الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

د. أحمد لاشين يكتب: صراع الإنسان مع الأسطورة والدين فى لعبة نيوتن

تقول الأسطورة المصرية القديمة، العسل هو دموع الإله رع، إله الشمس، خالق الكون، فعندما يبكي تتحول دموعه إلى نحل، لينتج العسل والشمع.. وهو طعام الآلهة، وقربان المعابد، ورفيق الموتى في رحلة الموت إلى البعث، فالعسل هو التجربة التي خاضها الإنسان والإله كتفاً بكتف.

هكذا يُقدم مسلسل "لعبة نيوتن" لغز الإنسان الحائر بين كونه مجرد رد فعل، أو أنه الفاعل الأول في لعبة الجاذبية، والتي تستمر إلى الأبد بمجرد تحريك أول حجر في لعبة نيوتن.

"لعبة نيوتن" عمل متقن الصنع، دقيق التكوين، كمعزوفة موسيقية، لا تتحمل هروب قوس من آلة كمان ولو على سبيل السهو أو الخطأ، فالعناصر مترابطة وبشدة، ورغم بساطة الشكل المقدم به الأحداث، زوجة مصرية تخوض رحلة حتى تضع حملها في الولايات المتحدة، لتحصل على الجنسية الأمريكية  لمولودها، وتضمن حياة أفضل لأسرتها، قصة سمعنا عنها وعايشناها مراراً، إلا أن "تامر محسن" المؤلف ومخرج العمل، قرر أن يجردنا من حيادنا، لنقع في فخ الشخصيات، نتفاعل وننفعل، ونحاول أن نقدم حلولًا، ونفكر.. وهنا كان الفخ الأعظم، أن نفكر.. لنكتشف تدريجياً أننا أمام عالم من الرموز ، فلن ندرك الإجابة إلا بمحاولة حل شفرات الشخصيات. فبدر ومؤنس وحازم وهنا وأمينة، هم اختزال لرحلة الإنسان وتجربته المعقدة للوصول للأفضل.

"بدر" و "حازم" عالم من العسل والأفيون:

بدر/ سيد رجب، أشد الشخصيات غموضاً، وأكثرها جاذبية، هو عالم مكتمل بذاته، لا يمت بصلة إلى عالمنا المعقد المتهافت، حضوره الطاغي على الأحداث، حتى أثناء غيابه، يجعلك مدرك تمام الإدراك أننا أمام رمز غاية في التعقيد على بساطته، هو الأسطورة بكل غموضها وعمقها، يملك مفاتيح كل الشخصيات ولا يمتلكه أحد، هو الإله كما جسدته الأساطير القديمة، جميل وخفي.

بدر، مجرد من المشاعر الإنسانية الضعيفة، يحارب أوهام التملك، خاصة بعد فقدانه ابنته "نور" التي رحلت عن عالمه المتشابك لتخوض تجربة العصيان الأولى في تاريخه، فتمردت على سلطة الأب أو الإله، ولكنه سرعان ما استعاد توازنه ليخلق عالمه الخاص، "الأورجانيك"، الخالي من العيوب الدنيوية، وكأنه الجنة. ويفرض تجربته على جميع الشخصيات، يحركهم كما يحرك قطع الشطرنج، يدخلهم إلى عالمه في تجربة مدهشة ليخرجوا منها محملين بشخصية مختلفة أكثر وضوحاً وصراحة.

وكان حازم/ محمد ممدوح هو تجربته الكاملة، فبعد أن جرده من مشروعه الخاص، وأشعل النيران في "المنحل" بواسطة مساعده/شاهين، وتسبب في أن ارتكاب حازم الخطيئة الكبرى  وهي "القتل"، وفي مشهد العزاء الأسطوري الذي أقامه لشاهين، قرر أن يُدخل حازم إلى التجربة، وهنا يظهر بوضوح رمزية العسل الأسطورية، ولكن هذه المرة كان العسل الممزوج بالأفيون، فعلى حازم المحمل بعقدة الذنب كأي إنسان مرتكب للخطيئة، أن يُقدم قربانا مقدسا للإله/ الأسطورة، حتى يمنحه المغفرة، وهنا تبدأ شخصية حازم في التغيير.

فالأفيون نبات مقدس في مختلف الثقافات القديمة، فهو مادة سحرية في مصر القديمة، وهو مشتق من "مورفيوس" إله الأحلام في الأساطير اليونانية، المسئول عن توصيل رسائل الآلهة في عالم النوم إلى البشر... فامتزاج الأفيون وبالعسل، قمة الرمز الأسطوري، بين عنصرين مقدسين، وعلى الإنسان/ حازم أن يجتهد بكل السبل حتى يرضي الإله، ليسمح له بخوض التجربة، ويمنحه شيئًا من حكمته، تلك الحكمة التي تتلخص في عدم الامتلاك، "اللي مش عايز يحس بالفقد، بلاش يمتلك من الأصل"، فأصل داء البشر وعذابهم وضعفهم هو رغبتهم الأصيلة في الامتلاك، لما يمثله من أمان زائف.

حازم يدخل التجربة، محملا بالضعف والفقد والخوف على زوجته هناء/ منى زكي، ليخرج منها أكثر حرية وقوة وندية لبدر، فقد تخلى تدريجياً عن مناداته "بدر بيه" ليناديه باسمه المجرد، ولكن ظل يلازمه طنين النحل الذي يباغته من آن لآخر، في رمزية واضحة على استمرار عقدة الذنب داخله رغم محاولته تجاوزها، فطنين النحل كما ورد في النصوص الجنائزية المصرية، أنها أصوات النفوس بعد موتها، فالإله رع يسمع أصوات النفوس بعد الموت وكأنها طنين النحل، بل أن الأرواح نفسها تتحول إلى نحل طبقاً للمعتقد المصري القديم. فاستخدام طنين النحل دلالة أسطورية أخرى تؤكد على عجز حازم رغم تجربته مع بدر على تجاوز جريمته الأولى.

بدر يجسد الأسطورة التي لن ينجو منها أحد، فالجميع سيدخل إليه، وسيولد من جديد، حتى بعد عودة هنا/ هناء من أمريكا، ومحاولتها الدائمة في إثبات قوتها واستقلالها عن حازم، إلا أن بدر تمكن أن يوقعها في عالمه، ويمنحها شراكة وهمية في منحل العسل الجديد، لتخوض تجربتها الخاصة والتي لن تكتمل إلا بشخصية مؤنس، أو الدين.

مؤنس وهنا .. عبودية الحب والامتلاك

حتى تكتمل المأساة، وتتشكل التجربة، تخوض "هنا" تجربتها المعقدة مع "مؤنس" ، والمحمل بطبيعة الحال بجملة من المتناقضات بين تدينه الظاهري، وعمق علاقته مع أمه الراقصة/ رمز الحرية، والتي يتضح في خلفية الأحداث أنها على علاقة صداقة ببدر/ الأسطورة. فمؤنس هو الفخ الذي سقطت فيه هناء بكامل حريتها، لتكتشف تدريجياً أنها متورطة في شخص مؤنس وأسلوب حياته وأفكاره.. مؤنس هو اختبار الدين، أو إن شئنا الدقة هو التدين الذي يمارس سلطة مدعاة على الجميع، يحاول أن يتخلص من علاقته السيئة بأمه في شخص كل زوجاته، ليغيرهن ظاهرياً فقط، يختار أقسى درجات الضعف التي تمر بهن، لينقض بنعومة شديدة، وبادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، حتى يفرض همينته وامتلاكه.

هناء، تمثل الوجه الآخر من التجربة الإنسانية في بحثها عن الأمان، والتي سعت لتحقيق حرية كاملة واستقلال في عالم غربي أمريكي، سعياً خلف حلم زائف، هدمت من خلاله استقرارها وحياتها مع حازم، سقطت في فخ التدين بوصفه النجاة من السقوط... مؤنس بكل تناقضاته يرمز إلى تلك الحالة من التدين التي تحقق مصالحها الخاصة جداً تحت رداء الدين وما يحققه من مكاسب.. علاقته بهنا علاقة امتلاك، يعتمد على التغير الشكلي فقط من حجاب أو نقاب أو غيره من الأشكال التي تضمن مسخ الهوية، لصالح عبودية وهمية، ورغم ثورتها عليه بعد محاولته اغتصابها إلا أنها ظلت في حالة رعب من مؤنس، يرمز إلى الكشف الذي توصلت إليه هناء بخديعة مؤنس الكاملة داخل إطار التدين المدعاة.

مؤنس هو الوجه النقيض لبدر، التدين مقابل الأسطورة، الصراع على امتلاك القدر وتغيره كما أشار بدر في حواره مع مؤنس، "أنا تدخلت في القدر وغيرته"... وعلى الإنسان أن يخوض التجربتين حتى تكتمل معاناته، فهناء التي سقطت في فخ مؤنس، ورغم تناقضها وصراعها الداخلي لإثبات استقلالها، لم تدرك فداحة ما فعلت إلا لحظة دخولها عالم "بدر" الأسطوري، الذي شعرت معه براحة غير مبررة، رغم التوتر والخوف المصاحب لشخصيتها، فتجربة هناء، لن تكتمل إلا ببدر.

أمينة.. عندما يبكي الإله:

أمينة، جزء أصيل من عالم بدر، من تكوينه، فهي نقطة صراعه وعجزه، فرغم يقينه بذاته، وإيمانه بوجوده وعالمه، إلا أن علاقته بأمينة، تذكرنا بأساطير آلهة الإغريق، وعلاقتهم المتناقضة مع بشر أو بالحوريات، فهو يحبها ويكره عجزه أمامها، وعجزه أمام مرضها القاتل.

ففي مشهد عظيم، لحظة اكتشافه أن المرض قد تمكن من جسدها، وأنها ميتة لا محالة، تخوض أمينة تلك الحورية البائسة، حوارًا من طرف واحد، كأنها تعاتب الإله على مرضها، ويجلس بدر في صمت تام، ولأول مرة يبكي، وكأنه يعلن عجزه عن شفائها.

المفارقة الهامة في تلك العلاقة، تكمن في توقيت معرفة أمينة خبر تمكن السرطان منها، وهي لحظة الخروج من عالم بدر لتستقل بحياتها مع حازم، في بيت جديد، وكأن عالمها الوحيد محدود ببدر وعالمه، وأي خروج يستحق العقاب والموت، فهي مخلوقة لهذا العالم، يمنحها بدر/ الإله، لحازم/ الإنسان حينما يريد ويستردها عندما يرغب. وقد استردها بالفعل بعد وفاتها ودفنها بجوار ابنته التي أنكر موتها، وكأن الموت بالنسبة له هو التمرد الذي يرفضه.

المسلسل بأكمله يرصد حالة الصراع التي يخوضها الإنسان ضد السقوط في فخ الجاذبية، والإحساس الدائم بالخوف وعدم الرضا، تجربته مع الأسطورة وتعقيدها، وأمانه الزائف مع أشكال التدين الخادع. ويظل السؤال من هو المحرك للفعل الأول الذي أعقبه رد الفعل، حازم وهناء أم بدر أم مؤنس، .. الإنسان أم الأسطورة أم الدين!