جاء فى القرآن الكريم، وذلك مصداقًا لقوله تعالى «لتُبين للناس ما نُزِّل إليهم» أى أن السنة مضافة إلى القرآن، القرآن أولًا ثم السنة تبين ما كان عصيًا على أفهام العرب الأميين أصحاب الفكر المحدود، ولذلك فإن السنة ليس لها أن تُشرع تشريعًا دينيًا من دون القرآن، وليس لها أن تُحل وتُحرم، أو تضيف أحكامًا لم ترد فى القرآن، فالحرام ورد كله فى القرآن الكريم ولا تجوز الإضافة عليه، حتى إن النبى عندما حرَّم على نفسه العسل أنزل الله عليه قرآنًا قال فيه «يا أيها النبى لما تحرم ما أحل الله لك»، لذلك فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن له التحريم إلا أن له باعتباره نبيًا الأمر والنهى، فالنهى عن إطالة الثوب ليست من باب التحريم ولكن النبى كان ينهى عن ذلك لتربية جيل الصحابة وإبعادهم عن الكبر، ونفس الأمر بالنسبة للتماثيل، حيث كانوا قريبى عهد بالوثنية والأصنام، وقُل الأمر نفسه عن الذهب والحرير، كلها من باب النهى أو الأمر التربوى، لا من باب الحلال والحرام، وقد فهم الصحابة ذلك، فعندما نهى النبى عن حبس ضالة الإبل فهموا مقصده وامتثلوا للنهى، وعندما مرت سنوات وتبدلت الأحوال غيَّر سيدنا عثمان نهى النبى وأصدر أمرًا بحبس ضالة الإبل، ولذلك لك أن تعرف أن النبى كان له أن يضبط قوانين مجتمعه بعيدًا عن الحلال والحرام، هو الذى يحكم هذا المجتمع، وهو الذى عليه أن يضبط العلاقات بين الناس، لذلك قال الله له: «وأمر بالعرف»، والعرف هو ما تعارف عليه المجتمع من غير أن يكون حرامًا، فلك يا نبى الله تلك المساحة الواسعة تأمر وتنهى فيها من خلال أعراف مجتمعك والقواعد الكلية فى الرسالة، ولكنه أيضًا لا يستطيع أن يأمر لمجتمعات مستقبلية بأعرافها المستقبلية، ومن هنا لك أن تعرف أن سيدنا محمد كان رسولًا نبيًا، فهو الرسول الذى يبلغ الرسالة، وهو النبى الذى يقوم بتفعيل آيات الرسالة بين مجتمعه، وضبط قوانين مجتمعه.

ولكن يقابلنا يا صاح فى ذلك حديث منسوب للنبى، عليه الصلاة والسلام، هو «ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه»، وأظن أن من وضعوا هذا الحديث أرادوا أن يجعلوا للحديث مرتبة موازية للقرآن، أرادوه يحل ويحرّم، أليس هو بهذه المثابة وحيًا من الله لرسوله، وما فعلوا ذلك إلا لأن آية «إن هو إلا وحى يوحى» خاصة بالقرآن الذى أوحاه الله للرسول، فليكن الحديث هو الآخر داخلًا فى نطاق «إن هو إلا وحى يوحى» وهذا الحديث «ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه» من أعجب ما تقوَّلوه على النبى، عليه الصلاة والسلام، لذلك وقعوا فى العديد من الأخطاء التى لم يجدوا لها حلًا، إذ معنى هذا الحديث أن الله أعطى مِثل القرآن للرسول ليكون متممًا للنقص الذى فيه! فإذا افترضنا هذا جدلًا فلماذا يا هذا لم يأمر الرسول بكتابة هذا الذى هو «مثل القرآن»؟ ولماذا قال «لا تكتبوا عنى شيئًا غير القرآن»؟ وهل يجوز أن يترك الرسول صاحب الرسالة نصف الوحى يتناقله الناس بلا ضابط أو رابط، ينساه هذا ويتزيد فيه ذاك دون أن يكون محفوظًا فى كتاب؟، وهل يجوز أن نقول إن الصحابة تركوا نصف الوحى بغير تدوينه فى كتاب يُسمى «مثل القرآن»؟

وما زلنا نسير على القتاد نبحث معًا عن الحقيقة، نضع الأمور فى نصابها، فكونوا معى.