رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بين «سد إثيوبيا» ومعركة «فلسطين» «1»

الذين يروجون لفكرة أن هناك تناقضًا بين انشغال مصر بقضاياها المباشرة، وعلى رأسها الآن قضية «السد الإثيوبى»، وبين اهتمامها بالقضايا العربية المُلِحَّة، وفى مقدمتها الآن قضية العدوان الصهيونى الهمجى على أبناء الشعب الفلسطينى-مغرضون فى أغلب الظن، وفى أحسن الفروض مع افتراض حسن النيّة مخطئون!

ذلك أن الاشتباك مع قضايا وأزمات وتطورات الوضع فى المحيط الجغرافى لمصر، ليس اختيارًا يُمكن التملص منه، ويسهل الروغان من تحمُّل أعبائه، فالعنصر الجغرافى لوضع دولة محورية فى منطقتها، كمصر، يفرض عليها مسئوليات والتزامات واجبة، يجعل من المستحيل أن تأخذ بالمثل الشائع: «الباب اللى يجيلك منه الريح، سِدُّه واستريح»، فاهتمامها الضرورى بما يُحيطها، هو فى جوهره اهتمام بأمرها ومصالحها، وشئونها ومستقبلها.

ويُحدد الدكتور «جمال حمدان» الرأى الاستراتيجى العلمى فى هذا الشأن، بقوله فى كتابه العُمدة: «شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان»، (الجزء الثانى «شخصية مصر البشرية»، ص٧٠٠:٦٩٠، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ٢٠٢٠)، أنه «إذا كان ثمة من خاصية واحدة فى شخصية مصر الاستراتيجية مُستمرة ومُشتركة بين عصرى الإمبراطورية والمستعمرة، على ما بينهما من تناقض جذرى، فتلك الخاصية هى يقينًا أنها كانت مركز دائرة، مركز دائرة قلَّت أو كَبُرَت، ضاقت أو اتسعت، ولكنها دائمًا دائرة لها مُحيط وأبعاد وهى مركز ثقله وجاذبيته ولها الدور القيادى فيه. 

«بإيجازٍ حاسم»، يمضى الدكتور «حمدان» فى توضيح نظريته الحاكمة: «كانت مصر باستمرار قطب قوة وقلب إقليم، ومهما كانت أوضاعها الداخلية، فقد كانت مصر للغرابة والدهشة مركز دائرة ما وليست على هامش دائرة أخرى.. ونادرة جدًا هى المراحل التى انزلقت فيها إلى قوة بينية بدلًا من مركز القوة التى كانته غالبًا، ولا شك أن هذه الصفة الجوهرية التى تكاد تنطوى على متناقضة مثيرة، ترتد إلى جذور جغرافية أصيلة وكامنة فى كيان مصر تستدعى البحث والتحقيق».

ومن هنا فإن هذا الموقع الفذ لمصر فى مركز المعمورة، جعلها محكومة، فى أمنها ومصالحها، بمصير الوسط المحيط، وفى الشأن الذى نطرحه الآن، يقول «جمال حمدان»: «لهذا نجد، بلا استثناء، أن كل خطر خارجى يهدد الشام، يهدد مصر تلقائيًا، بل نكاد نقول إن مصير مصر مرتبط عضويًا، تاريخيًا وجغرافيًا، بمصير الشام عمومًا وبالأخص منه فلسطين التى شبّهها «كيبلنج» بـ«توكة على حزام العالم»، والتى يصفها «كول» بأنها متوسطة فى أكثر أقاليم العالم تَوَسطًا».

ويخلص «جمال حمدان» إلى أن «الذى يُسيطر على الشام يهدد مصر استراتيجيًا بمثل ما يهددها هيدرولوجيًا من يسيطر على السودان»، وفى الجملة الأخيرة مفتاح عبقريته وثاقب بصيرته، فهو أمسك بقلب الموضوع ولب القضية إمساك العارف العالِم لا المدعى المتنطع.

فالذى يقوله بوضوح إن مصر لا تملك ترف تجاهل ما يحدث فى ليبيا، أو فلسطين، أو السودان، أو اليمن، على سبيل المثال، لأن كل تطور سلبًا أو إيجابًا فى هذه الدول ينعكس مباشرة على أمن ومصالح واستقرار وازدهار مصر، ولا يعنى هذا الأمر الاستغراق فى الاهتمام بشئون هذه البلدان وإهمال الشأن المصرى البحت، فلا يوجد عاقل يقبل هذا الأمر، أو يراه أمرًا قابلًا للتطبيق، لكننا رأينا مغبة إهمال أوضاع القارة الإفريقية، على سبيل المثال، والمشاركة الفعالة فى توجيه مساراتها، خلال العقود الماضية، منعكسًا على أهم ملفات وجود مصر: مياه نهر النيل، شريان الحياة وسر الوجود. «يتبع».