الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الفكر الدينى والمؤسسة الدينية

 

الفكر الدينى وليس الخطاب الدينى هو تفسير وتأويل البشر للنص الدينى، ولما كان البشر والفكر البشرى قابلين للصواب والخطأ.. هنا من الطبيعى أن يكون هذا الفكر الدينى ليس مقدسًا، بل قابلًا للصواب وللخطأ. والدليل على ذلك أن النص الدينى واحد ولكن هناك سنة وشيعة كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت.

ولكن لأن هذا الفكر كان وبدأ، وما زال، يستمد وجوده من المؤسسة الدينية، تلك المؤسسة التى كانت نتيجة لظروف تاريخية وسياسية قد أثرت فى السلوك والقناعات الاجتماعية. ولأن المؤسسة أخذت صفة الحامية للدين والمسئولة عنه. هنا انسحبت قداسة الدين على هذا الفكر الدينى غير المقدس، مع العلم بأن هذا الفكر وهذه المؤسسة المقصود بهما «هو الدين، أى دين، والمؤسسة، أى مؤسسة دينية، فالظروف والواقع والتاريخ واحدة» فى الوقت الذى تحولت فيه المؤسسة بحكم الواقع إلى قيادات وزعامات وأتباع لا بد لهم -من باب الإخلاص للمؤسسة- أن يدافعوا عن هذه المؤسسة وعن الموروث، كل الموروث، باعتبار أنه مقدس حتى لا يؤثر ذلك على كيان وكينونة المؤسسة كما يتصورون. حتى لو تعارض هذا الموروث مع المقاصد العليا للدين. ولذا وجدنا طوال التاريخ من يدعو ويتبنى فكرًا دينيًا متطورًا يواكب الزمان والمكان ملتزمًا بالنص الدينى «ثبات المنطوق وتغير المفهوم». مثل الشيخ محمد عبده وعلى عبدالرازق وطه حسين. وعلى الجانب الآخر وجدنا الأنبا أغريغوريوس والأب متى المسكين وكانت لهما اجتهادات تعارض النص، ولكن سدنة المؤسسة عارضوهما وحاربوهما بحجة الحفاظ على المؤسسة وعلى الموروث. وهذا يعنى أن المؤسسة، تاريخيًا وعمليًا وواقعيًا، أصبحت لها الوصاية الكاملة على الفكر الدينى وعلى تصحيحه بما يتواءم مع معطيات العصر.

ولا شك وفى كل العصور نجد هناك من القيادات الدينية والروحية ومن داخل هذه المؤسسات من يسعى لتجديد الفكر الدينى ملتزمًا بالثوابت وبالمتوافق مع الواقع من التراث. ولكن نشاهد فى ذات الوقت ذلك الصراع بين المؤسسة وبين المجدد، ولكن تبقى أفكار التجديد باقية وفاعلة حتى ولو كانت بعيدًا عن تعاليم المؤسسة. وفى هذا الإطار نجد أفكار الشيخ الطيب شيخ الأزهر التى يطلقها خارج مصر أو داخلها فى مناسبات كثيرة تتوافق مع عقلية وأفكار من يريد التجديد والتوافق مع الواقع مع الالتزام بثبات النص. ولكن واقعيًا وعمليًا فأفكار الدكتور الطيب طالما لم تصدر عن المؤسسة الدينية تصبح أفكارًا واجتهادات شخصية مقدرة وتمثل لبنة فى البناء. على الجانب الآخر وجدنا البابا تواضروس الثانى له اجتهادات مقدرة ومتوافقة مع حالة تجديدية تحتاجها الكنيسة بعد ألفى سنة من التمسك بالموروث الذى أصبح مقدسًا، ولكن وجدنا هجمة لا تليق على الإطلاق من الحرس القديم الذى يظهر تمسكه بالموروث وكأنه هو الدين وهو المقدس. وكلا الطرحين يطرح تحت مسمى الحفاظ على المقدس وكان أى تجديد فكر دينى هو ضد الدين وضد المقدس.

المقدس يا سادة هو النص الثابت الذى لا تملك تغييره، ولكن تفسير النص والاجتهاد فيه هو متغيران وليسا ثابتين، ولا بد أن يتوافقا مع المعيش وإلا نكون قد حكمنا على النص بالتجمد وليس بثباته. تجديد الفكر الدينى حكمة إلهية خلودًا للدين وتوافقًا مع الحياة فى زمانها ومكانها. تلك الحياة بكل معطياتها ومتغيراتها لا تتناقض البتة مع صحيح النص ولا مع المقاصد العليا للأديان التى جاءت لصالح الإنسان. ولذا يصبح من الطبيعى أن تكون مهمة هذا التجديد ليست المؤسسات الدينية فقط، ولكن كل المؤسسات والمفكرين والباحثين والمؤمنين بالدين الذين يتمتعون بعلاقتهم الخاصة مع الله سبحانه وتعالى والتى لا يجب أن يكون عليها رقيب أو وصى. حمى الله مصر وشعبها العظيم.