رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

السد.. موقف أمريكى مختلف

فى تطور جديد ولافت، دعت الخارجية الأمريكية، أمس الجمعة، إلى استئناف المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة «على وجه السرعة». وأكدت، فى بيان، أنها تبحث التوفيق بين مخاوف مصر والسودان بشأن الأمن المائى مع احتياجات التنمية فى إثيوبيا من خلال مفاوضات موجهة نحو النتائج تحت قيادة الاتحاد الإفريقى.

فجأة، أدركت الولايات المتحدة، بحسب البيان، أن «المنطقة تمر بمنعطفات مهمة، وأن القرارات التى ستتخذ فى الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون لها تداعيات كبيرة على شعوب المنطقة، وكذلك على المصالح الأمريكية». ولعلك لاحظت أن هذا تقريبًا هو ما حذر منه الرئيس عبدالفتاح السيسى، حين قال إن المنطقة ستشهد حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد حال المساس بحصة مصر التاريخية فى مياه النيل، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم، يضمن عدم حدوث أى أضرار أو تداعيات سلبية للسد الإثيوبى. ولعلك تعرف، أيضًا، أن الولايات المتحدة يمكنها، لو أرادت، تجنيب الشعب الإثيوبى، والمنطقة كلها، عواقب عاصفة عاتية، لن تُبقى.. ولن تذر.

لغة بيان الخارجية الأمريكية، على غير المعتاد، كانت واضحة وحاسمة. وبلا أى مواربة، أكد أن الولايات المتحدة ملتزمة بالعمل مع الشركاء الدوليين، لتسهيل حل نقاط التوتر الإقليمية: النزاع حول سد النهضة، الصراع على حدود السودان، وإنهاء الصراع فى إقليم تيجراى الإثيوبى، ومحاسبة المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان فى ذلك الإقليم، بعد أن أعرب البيان عن القلق الأمريكى العميق إزاء زيادة الاستقطاب السياسى والعرقى فى جميع أنحاء إثيوبيا، وإزاء الفظائع، التى يجرى ارتكابها، وحجم حالة الطوارئ الإنسانية غير المقبولة.

نظريًا، يمكن ربط هذا الموقف المختلف بجولة جيفرى فيلتمان، المبعوث الأمريكى الخاص للقرن الإفريقى، التى بدأت فى ٤ مايو الجارى، وانتهت أمس الأول، الخميس، وزار خلالها مصر وإريتريا والسودان وإثيوبيا. لكن، عمليًا، قد تكون هناك أسباب أخرى، إذ إن دونالد بوث، المبعوث الأمريكى السابق، قام بجولة شبيهة، شملت أيضًا جمهورية الكونغو الديمقراطية، التى تتولى حاليًا رئاسة الاتحاد الإفريقى. وتناول، مع وزير الخارجية الإثيوبى، خلال زيارته أديس أبابا، فرص مساهمة الولايات المتحدة فى دفع عملية المفاوضات، ثم ظهرت النتائج فى جولة المفاوضات التى استضافتها العاصمة الكونغولية كينشاسا، برفض إثيوبيا كل الحلول والمقترحات المصرية والسودانية.

المبعوث الأمريكى السابق كان هنا، فى القاهرة، أواخر مارس الماضى، وتباحث مع السفير حمدى لوزا، نائب وزير الخارجية للشئون الإفريقية، حول تطورات ملف السد الإثيوبى والجهود الجارية لإعادة إطلاق المفاوضات من أجل التوصل لاتفاق حول تشغيل السد وملء خزانه. وخلال اللقاء، أكد لوزا ضرورة التوصل لاتفاق على ملء وتشغيل السد قبل شروع إثيوبيا فى تنفيذ المرحلة الثانية من الملء، وشدّد على أهمية أن تتسم المفاوضات بالفعالية والجدية.

طوال السنوات العشر الماضية، حاولت مصر، بصبر لامس حد البرود، التوصل إلى اتفاق عادل، يتيح لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من بناء السد، دون المساس بحقوقنا وحقوق السودان التاريخية فى مياه النيل. ولم يحدث أن لوّحت مصر باستخدام القوة، بل انصب كل تركيزها، ولا يزال، على التفاوض وفقًا لمبادئ القانون الدولى والشرعية الدولية، وحرصت دومًا على التفاوض كسبيل لتسوية الخلافات، بكل شفافية وحُسن نية. وفى المقابل، لم يبد الجانب الإثيوبى، خلال كل جولات المفاوضات، أى مرونة ولم يلتزم ببنود اتفاق إعلان المبادئ، الذى تم توقيعه فى مارس ٢٠١٥، أو بمبادئ القانون الدولى الحاكمة لإدارة واستخدام الأنهار الدولية.

تأسيسًا على ذلك، أعلنت مصر عن ترحيبها بكل جهد دولى للوساطة، وقبلت مصر الدعوة، التى تلقتها من الإدارة الأمريكية، للمشاركة فى اجتماع دعت إليه وزراء خارجية الدول الثلاث، الذى بدأت، بعده، جولة جديدة من المفاوضات، استضافتها واشنطن، وشاركت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولى، بصفة مراقب، وتولى الطرفان صياغة مسودة اتفاق وافقت الدول الثلاث على كل بنوده، ووقعت عليه مصر، فى حين غابت إثيوبيا عن الاجتماع الأخير، ورفضت التوقيع، ما أكد سوء نيتها وعدم رغبتها فى التوصل إلى اتفاق.

أيضًا، دعمت مصر مقترح السودان، لتطوير آلية التفاوض، التى يرعاها الاتحاد الإفريقى، من خلال تشكيل رباعية دولية تقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية بصفتها الرئيس الحالى للاتحاد، وتضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة. غير أن إثيوبيا رفضت هذا المقترح بزعم عدم إمكانية «إقحام أطراف أخرى فى ظل قيام وساطة إفريقية»!

.. وأخيرًا، نتمنى ترجمة موقف الولايات المتحدة المختلف، على الأرض، لأن استمرار الرعونة الإثيوبية، سيؤدى إلى عواقب وخيمة، ليس فقط على المصالح الأمريكية ولكن أيضًا على مصالح ومصائر كل دول الإقليم، غير المستقر، الذى لن يحتمل المزيد من الاضطرابات.