رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هجمة درامية مرتدة 3

د. محمد الباز يكتب: «فخ الفوضى».. كيف كشفت المخابرات العامة شبكة العنكبوت بهجمتها المرتدة؟

محمد الباز
محمد الباز

 

المسلسلات الدرامية مثل البشر.

بهذا الإحساس الذى أعتقد أننى لا أنفرد به أتعامل مع المسلسلات الدرامية التى تشكل جانبًا كبيرًا من تاريخنا وثقافتنا ووجداننا وقصة حياتنا، لها النصيب الأكبر فى مشاعرنا وروايات حبنا وحكايات فراقنا ومواقف صدامنا. 

وبهذا الإحساس أيضًا يمكنك أن تجد مسلسلًا خفيف الظل، وآخر ثقيل الروح على قلبك لا تطيقه. 

يمكنك أن تجد مسلسلًا جادًا وآخر هزليًا تمامًا. 

يمكنك أن تجد مسلسلًا تحبه وتنشأ بينكما ألفة من طلة مشهده الأول، وآخر لا تتحمله من مشهده الأول أيضًا. 

وكما البشر أيضًا، فهناك مسلسل تصدقه، ومسلسل تستخف به ويدفعك دفعًا إلى أن تتجاهله. 

أعتقد أن مسلسل «هجمة مرتدة» الخارج إلينا من ملفات المخابرات العامة المصرية من هذا النوع، الذى لن تجد صعوبة فى تصديقه والإيمان بكل ما جاء فيه وأنت تشعر بالفخر والزهو. 

لكل مسلسل توصيف محدد عندى، وإذا أردتم قولًا يلخص ما نريد أن نتحدث فيه معًا عن «هجمة مرتدة»، فهو أنه مسلسل لا يكذب ولا يتجمل؟.. أما كيف تحقق هذا؟، فهذه قصة طويلة لها ملامحها وأبعادها، التى أعتقد أننا سنصبر معًا ونحن نبحث عنها.

نافذة الصدق الأولى فى هذا المسلسل أنه مأخوذ من ملفات المخابرات العامة المصرية، والمعنى واضح، فنحن أمام عمل له جذور واقعية، أبطال حقيقيون، لكن ولأن ليس كل ما يعرف يقال، فقد تغيرت الأسماء، وتدخل الخيال لينسج الحبكة الدرامية، لكن فى النهاية نحن أمام قصة حقيقية أفرج عنها جهاز نثق فيه ونعرف أن ما أنجزه وينجزه من بين أسرار الدولة العليا، التى لن يتم الكشف عنها، ولن أقول قريبًا أو بعيدًا، لأننى أعرف أنه لن يتم الكشف عنها كاملة أبدًا. 

فى أحد حواراته، كشف الكاتب الروائى الكبير صالح مرسى عن أنه حصل على وريقات قليلة فيها قصة «رأفت الهجان»، لكنه استطاع بما منحه الله من قدرة على النسج الدرامى أن ينتج لنا ملحمته، سواء فى شكلها الروائى أو فى طبعتها التليفزيوينة، التى استغرقت ثلاثة أجزاء. 

باهر دويدار كاتب «هجمة مرتدة»- هو كاتب الجزء الأول من ملحمة الاختيار أيضًا- أشار إلى أنه أنفق ستة أشهر فى القراءة والبحث وجمع المعلومات، وذلك بعد أن حصل على موافقة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على العمل على مسلسل من ملفات المخابرات العامة، وعندما تمت الموافقة النهائية بدأ فى كتابة العمل، الذى استغرق العمل فيه عامين. 

عندما نستسلم لغواية الحكى التقليدى سنجد أنفسنا أمام مسلسل يسجل وقائع باشرها جهاز المخابرات العامة، خلال السنوات التى سبقت أحداث ٢٥ يناير، من خلال متعاونين أساسيين هما «سيف العربى» و«دينا أبوزيد»، اللذين يتنقلان فى عدة دول ويتشابكان مع أكثر من جهاز مخابرات حول العالم؛ للوصول إلى ملامح الخطة التى تعمل عليها هذه الأجهزة لنشر الفوضى، تمهيدًا لإسقاط مصر والسيطرة عليها. 

على هامش هذا الخط الأساسى لـ«هجمة مرتدة» سنجد حالة درامية إنسانية رائعة، وهى الحالة التى لم تكن مجرد ديكور للخط الأساسى، ولكنها كانت فى صلب ما أراده صناع المسلسل جميعًا. 

بنعومة شديدة نتابع قصة الحب التى تنشأ بين سيف العربى ودينا أبوزيد، ورغم عذوبة مشاعرهما ولهفتهما التى لا تنتهى إلا أنهما ضحيا بكل شىء من أجل مواصلة عملهما، فعندما وجدا نفسيهما فى لحظة اختيار بين أن يتزوجا أو يكملا عملهما مع جهاز المخابرات، اختارا العمل من أجل مصر، وهو الاختيار الذى كان عن قناعة تامة رغم الألم والرغبة والحاجة ومغريات الحياة الآمنة المستقرة. 

وبمحبة شديدة نتابع عائلة سيف العربى. 

الأب الذى يعرف ملمحًا من بعيد عمّا يقوم به ابنه فيدعمه رغم معرفته بما يمكن أن يترتب على عمله من خطر. 

والأم التى تعانى من الألم فى صمت، وكل ما يشغلها أن يستقر أولادها ويتحققوا فى الحياة. 

الابن الطبيب الغاضب والساخط والرافض الواقع الذى يعيش فيه، والذى يريد أن يرحل عن البلد الذى لا يجد فيه نفسه. 

والبنت المتمردة التى تدرس فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وتشتعل حماسًا فتنخرط فى اجتماعات ومناقشات من أجل التغيير الذى يريده الشباب. 

أسرة مصرية عادية جدًا، لم يحاول المسلسل تجميلها أو يكذب بشأن ما هى عليه، أو وضع العبارات الوطنية الإنشائية الرنانة على لسانها، لكنه انحاز إلى أن يرسم الواقع كما هو.

وبنفس الواقعية يرسم لنا باهر دويدار صورة لأسرة دينا أبوزيد. 

الأم البسيطة التى تقوم على بيتها بهدوء وصبر بعد أن مات زوجها. 

والجد المناضل الذى يعتز بتاريخه ويرفض أن تسلك حفيدته مسلكًا لا يرضاه، بل يصفعها على وجهها بقوة؛ لأنها صرحت فى أحد برامج القنوات الأجنبية بما لا يتفق معه، ولا يهدأ إلا بعد أن يعرف أنها تقدم خدمة جليلة للوطن. 

والأخت الصغيرة التى نجحت بتفوق فى دراستها الجامعية، لكنها لا تجد عملًا، وتشكو طول الوقت من الواسطة والمحسوبية التى تفشت فى البلد، وهى الواسطة التى تحرم الأكفاء من فرصهم الحقيقية المستحقة، وتتيح لأنصاف الموهوبين ما لا يستحقون من فرص. 

وبتعاطف شديد نتابع عظمة رفعت بيه المسئول الكبير فى جهاز المخابرات- تحول بالفعل إلى أيقونة ترمز إلى الجدية والانضباط والوطنية- ومأساته فى الوقت نفسه، ففى الوقت الذى يمسك فيه بخيوط كثيرة داخل مصر وخارجها، ويدير عمل شبكة من المتعاونين مع الجهاز، وهو ما يحتاج إلى أعلى درجات التركيز، نراه يخلع نفسه من كل ذلك ليتابع حالة فتاته الصغيرة، التى تعانى من مرض خطير، وكم كان الفنان الكبير هشام سليم عظيمًا وهو يبدو ثابتًا وقويًا ومسيطرًا، رغم ما يختزنه من حزن وألم بسبب ابنته، التى بدت فى مشاهدها القليلة ملائكية، تقدر عمل والدها وتلتمس له العذر. 

ودون ادعاء أو تجميل أو مخاصمة للواقع، استطاع باهر دويدار أن يرسم صورة واقعية لضباط جهاز المخابرات الذى ينفقون معظم- إن لم يكن كل- وقتهم فى عملهم، وهو ما يؤثر على حياتهم الاجتماعية، فيعيشون فى ضغوط مستمرة، فهم فى النهاية مواطنون لهم حياتهم وبيوتهم يعيشون فى ظل نفس الظروف التى نعيش فيها جميعًا، لكن الفارق أنهم يدفعون الثمن مضاعفًا. 

ففى الوقت الذى نستطيع أن نعيش فيه حياتنا بشكل عادى، فإنهم لا يتمكنون من ذلك. 

وفى الوقت الذى يمكننا أن نترك أعمالنا إذا ما أثرت على حياتنا، فإنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، لأن عملهم فى النهاية رسالة وطنية سامية، وليس مجرد وظيفة يؤدونها فى روتينية؛ ليحصلوا من ورائها على مقابل. 

من بين المشاهد العظيمة والمعبرة فى آن واحد، هذا المشهد الذى تجلس فيه ضابطة الجهاز على مكتبها، يدخل عليها زميلها الضابط، يلاحظ أنها لا ترد على اتصالات خطيبها، فلديها ما يشغلها، فينصحها بهدوء وفى عينيه فيض من ألم: «حاولى تردى لأن أنا ومراتى انفصلنا بسبب حاجات زى دى». 

لقد ساهمت هذه الخطوط الدرامية الإنسانية، بعيدًا عن الخيط الأساسى للمسلسل وهو الكشف عن شبكة العنكبوت، التى كانت تخطط لنشر الفوضى فى مصر، فى خلق حالة من التفاعل الكبير مع المسلسل وأبطاله، ففى الوقت الذى نراهم يؤدون عملهم بأسطورية لا شك فيها، نجدهم فى الوقت نفسه بشرًا من لحم ودم، يفرحون ويحزنون، يغضبون وينبسطون، يشكون ويشكرون، ينجحون ويفشلون، يتألمون ويتخففون من أوجاعهم بالفضفضة، وربما بالصمت الموحى بكل شىء. 

قبل عرض «هجمة مرتدة» على شاشة تليفزيون رمضان، تناثرت أخبار عن رغبة صناع المسلسل فى تغيير اسمه من «هجمة مرتدة» إلى «أمن قومى»، ورغم أن موضوع المسلسل وقصته وحكاياته وأحداثه ووقائعه، تصب فى نهر الأمن القومى، لكن «هجمة مرتدة» كان هو الاسم الأكثر توفيقًا وتعبيرًا عمّا جرى. 

فعلى الأرض ومنذ سنوات طويلة كانت هناك هجمة طاغية على مصر تقودها أجهزة مخابرات خارجية ومنظمات تخدم هذه الأجهزة، وتنفذها منظمات ومؤسسات وقنوات تليفزيونية وشخصيات فى الداخل، وهى المؤامرة التى لم تكن خافية على جهاز المخابرات العامة، الذى اخترق صفوف المؤامرة مبكرًا جدًا، وحجز لنفسه كرسيًا على مائدة المتآمرين، يرصد ويوثق ويحلل ويفسر ويضع السيناريوهات، ويرفع التقارير إلى صانع القرار. 

وبعد هذه السنوات التى عاشها المصريون فى ظل دعايات إعلامية كاذبة ومضللة، كان لا بد من هذه الهجمة المرتدة التى تكشف خيوط المؤامرة وتضع من اشتركوا فيها أمام أنفسهم عرايا تمامًا لا يسترهم شىء، وأعتقد أن الإشارات فى المسلسل كانت كافية جدًا لأن نعرفهم ونتعرف على أدوارهم. 

لقد بقينا لسنوات طويلة فى صحفنا وبرامجنا التليفزيونية، وعبر منصات التواصل الاجتماعى نتحدث عن المؤامرة التى تعرضت لها مصر، وهو الحديث الذى قابله من تآمروا بالسخرية، بل وصل بهم الأمر إلى اتهام من يتحدثون عن المؤامرة بأنهم مرضى نفسيون يعانون من «فوبيا التآمر»، قالوا إن المؤامرة ليست إلا فى رأس من يتحدثون عنها، وأن الإشارة إليها ليست إلا تبريرًا للفشل. 

كان هؤلاء يمعنون فى كذبهم وتضليلهم وتبجحهم، ففى الوقت الذى يواصلون فيه التآمر على مصر، كانوا يقولون: وما الخطر الذى يمكن أن تمثله مصر على أى دولة فى العالم حتى يتآمر الآخرون عليها؟ 

لم يكن هذا السؤال إلا نوعًا من لفت الانتباه عن القضية الأساسية. 

كانوا يحاصروننا بالاتهامات حتى نصمت تمامًا، فنخلى لهم الطريق لينفذوا ما يريدون، ويخرجوا بالغنيمة التى يخططون لها. 

أعترف بأن كثيرين من الذين كتبوا وتحدثوا لم تكن لديهم المعلومات الكافية عن حدود المؤامرة، لكنهم كانوا يشعرون بها مما يحدث على الأرض. 

وأعتقد الآن أن من تصدوا للمؤامرة دون حتى أن يعرفوا كل تفاصيلها يعرفون أنهم كانوا على حق، بعد أن شاهدوا فى «هجمة مرتدة» تفاصيل ما كان يجرى على الأرض. 

فى «هجمة مرتدة» يمكن أن نضع أيدينا على أكثر من قيمة، لكننى أعتقد أن القيمة العليا لهذا المسلسل أنه وضع أيدينا بوضوح لا يقبل شك على حدود المؤامرة التى كان المتآمرون ماضين فى تنفيذها، والأهم من ذلك أن المسلسل كشف عن الهدف منها، فلدينا بالفعل ما يجعل الآخرين يطمعون فينا. 

كشف المسلسل عن أن الحرب القادمة ستكون على غاز المتوسط، وأن من يخططون لإضعاف مصر يفعلون ذلك حتى لا يكون قرارها بيدها، خططوا لمصادرة القرار لأنفسهم، حتى إذا جاء الوقت المناسب للسطو والسيطرة لا تجد الدول الطامعة مقاومة من أى نوع، وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بتفيكك مصر وتشتيتها وتشريد أبنائها وزرع الفوضى فيها، تمهيدًا لزرع عملاء فى الحكم. 

عندما نتابع ما حدث على الأرض سنجد أن هذا السيناريو كان يسير على الأرض، وما وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم إلا فصل من فصول المؤامرة، وهو ما لا يحتاج إلى أى دليل. 

مشهد واحد فى «هجمة مرتدة» يكشف لنا عن الغرض الذى يسكن فى قلبه المرض بل ويسيطر عليه. 

يقف «إيزاك» المسئول فى الجهاز الأمنى المعادى لمصر إلى جوار «داود»، الذى كان مسئولًا عن تجنيد العملاء لهذا الجهاز، يشاهد على شاشة التليفزيون نهاية أحداث يناير بتخلى الرئيس السابق مبارك عن منصبه وتفويض المجلس العسكرى لإدارة شئون البلاد، فيقول: كده كأن مفيش حاجة حصلت. 

كان المعنى واضحًا، فالخطة قامت على أن تدخل مصر فى حالة من الفوضى، أن تشتعل الحرب الأهلية فتأتى على كل شىء.. الأخضر واليابس. 

أدرك «إيزاك» أن تولى الجيش إدارة شئون البلاد معناه أنه لن تكون هناك فوضى ولن تكون هناك حرب أهلية، وأن سيناريو الخطة الأول فشل تمامًا، فأعلن أنه لا بد من تنفيذ الخطة البديلة، وهى خطة تمكين الإرهابيين فى سيناء، وتنفيذ عدد من التفجيرات فى قلب القاهرة، أملًا فى أن تفلت الأمور، ويتحول الواقع إلى جحيم. 

لخص «إيزاك» المسألة كلها بما كانوا يريدونه، لقد خططوا لأن تقف مصر على قدم واحدة.

إنهم لا يريدونها أن تقوم، لأنهم يعرفون أنها إذا قامت وقويت، فسوف تقود الجميع لأن هذا قدرها بحكم موقعها وتاريخها وحضارتها وقوتها البشرية وعظمة جيشها واحتراف أجهزتها الأمنية السيادية. 

ولا يريدونها أن تسقط، لأن فى سقوطها دمارًا للمنطقة كلها، ولا يستطيع العالم كله أن يسود الدمار فى المنطقة. 

هناك قيمة أخرى لا تقل أهمية ولا خطورة، استطعنا أن نضع أيدينا عليها من ظاهر حلقات «هجمة مرتدة» وباطنها. 

فإذا كان مسلسل «الاختيار» بجزءيه الأول والثانى، استطاع أن يزرع الإحساس بالاطمئنان فى نفوس المصريين، الذين يمكن لهم أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعى جدًا، لأن هناك من بين أبنائهم من قرروا أن يهبوا هذا الوطن حياتهم من أجل أن يبقى، ننام هادئين دون أن يقلقنا شىء؛ لأن على ثغورنا رجالًا اختاروا الوطن، ولم يخضعوا لمغريات الحياة التافهة. 

فإن مسلسل «هجمة مرتدة» استطاع ومن حلقته الأولى أن يعزز لدى المصريين الإحساس بالثقة المطلقة. 

لقد كانت هناك محاولات كثيرة للتشكيك فى جهاز المخابرات، صنع الخصوم أفلامًا وأنتجوا برامج، وألفوا كتبًا لمواجهة هذه الجهاز العظيم، لكن وبضربة واحدة رأينا كيف يعمل الجهاز، كيف هم رجاله، كيف يتصرفون، وكيف يعملون، وكيف يهبون الوطن كل شىء من أجل أن يبقى آمنًا مستقرًا، وهذه كلها ليست على سبيل الأسئلة وعلامات الاستفهام، بقدر ما هى على سبيل التقرير والاعتراف بما يحدث على الأرض. 

أرى فى عينيك سؤالًا. 

من حقك أن تسأله بالطبع. 

ومن واجبى أن أجيبك عنه بقدر ما أستطيع. 

ستقول لى: إذا كانت الأجهزة الأمنية المصرية، وعلى رأسها وفى القلب منها جهاز المخابرات العامة رصدت بكل هذه الكفاءة خيوط المؤامرة وحدودها، فلماذا لم تتدخل فى الوقت المناسب؟ لماذا تركت المتآمرين يتحركون بهذه الأريحية؟! لماذا لم تفسد المؤامرة وتبطل مفعولها؟! 

وسأقول لك بما أعرفه إن الأجهزة الأمنية المصرية، وعلى رأسها وفى القلب منها جهاز المخابرات العامة قدم التقارير الكاملة وسيناريوهات المواجهة على الأرض، لكن للأسف الشديد لم تكن هناك إرادة سياسية كافية للتصدى. 

لم يكن هناك أى شىء مجهول ولا غير معروف، كان جهاز المخابرات المصرية يضع يده على كل شىء، رصد وحذر، لكن كانت القيادة السياسية وقتها مشغولة شيئًا ما، ومترددة شيئًا ما، وغير مدركة الخطر أو مستخفة به، ولذلك وقع المحظور. 

جهاز المخابرات العامة فى النهاية جهاز معلومات، وقد أدى دوره بكفاءة واحترافية عالية، بل الأكثر من ذلك كان هو من أسهم المساهمة الكبرى فى تعطيل المؤامرة والوقوف دون وصولها إلى منتهاها. 

تعرف كما أعرف أنا أن ما رأيناه فى «هجمة مرتدة» لا يمثل أكثر من ١٠ بالمائة مما حدث على الأرض، وهو ما يجعلنا نتخيل حجم ما جرى، فقد كان ما يراد بهذا البلد كبيرًا وكثيرًا وضخمًا ومخيفًا. 

لقد تحملت الأجهزة المصرية ما لا يطيقه أحد، وأعتقد أن هناك مشهدًا دالًا جدًا على ذلك. 

قرر شباب الثورة أن يعقدوا مؤتمرًا فى أحد الفنادق الكبرى، وهو المؤتمر الذى هاجموا فيه الجيش وجهاز المخابرات، والمفارقة أنهم وهم يفعلون ذلك، كان جهاز المخابرات يتحرك لإنقاذ المؤتمر من تفجير خطط له جهاز معاد حتى يوسع الفجوة بين هذه المؤسسات وشعبها. 

المشهد مؤكد ليس من وحى الخيال، حتمًا له جذور فى الواقع، وهو ما يؤكد أن جهاز المخابرات لا يلتفت لمن يهاجمه أو يتعدى ويتجاوز حدوده معه، ولكن يلتفت فقط لحماية هذا البلد، فقد قرر رجاله كما سمعنا فى المسلسل وخارجه، أنهم لن يتركوا أحدًا يكسر هذا البلد أبدًا. 

بقى معى مشهد من مشاهد «هجمة مرتدة» أعتقد أنه يلخص الحكاية كلها. 

الثلاثة سيف العربى ومعه أشرف وأسامة الذين يعملون لحساب المخابرات المصرية فى العراق يتحدثون عن حلمهم فى إنجاب أولاد، يحكون ما يفعلونه من بطولات، وما يقدمونه من تضحيات من أجل مصر، يتبادلون الضحكات والهزار، وفجأة يتوقف كل هذا.

ينتبه الثلاثة إلى أنهم لا يمكنهم أن يحكوا لأحد ما يفعلونه، فقد كتب عليهم ألا يتحدثوا حتى لأقرب الناس إليهم، يعيشون دون أن يعرف أحد عنهم شيئًا، وعندما يموتون يرحلون وأسرارهم كلها معهم، متحملين كل شىء ولا يردون حتى على الشبهات التى يمكن أن تحيط بهم. 

تخيل أن هذا هو حال من يتعاونون مع جهاز المخابرات، فما بالك بمن يعملون فيه، رجاله من قيادات وضباط وخبراء، لقد اختار هؤلاء الوطن، ودفعوا ثمن اختيارهم راضين مرضيين.