الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عيد الكحك

عيد الكحك.. هكذا كنا نسمى عيد الفطر، ربما لا يعرف الجيل الحالى ذلك، درج المصريون على تسمية أعيادهم بأسماء الأكلات الشهيرة التى ترتبط بها، فعيد الفطر هو عيد الكحك، وعيد الأضحى هو عيد اللحمة!

مَن منا يتذكر الأسبوع الأخير من رمضان، حيث تخصص العائلات هذا الأسبوع لعمل الكحك والبسكويت، تسهر العائلة مجتمعة من السحور حتى مطلع الشمس فى التجهيز لعمل ذلك. كم أشتاق إلى منظر الدقيق وهو فى حالة عناقٍ دافئ مع السمن البلدى الساخن، هناك عجينة مخصوصة لعمل الكحك، وأخرى لعمل البسكويت، وعجينة خاصة لعمل الغريبة التى كنت أعشقها، لكنى الآن ومع تقدم السن وارتفاع الكوليسترول لا أستطيع الاقتراب منها.

كم هى بارعة السيدة المصرية فى عمل الكحك، إنه ليس مجرد عجينة تُخبَز وتؤكل فقط، ولكن مَن ينظر إلى الكحك المصرى يكتشف أنه بالفعل لوحة تشكيلية عالية المستوى، تبدأ اللوحة منذ أن تمد السيدة يدها فى العجينة لتقتطع جزءًا منها تُشكِّله على هيئة «كحكة»، ولكنها لا تكتفى بذلك، لقد اخترعت الفنانة المصرية «المناقيش» وهى من الصاج، تمسكها السيدة لترسم بها لوحة جميلة على وجه الكحكة. وكانت النقشة الأكثر شهرة وانتشارًا هى لوحة قرص الشمس، وعندما كبرت وتخصصت فى التاريخ أدركت مدى الاستمرارية فى التاريخ المصرى ورمز الشمس فى الحضارة المصرية.

ولا تكتفى السيدة المصرية بذلك، إنما هناك فن ومهارة فى عملية رص الكحك فى الصاج، ولا أُبالغ إذا قلت أن أول تعرُّف لى على لوحة تشكيلية كان من خلال رص جدتى وأمى للكحك فى الصاج، إن لوحة الصاج قبل أن يدخل الفرن، ثم النظر إليه بعد خروجه منه واكتسابه اللون الذهبى لهُما أول درس للطفل المصرى فى مدرسة الفن الجميل.

ولا تنتهى قصة الكحك عند ذلك، إنما فى الحقيقة تبدأ قصة أخرى فى إعداد وتهيئة الكحك لتقديمه للطعام، خاصةً للضيوف، إذ لا بد من رش الكحك بالسكر البودرة الذى يُكسبه لونًا أبيض جميلًا، وهناك فن آخر فى رش الكحك ورصه وتقديمه على الصينية ليتم تناوله مع الشاى.

ومن الطريف أنه كانت هناك مباراة بين العائلات حول جودة الكحك وطعمه ولذته، فكل عائلة ترسل للأخرى طبقًا من إنتاجها من الكحك، لتبدأ مباراة أخرى حول مَن صاحبة أفضل كحك. وكان يُشار إلى السيدة التى لا تُجيد فن عمل الكحك بأن كحكها «ناشف»، «تضربه فى الحيط يرجع لك»، أما السيدة صاحبة الكحك اللذيذ فإن كحكها «يذوب فى الفم»، دلالة على جودة الدقيق والسمن ومهارة الصنع. وأصبحت الكحكة دلالة الجودة والجمال، فإن ارتدت السيدة فستانًا جميلًا، يقولون فستانها كحكة.

كل عام وأنتم ومصر كلها بخير.