رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

إخوان ليبيا.. بين مظلة «الجماعة» وعباءة «الجمعية»

«جماعة الإخوان- الفرع الليبي» أعلنت فى 2 مايو 2021، تحولها إلى «جمعية توعوية»، أطلقت عليها جمعية «الإحياء والتجديد»، بذريعة العودة للتركيز على العمل المجتمعى.. الجمعية قامت بإعداد مسودة بيان، بانتهاء وجود التنظيم بشكل كامل!!، لكن الجمعية العمومية لم توافق على إقراره، كما رفضته معظم قواعد إخوان ليبيا، مايعنى التمسك باستمرار التنظيم.

فى أول انتخابات برلمانية أجريت فى ليبيا بعد الثورة «عام 2012»، أخفى الإخوان هوياتهم السياسية، لإدراكهم ضعف شعبية التنظيم على المستوى الجماهيرى، وقد مكنتهم هذه الخدعة من الفوز، والحصول على الأغلبية في البرلمان، من خلال القوائم الفردية، على الرغم من اكتساح حزب محمود جبريل «تيار مدنى» للقوائم الحزبية، وبفارق شاسع.. لكن الشارع الليبى خلال انتخابات البرلمان الحالي «عام 2014» اكتشف الخدعة، وخسر التيار الإسلامي الإنتخابات، ما دفعه إلى اللجوء للعنف والإرهاب، لعرقلة المسار الديمقراطي، والتمرد على نتائج الصندوق، وهو ما عقد الأزمة الليبية، وضاعف من قبح صورة التنظيم، وبدد شعبيته.

تنظيم إخوان ليبيا يعانى إشكاليات متعددة؛ فقادته وعلى رأسهم المرشد الروحي للجماعة مفتي ليبيا السابق الصادق الغرياني انتقلوا بعد فوضى 2011 الى تركيا، حيث وجدوا الملاذات الآمنة، والمنصات الإعلامية للدعاية للتنظيم، وتسويق مشروعهم السياسى، لكن ماحدث بالتنظيم فى الداخل كان نكسة كبرى، تسببت فى عجزه عن فرض أى وجود سياسى او شعبى على الأرض، رغم مرور عشر سنوات على نشاطه، بل انه يتراجع خطوة تلو أخرى، حتى فقد مريديه تحمسهم لدعم التنظيم.. وبدأت القيادات تتبادل الإتهامات؛ الغرياني وجه انتقادات لاذعة لحزب «العدالة والبناء» التابع للتنظيم فى يناير 2021، رغم انهم كانوا حلفاء الأمس، واتهمه بالتواطوء مع أجهزة السلطة إما لضمان المشاركة، أو خوض الصراع معها للإسئثار بها، وأفتى بأن ذلك يدخل ضمن ماوصفه بالـ«إفساد في الأرض».. محمد صوان رئيس الحزب رد باتهام الغريانى بتوظيف الفتوى الدينية لمهاجمة ما أسماه «اجتهادات سياسية«.

التنظيم يترنح منذ سنوات؛ إستقال خالد المشرى رئيس المجلس الأعلى للدولة من حزب «العدالة والبناء» ومن جماعة الاخوان فى يناير 2019، دون حدوث أى تغيير ملحوظ في توجُّهاته الفكرية أو سلوكه السياسي، مما يؤكد ان الإستقالة نوعًا من التلوُّن السياسى.. المثلث الرئيسى لنشاطات التنظيم تقع رؤوسه فى مدن طرابلس والزاوية ومصراتة، التى شهدت أحداثًا دراماتيكية.. أعضاء جماعة الإخوان بمدينة الزاوية تقدموا باستقالات جماعية، إعتراضًا على إقامة القيادات بعائلاتهم فى الخارج، وتحريضهم على العنف، الذى يتحمل أعضاء الداخل تبعاته وحدهم، الإستقالة ترتب عليها إعتبار فرع الجماعة بالمدينة مُنحلاً منذ أغسطس 2020.. تلى ذلك الاستقالة الجماعية لأعضاء التنظيم بمصراتة فى أكتوبر 2020، رغم أنهم يمثلون أهم وأبرز معاقل الإسلاميين فى ليبيا، لكنهم لمسوا ضيق صدر الليبيين بتغول الجماعة، وممارساتها العنيفة، ووقعوا فى خلافات مع قياداتهم فى طرابلس، لأنهم نقضوا ما تم الاتفاق عليه من التزامات في المؤتمر العاشر الذي عقد عام 2015، وأهمها المراجعات وتصويب المسار.. فى النهاية آثروا الإنسحاب تجنبًا لتحمل تبعات حالة الاحتقان والسخط الشعبي على الإسلاميين، والتخلص من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في البلاد من فوضى، منذ إسقاط نظام القذافي عام 2011. 

جماعة «إخوان» ليبيا قامت مؤخرًا بعقد سلسلة من الندوات وورش العمل تحضيراً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، المزمع إجراؤها في ديسمبر المقبل، لكنها وجدت فتورًا فى تجاوب الشارع الليبى معها، نتيجة الإنخفاض الشديد لأسهم الجماعة، خاصة في معاقلها الرئيسية غرب البلاد، وأدراك السكان أنها‏ لا تسعى إلا نحو مصالحها، ولا تستهدف سوى السيطرة على الحكم.. سقوط التنظيم الأم في مصر، وكذا معظم أذرعها فى العالم، وتلوث سمعة التنظيم الدولي، نتيجة للربط المستمر بينه وبين الإرهاب، لعب دورًا رئيسيًا فى هذا التغير الهام.. وإسم التنظيم أصبح عبئا على المنتسبين له، بعد أن تم تصنيفه في الكثير من ‏الدول العربية «جماعة إرهابية»، مما فرض إجراء مراجعات، ومحاولة التلون من جديد، فى خطوة استباقية إستعدادًا للإنتخابات المقبلة.

بيان «الفرع الليبي» من تنظيم «الإخوان» المتعلق بقرار تغيير هويّتهم التنظيمية من جماعة «الإخوان المسلمين» إلى جمعية «الإحياء والتجديد» أشار الى أن الجماعة «تعرضت للشيطنة والتشويه والتزوير»، مما يؤكد ان التحول يستهدف التخلص من تلك الصورة النمطية التى ارتبطت بالتنظيم، نتيجة دعمه للجماعات المتطرفة، والتنظيمات الإرهابية، والتحالف مع الميليشيات المسلحة، كما يفسر ان التكتيك الراهن للجماعة مجرد تحول شكلى، يستهدف تجاوز عزلتها الاجتماعية والسياسية، واستباق المواعيد السياسية القادمة، وأهمها الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

السبب الآخر لتغيير «إخوان ليبيا» هويتهم، يتعلق بالرغبة فى تفادي الضغوط الداخلية والخارجية، خاصة بعد تضييق الخناق عليهم في ملاذاتهم الخارجية، نتيجة التقارب الذي طرأ على العلاقة بين أنقرة والقاهرة، ما أفضى إلى هذه العملية الاستباقية التى تستهدف تجنيب التنظيم المزيد من الضغوط، خاصة وان الغطاء المدني للنشاط «الإخواني» يعتبر أكثر مرونة وأسهل تمويلاً فى تحقيق المآرب الحزبية المنشودة.. انتقال الإخوان المسلمين من جماعة إلى جمعية إذن يعتبر محاولة جديدة للخروج من أزمة التنظيم الداخلية التي تواجهه منذ سنوات، وتجاوز الصراع بين الأجنحة داخله، وهو ما أدى الى توقف المؤتمرات العامة لحزب «العدالة والبناء»، الواجهة السياسية للتنظيم لسنوات، حتى انه لم يتم التجديد لقيادة الحزب، نتيجة لذلك.

وفى تقديرنا ان تحويل حركة إخوان ليبيا الى جمعية لن يُحَسِّن من وضعها، ولن يعزز من شعبيتها، وإنما قد يسىء لصورتها لدى أنصارها، باعتباره انصياعًا لرغبات طرف معين داخل التنظيم، ومهادنة لأعدائهم، والنتيجة الظاهرة ستكون وجود كيانين يمثلان الإخوان، الأول «حزب العدالة والبناء»، والثانى جمعية «الإحياء والتجديد».. ناهيك عن استمرار مظلة «الجماعة» بصورة خفية، بعد ان رفضت الأغلبية حلها.. هذه التركيبة الثلاثية من وجهة نظر الجماعة قد تخفف من وطأة الصراعات داخل التنظيم، وتتيح فرصة أكبر لضم مريدين جدد او على الأقل مؤيدين، وفقًا لقربهم او بعدهم عن كل من هذه الكيانات «سياسى، دينى، أو إجتماعى»، وتلك محاولة لمحاكاة وضع الإخوان المسلمين في تونس والمغرب والجزائر.. كعادة جماعة الإخوان؛ تغيِّر عباءتها، وأطرها التنظيمية، لكنها ليست على استعداد لتغيير توجهاتها الفكريه، أو مواقفها الوطنية.